■ لم تترك القيادات الدرزية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرصة أو مناسبة إلا ورفعت شكاواها إلى رئيس الدولة، أو رئيس الحكومة، أو أي وزير يمكن أن يستمع إلى تلك الشكاوى، المتعلقة بنسف وتدمير بعض البيوت أحيانا، أو مصادرة بعض الأراضي في القرى الدرزية، الموزعة خصوصا في منطقة الجليل الفلسطيني المحتل، بحجة أن تلك البيوت أقيمت من دون تصاريح رسمية.
هذا في ما يتعلق بـ»أخوة الدم»! كون السلطات الرسمية الإسرائيلية تعتبر الدروز «أخوة دم»، أي الذين حاربوا معا، فكيف هو الأمر مع البقية الباقية من الفلسطينيين الآخرين، الذين اخترعت لهم السلطات الإسرائيلية قوميات وأصول إثنية مفبركة ومخترعة، كأن يطلق على مسيحيي فلسطين أنهم من قومية «آرامية»! طبعا لم يكن نسف وتدمير أحد بيوت قرية كفر كنا، في الفترة الأخيرة، هو الأول من نوعه ولا الأخير، فهناك آلاف البيوت تم تدميرها بحجة أنها مخالفة لقوانين البناء، وهناك آلاف البيوت الأخرى مرشحة للتدمير أيضا. والسؤال هنا ماذا يفعل أب وجد أن أبناءه وبناته قد كثروا وكبروا، وقدم طلبا رسميا لإضافة عدة غرف، أو أنه يريد أن يبني بناء جديدا، ليجد أن طلبه قد رفض، أفلا يدفع هذا إلى البحث عن أي وسيلة، يمكنها أن تحل مشكلة السكن، خصوصا أنه يبني على أرض هي من أملاكه الخاصة؟
منتجع للفنانين
إذا كان الأمر كذلك، ونحن على أبواب الذكرى السابعة والستين للنكبة، فكيف تم التعامل مع قرية عين حوض على سبيل المثال، وسكانها منذ عام 1948 وحتى اليوم؟
تقع عين حوض بالقرب من مدينة حيفا، وتبعد جنوبا بنحو 15 كيلومترا، وترتفع عن سطح البحر بنحو 150 مترا، وتبعد عن شاطئ البحر بنحو خمسة كيلومترات، وتحيط بها الغابات والمزارع. يعتقد سكان عين حوض أن «أبو الهيجاء» أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، هو الذي أنشأها، وما زالت عائلة أبو الهيجاء من العائلات ذات النفوذ والتقدير بين السكان، حيث أقيمت عدة مستعمرات إسرائيلية على بعض أراضي القرية بعد احتلالها عام 1948، ومن بينها مستعمرة (عين هود)، حتى اسم القرية الأصلي عين حوض انتزعوه وصادروه وحولوه إلى عين هود! بلغ عدد سكان عين حوض سنة 1948 نحو 750 نسمة، تم تهجير أغلبهم إلى مناطق عدة من فلسطين وخارجها، وقد بقي من سكان القرية نحو 150 نسمة، حيث أنشأوا على بعد أمتار قليلة من قريتهم الأصلية قرية جديدة بالاسم نفسه، بعد أن هجروا من القرية الأصلية. خاض السكان منذ نكبتهم وتشريدهم عن قريتهم نضالات عديدة لاسترجاع بعض الأراضي، أو حتى بعض البيوت، التي حولتها القوات الصهيونية إلى منتجع سياحي، ومكان إقامة للفنانين والأدباء منذ عام 1954، ولم يتم الاعتراف بسكان القرية الأصليين، وحرموا من الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والطرق وغير ذلك، واعتبروا من «الحاضرين الغائبين».
بنت الحكومة الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي سياجا، بحجة منع أهالي القرية الأصلية من التمدد والبناء على أراضيهم، ومنعا للاحتكاك الذي يمكن أن يحصل بين مالك أصلي لبيت وسارق له، أو مستول عليه من بين المستعمرين الجدد، فهل هذه من صفات الأدباء والفنانين الذين يفترض أنهم يملكون فائضا من المشاعر الإنسانية الرقيقة والشفافة والرهيفة؟ وما زال أهالي قرية عين حوض البديلة، يسعون بكل جهودهم للمطالبة بحقوق لهم أساسية، لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان المتحضر والمتمدن.
تلك هي حكاية من حكايات المآسي التي عاشها ويعيشها السكان الأصليون في فلسطين، بعد احتلالها من قبل القوات الصهيونية، وما زال السكان يسعون في كل يوم لانتزاع بعض حقوقهم التي ما انفكت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تصادرها وتمعن في إنكارها، خصوصا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنـــــياهو توعد سكان الجليل أثناء الحمـــلة الانتخــــابية الأخــــيرة، بأن مصيرهم سيكون أسود، تماما مثل سكان النقب من الفلسطينيين أيضا، وذلك في إشارة إلى الحملات المستمرة والمتواصلة لهدم القرى وبيوت سكان النقب من البدو.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