برلين ـ «القدس العربي»: يواجه «حزب العدالة والتنمية» التركي تحديا كبيرا من أجل تشكيل حكومة جديدة، وذلك بعد إخفاقه في الحصول على أغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى في تاريخه. إذ إنفرد الحزب بحكم تركيا منذ عام2002، لكن الخسارة التي مني بها بعد حصوله على 40 في المئة فقط من الأصوات، والتي شكلت تراجعا بحجم 10 نقاط تقريبا مقارنة بنتيجته قبل أربع سنوات (ما يمنحه 258 مقعدا في البرلمان الذي يضم 550 عضوا). ينظر إليها مراقبون على أنها ضربة لجهود مؤسسه، الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي كان يأمل في الاستحواذ على 330 مقعدا والتمكن من عمل استفتاء حول تغيير نظام الحكومة، لتغيير النظام الرئاسي بشكل يمنح مزيدا من السلطات لمنصبه.
هذه الانتكاسة الانتخابية التي مني بها حزب أردوغان قابلها أرتياح ألماني. حيث رحب المتحدث باسم الخارجية الألمانية مارتن شيفر، بنتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدتها تركيا، معتبرا أنها تعكس المستوى الذي وصلت إليه الديمقراطية في تركيا. وأكد شيفر على أن ألمانيا «ترحب بالجهود» التي بذلها الناخبون الأتراك، قبل وبعد الانتخابات البرلمانية، وبالأجواء الديمقراطية التي سادت العملية الانتخابية. وأشار إلى أن أنقرة تعد شريكة مهمة لألمانيا في قضايا السياسة الخارجية والأمن، مؤكدًا أن بلاده «ستبذل قصارى جهودها من أجل تحقيق التعاون بين الشعبين الصديقين».
ولم تخف العديد من وسائل الإعلام الألمانية سرورها، وفي بعض الأحيان شماتتها بعد إعلان النتائج، معتبرة أن أردوغان كان يسعى للحصول على المزيد من النفوذ، ما يهدد العملية الديمقراطية في تركيا. وعبرت وسائل الإعلام الألمانية عن سعادتها لما أسمته وعي الشعب التركي الانتخابي والذي عطل على أردوغان خططه المستقبلية. كما رحب خصوم أردوغان بأول خسارة سياسية له منذ 13 عاما.
صحيفة «داس بيلد» الألمانية واسعة الانتشار عبرت عن دعمها لنتائج الانتخابات التركية، والتي قلصت من نفوذ أردوغان. وقالت في افتتاحيتها تحت عنوان «هل يتوجب على أردوغان أن يحزم حقائبه؟» ان نتائج الانتخابات تقفز بالآمال التركية مرة أخرى، وذلك بعد العزلة التي أصابت البلاد بعد حكم أردوغان. الشعب حطم آمال الرئيس التركي بالحصول على المزيد من النفوذ وقلص من أحلامه. وتابعت الصحيفة: لقد عبرت المعارضة عن رفضها الانتخابي ليس فقط لأردوغان، بل أيضا لخططه طويلة الامد. مثل القصر الرئاسي الذي صمم أردوغان على بنائه مكلفا الدولة أكثر من 500 مليون يورو، والـذي سـتـكـلف صيانته جيوب الأتراك ما لا يقل عن 37 مليون يورو سنويا، بحسب ما أكد الخبراء. فهل يمكن اعتبار هذه النتائج رسالة من الشعب لأردوغان كي يحزم حقائبه ويغادر قصره؟
من جانبها كشفت صحيفة «شبيغل اونلاين» أن ألمانيا هي مركز انتخابي مهم لأردوغان ولحزب العدالة والتنمية، حيث صوت 53 في المئة من الأتراك في المانيا لصالح أردوغان. الا أن حزب الشعب الكردي حاز أيضا على تأييد كبير من الأكراد في ألمانيا ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات التركية. وقالت الصحيفة بالرغم من خيبة الأمل التي أعترت العديد من الأتراك الذين صوتوا لصالح أردوغان فان الاحتفالات انطلقت في أكثر من مدينة ألمانية مثل هامبورغ وشتوتغارت وبرلين بعد أن استطاع الحزب الكردي اجتياز نسبة الحسم والوصول إلى البرلمان وذلك لأول مرة.
ولطالما اتسمت العلاقات الأوروبية التركية دائما بأنها تتراوح بين مد وجزر، ولطالما أعربت دول مثل ألمانيا وفرنسا عن قلقها من تزايد النفوذ التركي ما يهدد مصالحها التجارية والسياسية. لذلك عبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن قناعتها في السابق بأنه لا مكان لتركيا في الاتحاد الاوروبي وبأنها ترى العلاقة بين أوروبا وتركيا هي علاقة شراكة متميزة وليست اندماجا كاملا داخل الاتحاد.
كما أن الزيارة التي قام بها أردوغان لألمانيا من أجل حشد الأصوات لحزبه قابلتها أحتجاجات ألمانية حيث هاجمت صحيفة «داس بيلد» الألمانية زيارة أردوغان وكتبت على صفحتها الرئيسية «أردوغان أنت غير مرحب بك هنا في المانيا « وقالت الصحيفة في رسالة مفتوحة على موقعها الالكتروني «لا نريد سياسيين مثلك» واعتبرت ان الزيارة هي مجرد استعراض إعلامي هدفه كسب أصوات الأتراك وهروبا من الفشل للسياسات الداخلية التركية.
ويبدو أن ألمانيا تترقب النتائج خاصة بعد خطاب أردوغان الأخير والذي رأى فيه مراقبون أنه ينهج طريقا تصالحيا حيث شدد الرئيس التركي على الإسراع في تشكيل حكومة جديدة داعيا قادتها إلى إنكار ذواتهم وقال: إن التاريخ سيحكم على أي شخص يعرقل هذه المهمة. ويرى مراقبون أن أوروبا لا تريد أن تتازم الأمور في تركيا، وذلك لانها تعتبر منطقة عازلة بين أوروبا وبين حالة عدم الاستقرار التي تعم الشرق الأوسط ، كما أن تمركز مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية على حدود تركيا مع سوريا، يزيد من مخاوف أوروبا من عودة العنف إلى جنوب شرق البلاد ذي الأغلبية الكردية في حال تعثر محادثات السلام بفعل صراعات تشكيل الحكومة الائتلافية.
علاء جمعة