كنت أعرف أن فؤاد التكرلي روائي رفيع ومن طراز خاص، حين كنت أقضّي بعضاً من أوقاتي وظهيراتي البغدادية وأنا فتى في مطلع العشرين، داخل أروقة وقاعات محاكم بغداد، لأستمع وأشاهد مجرى الحوادث البغدادية وأوقاتها، كيف تُدار وتُجرى وفق القوانين والبنود والدساتير التي تحاكم المتهم وتحمي حقوق الإنسان وفق الأصول المرعية والشرائع الحديثة التي تدين وتتهم وتدافع عن القيم البشرية بما يتماشى ورؤية القانون الدولي الحديث المعني بحقوق وواجبات الإنسان المعاصر.
فؤاد التكري، كان أحد القضاة الذين يحكمون بميزان العدل والفكر النيّر والنهج الحداثي المرسوم لمعالجة القضايا والصروف والمشاكل الإنسانية اليومية، وما أكثرها في عالم اليوم.
كنتُ أأنس لتلك الجلسات الظليلة المغمورة بالفيء البغدادي تحت تلك القباب الحكومية في مستديرة القشلة القريبة من سوق السراي والمطلة على مقاهي المحاكم أيضاً وعلى نهر دجلة، إنها مقاهي المحامين والعرضحالجية والمتابعين الحكوميين والمرافعين والمحلفين. كنت حين أتخم بقضية ما، أميل إلى المقهى لأرفد الرأس المثقل بالحكايا، بقدح من الشاي الثقيل، ثم أعاود المجيء لمتابعة المتبقي من تلك القضية التي رفعت جلساتها أو متابعة قضية أخرى، مثل قضايا الطلاق والقتل والأخذ بالثأر، أو قضايا السرقات الكبيرة، مثل الاختلاس والنهب وهدر الدم في مشاكل الحرام والزواج دون إذن الأهل، أو مشاكل النساء مثل الزنى وهتك العرض وفض البكارة دون شرعة قانونية لتجري خارج سياقها المعروف الذي هو الزواج، وغيرها الكثير من المصائب الإنسانية. كل تلك الحادثات كان القاضي فؤاد التكرلي يحكم فيها ويبتّ ويقضي وفق قانون القضاء العراقي الذي كان عادلاً حتى نهاية السبعينيات، ولكنه تغيّر وشابه السواد في عهد الطاغية صدام حسين الذي راح يسيّره حسب مصالحه الشخصية، مثل أي طاغية يمرّ في مجرى التاريخ ليسوّد صفحاته، واستمر انهيار القضاء العراقي على هذا المنوال حتى هذه اللحظة السوداء من تاريخ العراق.
هناك في تلك الأبهاء المليئة بالشهود والمدّعين والمنادين والمشتكين والمتابعين مثلي للمشهد، كنت أرى فؤاد التكرلي كيف يُدير الحياة الغاصّة بالمشاكل كرواية محكمة، ملآى بالشخوص والحوادث والمآزق اليومية التي تواجه الإنسان في مشواره الحياتي القصير.
ترى كم أفاد فؤاد التكرلي الذي كنت أقرأ له بعض قصصه الرفيعة، من تلك الأجواء الملبّدة بالتفاصيل- المنسوجة مثل خيوط العنكبوت والملتفّة حول الإنسان، لتوقعه أسير تلك الشبكة المحيّرة والدائرة الغامضة من مهاوي الحياة ومطبّاتها التي ليس لها من نهاية، حياة توقع الكثير في دائرة الشك والشبهات والمتاهات المغلقة والشائكة، حتى البسيط منها يذهب لتغمره الأقاويل والتفاسير والورق المُسوّد بالحبر والدفاتر الثقيلة التي تحوي آلاف القصص والحكايات، كل هذا كان يغمر مخيلة روائي ممتع وقدير وكبير ليتزوّد مخياله من كل هذه الأقاصيص الحبلى بالخطايا والموبقات ودم الثأر الذي لا يبرد إلا بدخول آخذه بوابة السجن ليقبع هناك وراء القضبان.
إذاً قصص وروايات التكرلي قد التفتت إلى ذلك المنهل الكبير للقضايا اليومية للإنسان العادي وهو يصارع من أجل تفكيك منظومة تلك الحبائل والمصائب والوقائع التي لا تفتأ تواجهه كل يوم.
