إساءة في ساعة !

حجم الخط
0

لا شك أن وسائل الإعلام كافة قد أبلت ‘بلاء’ لا يُرد بأسه في تغطية الحدث الأبرز في الآونة الأخيرة، والذي اشتُهر بأنه إساءة نكراء بحق النبي محمد عليه السلام، ولعلنا نكون من السذاجة بالقدر الكافي لأن نحسبه كذلك ونكون أكثر سذاجة إن حسبناه أقل من ذلك، فهو ليس بالأهمية الكافية لأن يكون إساءة حقيقية لشخص النبي كرمز أعظم للدين الإسلامي، وفي الوقت ذاته ليس بالترّهة التي نتجاوزها فلا نلقي لزمانها ومكانها وشخوصها بالاً.يجدر بشخص ما، مهتماً كان أم غير مكترث، أن يسلسل الوقائع حتى وإن كان عبر قانون لعبة ‘الليغو’ الطفلية، ليشكل لدقائق قليلة مجسماً واحداً كان يبدو للوهلة الأولى ألواناً مختلفة لا مجال لتصنيفها، وليتني آخذ على عاتقي هذه اللعبة تكريماً لي من الطفولة. يبدو واضحاً أن الحكومات الإسلامية لم تكن عند حسن ظن شعوبها، فلم يصدر عنها كما جرت العادة موقف حازم وشاف تجاه الإساءة الجليّة لنبيهم، ذاك مما جعل الحراك الجماهيري أكثر قوة وعنفاً في بعض الأحيان، وتلك نتيجة من بعض النتائج التي كانت ترتجى من نشر هذا الفيلم، فالإدارة الأمريكية والتي كانت ستتعامل بطريقة أكثر صرامة مع مسيء لقِطة ضالة في إحدى شوارع نيو جيرسي، كان يحلو لها ما حدث، بل هي فرصة جاءت للرئيس الأمريكي باراك أوباما على طبق من بلاتين، وهو الحالم بجولة رئاسية جديدة. كيف لا، وهو الذي قدم عرضاً مغرياً بقتله لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أيار مايو من العام الماضي، وأتبع ذلك بعدة عروض على مدار العامين الماضيين ابتداءً من التمويل الكلامي في ثورة مصر إلى الدعم العسكري في ثورة ليبيا إلى الوساطات السياسية في ثورة اليمن وصولاً إلى الدعم الكلي لجزء من المعارضة في ثورة سوريا، مما يجعل المادة الفيلمية المسيئة هي الحلقة الأكثر لمعاناً في سلسلة نشاطاته هذه، فتلك المادة وبالرغم من رداءة إنتاجها وتصويرها، إلا أنها كافية باعتقاده لإثارة الحنق لدى الشعوب الإسلامية عامة ولدى الجماعات الإسلامية (والمسلحة منها) خاصة ، وبقدر ما لأهمية البلابل والقلائل التي تثيرها الأولى إلا أن دور الثانية هو المنتظر. حُكم الإسلاميين الحديث في مصر في ظل هذه المعمعة والوضع الحساس داخلياً وخارجياً يجعل من اصطيادهم أمراً محبباً (فمصرية القبطيين ومهاجمة السفارة الأمريكية في مصر ليستا صدفة أيضاً!)، أما القاعدة التي لم تأخذ بثأر زعيمها السابق بن لادن بعد، فذاك يعتبر نكأً جديداً لـ ‘جرح الماضي’ بالنسبة إليها، والذي من وجهة النظر الأمريكية – يتطلب رداً ‘متوقعاً’ من نوع تفجيرات مدريد ولندن 2005، وذكرى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر هي الأقرب، أما ما تنتظره ليبيا عقب تفجير السفارة الأمريكية فيها ومقتل السفير الأمريكي فهو البرهان الحي على ما قيل وما سيحدث. إشارة في ظل استفسار بريء: زيارة بابا الفاتيكان بندكتوس السادس عشر للأراضي اللبنانية منذ أيام، وهو رمز أعلى للمســـيحية الأرضية، هل كانت زيارة من باب الصدفة في هذا التوقيت؟ ولماذا كانت الزيارة إلى لبنان بالذات وهو البلد الذي افتقر للأمان منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت؟ أم أن رسالة ‘السلام’ التي وُجّه بها كانت أعظم من استمرار باباويّته ؟في ختام لهوي الفكري، لا أهوّن مما اعتبره البعض إساءة ولا أضخّم مما لم يتجاوز لفظ الإساءة إلى معناها الحقيقي عند البعض الآخر، فإن حاولوا حقاً النيل من شخص النبي محمد عليه السلام، فقد اجتهد من هم أعتى وأكثر قدرة على الإساءة له حيّاً على مدى سنوات طوال ولم ينالوا إلا من أنفسهم، فكيف بمن جاؤوا بعدهم بقرون على موته، هل باستطاعتهم الإساءة له في وقت تجاوز الساعة بقليل؟! أما و قد كان المقصود الواضح من الإساءة غير النبي، فعلينا بوقفة، على أن لا نطيل على أقدامنا.لكل شخص أن يرتب هذه القِطَع بالطريقة التي يرغب، لأنها موجودة شئنا أم أبينا، ولكن، إذا ما توقّع الخصم منك ‘ردة فعل’ ما، فذلك نصف النصر له، أما إذا نفذّتَ ما يتوقع، فذلك هو النصر الكامل المؤزر.. له بالطبع!هند دويكات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية