قبل بضعة ايام وصل وفد رفيع المستوى إلى زيارة في بيت الرئيس في القدس. وقد شارك في الوفد جميع رؤساء الجامعات الإسرائيلية، ولم يتغيب أحد. على رأسه كان البروفيسور بيرتس لافي، رئيس التخنيون، ورئيس لجنة رؤساء الجامعات. في الصورة التي نشرت في اليوم التالي في «يديعوت احرونوت» ظهر صف من البروفيسورات (الكثير من الرجال والقليل من النساء) الذين يقفون إلى جانب الرئيس وهم مرفوعو القامة وعلى وجوههم يظهر الرضى حيث تم تحقيق الهدف من الزيارة. لقد جاء رؤساء الجامعات من اجل طلب مساعدة الرئيس في الصراع الاكاديمي الإسرائيلي ضد مقاطعة الجامعات الاجنبية. الرئيس أعلن أنه يرى نفسه «جندي في خدمة الاكاديميا»، ووعد بفعل كل ما في استطاعته من اجل النضال ضد هذه الظاهرة المقلقة التي تهدد بالحاق الضرر بالبحث العلمي والتعليم العالي في إسرائيل.
الصورة الملونة في «صحيفة الدولة»، التي نشرت في اليوم التالي نبأ عنوانه «نقاوم المقاطعة»، أثارت فيّ التفكير حول العلاقة بين المجموعة الحكيمة التي ظهرت في الصورة وبين فهم الواقع والعقل المباشر. هل يؤمن رؤساء الجامعات بالفعل أن الذهاب إلى الرئيس ووقوفه إلى جانبهم سيغير حال الاكاديميا الإسرائيلية التي تتجاهل الاحتلال العسكري المستمر منذ عشرات السنين، وفرض نظام كولونيالي في الضفة الغربية، والتخلي عن القانون الدولي الانساني، والاجحاف اليوم بحق السكان الفلسطينيين؟.
يمكن أن يكون القطار قد فاتكم، ويمكن أنه ما زال يمكن الامساك بدفة السفينة المتجهة إلى الجبل الجليدي، وحرفها. أريد أن أقترح عليكم اتخاذ خطوات امتنعتم عنها حتى الآن، والتي من شأنها أن تكون أكثر نجاعة من تجنيد رئيس الدولة لنضالكم.
البروفيسور مناحيم بن ساسون، في الساحة الخلفية للجامعة العبرية التي أنت رئيسها، وعلى مسافة 15 كم شرقا، وبالقرب من الشارع رقم واحد، وفي قلب الخيام وبيوت الصفيح، هناك مدرسة للاولاد البدو تسمى «الخان الاحمر». هذه المدرسة بنيت من اطارات السيارات القديمة وأقيمت في 2009 بمساعدة جمعية ايطالية، تخصصت في اقامة مبان عامة بسيطة ورخيصة للفقراء. ومنذ اقامة المدرسة استطاع 120 طالب بدوي الحصول على التعليم الابتدائي. لكن بعد اقامتها مباشرة أصدر ممثلو الدولة في المنطقة أمرا بهدم المبنى. ولأن الدولة لم تسارع في تنفيذ أمر الهدم، فقد تم تقديم ومناقشة ثلاث دعاوى بين 2009 ـ 2014 لمحكمة العدل العليا، طالب فيها الجيران في المستوطنة القريبة، كفار ادوميم، بأن تقوم الدولة بتنفيذ أمر الهدم.
يمكن أن رؤساء الجامعات مثل باقي سكان إسرائيل، لم يسمعوا بمدرسة الاطارات في الخان الاحمر، لكن هذه المؤسسة تحولت إلى رمز للقمع الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ورمز لسلطة الفصل العنصري. مستوطنة كفر ادوميم تطل من الاعلى على الخان الاحمر مملوءة بالمنازل الجميلة المحاطة بالحدائق الخضراء، وفي مركزها بركة سباحة ومبنى رياضي، وعلى طولها وعرضها مبان عامة، وفي هذه الايام يُقام فيها مبنى تعليمي فاخر.
التناقض في ظروف الحياة بين هؤلاء واولئك، والذين يبعدون عن بعضهم البعض مئات الأمتار فقط، يظهر بشكل واضح. خيمة الخان الاحمر ومدرسة الاطارات تحولا إلى مزار للصحافيين ومخرجي الافلام الوثائقية وممثلي منظمات حقوق الانسان من أرجاء العالم، والدبلوماسيون الاجانب منهم وزراء خارجية للدول الغربية. واحيانا يقوم الزائرون بتوثيق ما يحدث في المكان في الوقت الحقيقي. قبل عام وضعت شاحنة أرجوحة بدعم من الحكومة الايطالية، في ساحة المدرسة. وبعد ساعة تم مصادرة هذه المواد الخطيرة من الادارة المدنية التي وصل رجالها بمرافقة الجنود. وقبل شهر تمت مصادرة 24 لوحة تعمل بالطاقة الشمسية من اجل اضاءة بضعة مصابيح في الخيام، وزعم رجال القانون في المنطقة أنه لم يتم الحصول على «ترخيص» لهذه اللوحات التي تشبه في حجمها وشكلها ألواح الحمامات الشمسية.
هذه الصور وغيرها اضافة إلى تقارير منظمات حقوق الانسان، تجد طريقها إلى الجامعات ومراكز الابحاث في الخارج. هذا التصرف لدولة إسرائيل و»ممثليها»، المستوطنين، لا يدفع الاكاديميين ومنظمات حقوق الانسان في الغرب إلى التقرب من إسرائيل.
هل خطر ببالكم أيها الرؤساء أن تتضامنوا وتعيدوا طلاب مدرسة الاطارات؟ هل فكرتم ذات مرة بالخروج ضد الحكومة، المسؤولة عن الاخلال بحقوق الانسان الاساسية؟.
إن مدرسة الخان الاحمر هي مثال من أمثلة كثيرة على السلوك الغير محتمل انسانيا، والغير قانوني حسب جميع المعايير، من دولة إسرائيل في الضفة الغربية. انظروا مثلا ماذا يحدث لسكان المغارات في جنوب جبل الخليل، وهدم خيام البدو في الغور، وقطع الاشجار ومصادرة الاراضي، والقوانين المنفصلة التي تميز اليهود عن العرب. لا أتذكر أن الجامعات في إسرائيل كان لها أي موقف ضد هذا السلوك في أي يوم.
إن صورتكم وأنتم في صف واحد في ساحة مدرسة الاطارات في الخان الاحمر (مثلما في بيت الرئيس)، وأنتم تدعون إلى توقف دولة إسرائيل عن التحرش بالاطفال البدو، ستخدم أكثر النداء ضد المقاطعة الاكاديمية من تلك التي مع الرئيس، وحتى إن لم تحققوا النتيجة المرجوة، فعلى الاقل تستطيعون تقديم العزاء لأنفسكم أنه رغم التأخر عشرات السنين، إلا أنكم فعلتم الامر الاخلاقي والصحيح.
هآرتس 15/6/2015
شلومو لاكر