مرة سألته حين كان يقيم في دمشق، عن عطاء تلك الفترة وكم أثْرَت أعماله وأثّرت في بناء معمار قصصه ورواياته، فأشار برأسه وابتسم قائلاً «كانت حقاً فترة مؤثرة جداً في سياق حياتي مما أنعكس على مجمل أعمالي كثيراً. ليست القصص والحكايات التي كنت أتابعها في تلك الملفّات السميكة والكبيرة والتي تكاد لا تحمل لثقلها، كونها مليئة بالأوراق والأختام وأوراق الحكومات البيروقراطية التي تكاد لا تنتهي، ورقة متبوعة بتفصيل صغير، بأخرى تحمل تفصيلاً طويلاً ومملاً، سرد وإسهاب وكتابة على كتابة، وحكاية على حكاية، هذا كله قد لا يترك شيئاً في سياق عملي، لكن الطريقة والاسلوب والتوتّر وطريقة نظم الحكاية هي التي أفادتني أكثر» .
كان التكرلي رجلاً خلوقاً، مهذباً، هادئاً، عالي المقام والرتبة، بجلاء وعيه وندرة تفكيره النيّر ووضوح مراده ومسعاه الأدبي، حين تحاوره لا يرفع من طبقة صوته، فهو أن تحدث لا يتحدث إلا همساً، ولا تستطيع أن تمسك عبر سياق حديثه كلمة غير لائقة، تحاول أن تخرج عن السياق لتخدش طريقة الخطاب، لكن ذلك كله قد تجده في رواياته وقصصه ونثره المستنير والبرّاق، لم يكن غير لبق في الحديث، أو مشاكساً أو متهكماً، ساخراً من هذا وذاك، كرفيق طفولته وشبابه الشاعر عبد الوهاب البياتي، إنه العكس تماماً، كان مثل صديقه ونظيره الثاني والمنافس الأكبر له في أيام الخمسينيات الرائد عبد الملك نوري، ويمكن إضافة غائب طعمة فرمان أيضاً إلى الشلة، لقد نشأ هؤلاء الأربعة في منطقة الشيخ عمر لعوائل ميسورة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة من مجتمعات الشعب العراقي.
في تلك الفترة من الأربعينيات أنبرى هؤلاء الفتيان المجدّدون، ليبنوا عوالمهم الخيالية والجمالية والفنية، كل حسب نبرته وطريقته وأسلوبه الخاص، مؤسسين بذلك للحداثة الأولى في عراق الفترة الذهبية من مرحلة الملكية التي توّجت تلك المسيرة بحداثة نادرة ومتطورة على صعيد الموسيقى والشعر والرواية والقصة والرسم والنــحت والغناء والعمارة العراقية.
حين توقف كل من عبد الملك نوري عن الكتابة وابتعد غائب طعمة فرمان إلى المنفى، واصل فؤاد التكرلي الكتابة في الداخل، فكتب ملحمته الأثيرة «الرجع البعيد» وهي الرواية المتشابكة والمتداخلة سرودها بين المتن والهامش لتعلي من معمار الرواية، تلك الرواية التي كانت عسيرة من جهة القراءة بالنسبة للقارئ العربي، كونها كتبتْ باللهجة المحكية العراقية، وطُبِعَتْ حينها في بيروت، ولكنها جاءت وهي في بروفاتها الأولى مليئة بالأخطاء المطبعية، مما اضطر الروائي إلى السفر إلى بيروت لتصحيح البروفات وإعادة طبعها عشرات المرات، حتى انتهتْ واستوتْ فطبعتْ، غير أن حرف الطباعة كان صغيراً حين صدرتْ. كنت أيامذاك في بيروت، كانت الرواية بمثابة زاد للمنفيّ والمهاجر والمقتَلع من جذوره، زاوية التناول في الرواية كانت جريئة ومُغامرة، لأنها تناولت فترة انقلاب الثامن من شباط البعثي، متحدّثة عن دور ميليشيا الحرس القومي في تلك الأحداث الدامية، حيث بطل الرواية التي ناهزت الأربعمئة صفحة، كان من الحرس القومي، وهي لا تزال حتى اللحظة تقرأ وفيها قدر كبير من الطزاجة الفنية العابرة للأوقات.
لعل روايته الأخرى اللافتة والتي نال عنها جائزة عربية مرموقة، هي «المسرّات والأوجاع» التي توّجتْ حياته بعمل فذ وباهر وعالي البناء بمفاهيم وتقنيات الرواية الحديثة التي يخالطها الفن الكلاسيكي في طريقة سرد الأحداث، دون أن تهمل الطابع المعاصر والحداثي في عملية التخليق الفني لمزج الرؤيا بالخيال أثناء كتابة هذه الرواية الرائعة.
كانت المرة الأخيرة التي التقيت فيها التكرلي في عام 2006 أثناء أيام مهرجان «المدى» المقام حينذاك في أربيل، ونحن في الفندق نجلس أثناء الطعام أو أثناء تناول الشاي والقهوة، كانت تجري بيننا أحاديث شتى عن العراق والمنافي وعن حياته في تونس كيف كانت، في حينها كانت ترافقه زوجته التونسية وهي قاصة وروائية أيضا ولها مؤلفات مطبوعة، في تلك السويعات الجميلة، وأنتَ مع كاتب كبير بوزن فؤاد التكرلي، تحسّ بالوقت يتناهبك ويمضي سريعاً، فعليك أنْ تدرك قيمة الوقت وقيمة مع من تجلس، حينذاك ملت إليه وكنت قبيل شهور قد قرأت روايته الجميلة هذه، ملتُ وقلت له «إنني لم أزل أعيش أجواء وأحداث وأوقات المسرّات والأوجاع هل تصدقني؟» فأبتسم بطريقة خجلى ولكنها تحمل قدْراً من السرور بما قلت، ملتفاً إلى زوجته قائلاً :»أسمعتِ ما قيل؟». كانت السيدة منشغلة حينها مع ولدهم الوحيد الذي رافقهم في السفرة، قادمين من دمشق التي كانت المقام الثاني لهم بعد العاصمة التونسية.
في تلك الرحلة ونحن نلتقي في الأروقة وحول دورات الشاي والقهوة ومعرض الكتاب الذي رافق المهرجان، كان يحدثني عن الوقت والتنقل وعدم الاستقرار في مكان معين، فهو يحتاج إلى مكان هادئ للكتابة، يصفو فيه ليسطر كلماته الجديدة، فهو مستودع كبير من الذكريات والتجارب التي عايشها، ليس عبر تجربته فحسب، بل عبر تجارب الناس وشرائح المجتمع العراقي، متعدد الأعراق والإثنيات والهُويات. من هنا يتبدى سر القوة الإبداعية الكامنة لدى التكرلي، الكاتب الذي غاص عميقاً في طبقات المجتمع العراقي، محللاً، أياه وراسماً ملامحه بقوة كاتب مقتدر لا يقل في أهميته عن كتاب كبار، أبدعوا وأماطوا اللثام عن المغمور والمنسي والمتشابك في نسيج شرائح مجتمعية واسعة، دارساً كباحث سوسيولوجي تلك الطبقات المتراكمة من التاريخ المهمل والمنسي لدى هذه الشرائح التي كانت تملك الكثير من الشعراء على مدار التاريخ والأزمنة، ولكنها لا تملك ذلك الراوي الأنثروبولوجي القادر على فك النسيج المتشابك لتلك الطبقات المختلفة والمتنوعة.
لعل أجمل ما كتبه من روايات قصيرة، والتي تعد علامات فارقة في مسيرة الرواية العراقية، هما تلكما الروايتان «بصقة في وجه الحياة» وهي رواية خمسينية، ولكن مؤسسة لعالم روائي سوف ينمو ويسود الحياة الأدبية العراقية. كانت توحي من خلال بنائها الحديث المبني على تيار اللا وعي، توحي بسيادة هذا النوع من الكتابة، ذلك البناء المتأثر كثيراً بـ «الصخب والعنف» لوليم فوكنر. أما روايته الثانية، فهي رواية ملمومة، قليلة الوصف، والسرد، تعتمد البناء الدائري في العمل الذي ينطلق من نقطة لينتهي بها، ألا وهي «خاتم الرمل» وهي من الأعمال التي تعتمد الاختزال والإشارة والدلالة ملمحاً لها، وتعتمد أيضاً على المونولوغ الداخلي الذي يختصر الديالوغ بين الحبيبين والعاشقين في لقاءاتهما ليجعله قصيراً، خالياً من الإطناب والإسهاب والشطط، ذلك الذي لازم بعض الروايات التي ظهرت في فترة الخمسينيات، خصوصاً الرواية المصرية.
لم يمهل الزمن فؤاد التكرلي وقتاً ليكمل مشروعه الكبير، في سرد ذلك العالم الذي عاشه حين كان قاضياً، فأمراض المهاجر كثيرة ولا تحصى، أبرزها عدم التمكن من الإقامة الدائمة، ذلكم أهم ما يحتاجه الكاتب والروائي تحديداً، إنه يحتاج إلى مكان دائم وهادئ ليؤسس مدنه الطوباوية وأحلامه الرؤيوية، وليس إلى مكان قلق، وممزق ومهدد بالرحيل والهجرة، أو موقت خال من قلق التجربة، كما قيّض له أخيراً أن يقيم في أربيل كردستان العراق، وينهي حياته هناك.
هاشم شفيق