■ لو تكلمنا عن الاستراتيجية الالمانية من منظار تاريخي، نجد أن الألمان هم من أوائل السياسيين الأوروبيين الذين صكوا مصطلح )التطلع نحو الشرق( وأصبح المصطلح جزءاً من برنامج الحركة القومية الألمانية عام 1891.
وظل لهذا المصطلح جانبان، جيد وغير جيد، حتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ويمكن القول إن المانيا الاتحادية صارت أكثر قوة وتأثيراً على الساحة الدولية من قبل عام 1991، وأصبحت تتبنى أحيانا مواقف غير معتادة، وفقا للمعايير التقليدية للسياسة الألمانية. والملاحظ في هذا الاتجاه أنه مع نهاية العقد الأخير، نشطت السياسة الألمانية وسعت إلى القيام بدور فاعل في الخليج، على نحو يطرح قضايا عديدة تتعلق بالأولويات والمصالح والمواقف، التي قد لا تبدو أحيانا متداولة بقدر كاف في المنطقة العربية، إن ألمانيا نجحت، من بين لاعبين كثر في هذه المنطقة المضطربة، في خلق وتشكيل دور مميز لها.
ومن خلال متابعة ديناميكية الاستراتيجية الالمانية في الخليج، نجد ان الاستراتيجية الالمانية تتميز بنوع من التأثير المتناوب وغير ظاهر بشكل علني، إذ تتضح معالم الاستراتيجية الالمانية في الخليج، من خلال دورها الفعال والمؤثر في الملف النووي الايراني، الذي سمح لها بلعب دور مؤثر في المنطقة، لتصبح مع الوقت لاعبًا إقليميًا محوريًا يتميز بقوته الاقتصادية الهائلة، مع نظرتها لعدم جدوى الفعل العسكري. فألمانيا اليوم تلعب دورا كبيرا ومؤثرا في السياسة الدولية، خصوصاً في اوروبا من خلال ادارة الصراع مع روسيا في اوروبا الشرقية، كما أن لها دورا كبيرا في ادارة الصراع في اوكرانيا، فهي اليوم احد الركائز الاساسية للاستراتيجية الامريكية (التوسعية) التي تعتمد على الهيمنة بالوكالة.
ويمكن اجمال اهم اهداف الاستراتيجية الالمانية في الخليج كما يأتي:
1ـ من أجل ضبط ايقاع التأثير لسياستها الخارجية، تتجه المانيا نحو استراتيجية التأثير الناعم في الخليج، بتكثيف جهودها على القضايا المصيرية في الشرق الاوسط كالصراع العربي الاسرائيلي، إضافة إلى القيام بالوساطة بين طرفي أي نزاع من خلال سُمعة الاستخبارات الألمانية في المنطقة، فهي جزء من صفقات تبادل الاسرى بين العرب والاسرائيليين. ولشبكة العلاقات التي تملكها ألمانيا حاليًا مع مسؤولي مصر وإيران ولبنان وفلسطين وسوريا (على الأقل قبل الحرب الدائرة الآن) ميزة قوية في هذا الوقت الذي تدور فيه واحدة من أعنف الصراعات في المنطقة، فضلاً عن تسويق السياسة الخارجية الالمانية، من خلال ابراز الفخامة الالمانية لصناعاتها وطبيعة العيش الالماني، كل هذه العوامل تشكل بؤر تأثير لتقبل السياسة الالمانية في المنطقة.
2 ـ العلاقات الاقتصادية مع ايران: لطالما أثارت العلاقات الاقتصادية الألمانية مع الدول الخاضعة للعقوبات جدلًا وقلقًا، خاصة علاقاتها بإيران، حيث أن ألمانيا هي الشريك الاقتصادي الأوروبي الأول لإيران، حيث تسعى المانيا الى فتح كل الابواب على الاصدقاء والأعداء، وعدم استعداء اي طرف في الشرق، كما ان إيران تملك مخزونا لا بأس به من الغاز، الذي يشكل بدوره سلعة استراتيجية لألمانيا.
3 ـ البرنامج النووي الايراني: أبدت السياسة الألمانية اهتماما واضحا بأمن الخليج، خاصة الملف النووي الإيراني ونشطت في إطار قضية البرنامج النووي الإيراني، ويمكن الجزم بانه اكثر الملفات التي تشكل اهتمام السياسة الالمانية في الخليج، فدور المانيا في الازمة النووية الايرانية كبير، فهي عضو في مجموعة خمسة زائد واحد التفاوضية، وتعمل المانيا في الغالب على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء وبالتالي فإن لها اهدافا استراتيجية من المشاركة في حل هذه الازمة وهي:
أ ـ إن الازمة النووية الايرانية اعطت لألمانيا فرصة كبيرة من اجل فرض حضورها في الوسط الاوروبي والاطلسي، وبالتالي سمح وجودها بان تمارس دورا كبيرا في المنظومة الاوروبية من اجل استعادة بعض نفوذها المفقود.
ب ـ وفرت الازمة النووية الايرانية فرصة لألمانيا للمطالبة بمقعد دائم في مجلس الامن، الذي تعتبره ألمانيا حلمها الحاضر في سياستها الخارجية.
4 ـ أمن الطاقة الالماني: يمكن الجزم بأن من اهداف الاستراتيجية الالمانية في الخليج تأمين امدادات الطاقة من النفط والغاز، ورغم ان المانيا تتجه نحو التنوع في استيراد الطاقة الا ان الخليج يبقى من أولويات الاستراتيجية الامنية لاعتبارات كثيرة منها وجود مصالح القوى العالمية في المنطقة والصراع على مصادر الطاقة من اجل الحفاظ على مرتكزات الامن القوي الداخلي والخارجي، كما تحتفظ المانيا بعلاقات اقتصادية كبيرة في المنطقة، فقد وصل حجم التبادلات التجارية إلى 200 مليار دولار، فقط خلال العقد الماضي.
5ـ اهمية الخليج الجيوبوليتيكية لألمانيا: تعطي المانيا اهتماما كبيرا بمنطقة الخليج عامة والخليج العربي بوجه خاص لاعتبارات جيوبوليتيكية، ومن هنا نفسر اهمية زيارة المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منطقة الخليج عدة مرات في السنوات الأخيرة، مركزين على السعي لتطوير العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارات، كما زارت عدة وفود تجارية ألمانية البحرين، ولعله مما يذكر أن السفير الألماني الحالي البروفيسور لانج هو من المستشرقين الألمان الذين يعرفون جيداً الثقافة والعقلية العربية، وهو سفير نشيط يتمتع بديناميكية كبيرة وعلاقات واسعة مع المجتمع البحريني، وهو بذلك يمثل شخصية مختلفة عن كثير من السفراء الموجودين في البحرين، ولذلك نجح في ترتيب العديد من الزيارات للمسؤولين ورجال الأعمال والمثقفين من ألمانيا للبحرين والامارات العربية وقطر والسعودية، وبالتالي اعطى دفعة قوية للوجود الالماني في الخليج.
6 ـ فكرة التوسع وإنشاء مناطق نفوذ وما يؤدي ذلك من سياسات تركز على إحياء الماضي والهيبة الالمانية في العديد من المناطق، وتأتي منطقة الخليج في اولويات الاستراتيجية الالمانية كونها منطقة جيوستراتيجية تتزاحم عليها القوى العالمية، وهي بالتالي تشكل منطقة تضارب استراتيجي بين القوى العالمية ذات المصالح المتضاربة
7 ـ الوجود الاستخباراتي في المنطقة: رُغم حساسية المسألة لا تزال شراكة الموساد مع الاستخبارات الألمانية مثمرة للبلدين، على مدار سنوات الحرب الباردة، جمعت وحللت الوكالتان الاستخباراتيَّتان الأسلحة السوفييتية (التي وجدها الألمان في ألمانيا الشرقية، ووجدها الإسرئيليون بين المجموعات المسلحة الفلسطينية) ، وطوّرا أنظمة رادار وطيارات لمواجهة الخطر السوفييتي لاحقًا، تأسست تجارة سلاح قوية بين البلدين، آخرها غواصات دولفين التي باعتها ألمانيا لإسرائيل، فالعلاقات الالمانية الاسرائيلية تشكل قاعدة استراتيجية ينطلق منها الوجود الالماني في المنطقة والخليج.
نحن اليوم في منطقة الخليج العربي أمام استراتيجية ألمانية جديدة ذات اهتمام كبير بالشرق في مفهومه الواسع من آسيا إلى الشرق الأوسط إلى أفريقيا، تختلف في جوهرها عن السعي نحو الخليج بالمفهوم القديم وإعادة صياغة المفاهيم التقليدية، وهذا دليل على تطلع المانيا إلى اعادة التموضع في هذه المنطقة الحساسة من العالم، فألمانيا اليوم تقود القوى الاوروبية خصوصاً في مواجهة روسيا، كما انها عضو ناشط في مجموع الدول الخمس التي تعنى بالملف النووي الايراني، كما ان لها علاقات قوية ذات ابعاد اقتصادية وعسكرية مع دول مجلس التعاون الخليج التي تحاول ان تستفيد من قوة الاقتصاد الالماني وتنويع مصادر التسلح، فديناميكية الاستراتيجية الالمانية في منطقة الخليج تعتمد على ثلاث ركائز اساسية، اولها قوتها الاقتصادية المؤثرة في المنطقة، من خلال الشركات الألمانية ومنتجاتها ووجودها السياسي الذي يتمثل بثقلها الكبير في مجموعة الدول الخمس، الذي تثمنه دول الخليج في مواجهة طموحات ايران النووية، فضلاً عن منتجاتها العسكرية التي تحاول القوى الخليجية الاستفادة منها من اجل كسر ميزان القوى في المنطقة، واخيراً يمكن القول ان الوجود الالماني في المنطقة يتنامى بشكل كبير فألمانيا اليوم هي ليست ألمانيا قبل عشرة اعوام.
٭ كاتب عراقي
علي زياد