قدم شهادة إبداعية بعنوان «الكتابة دربٌ باتجاه الروح»… البحريني أيمن جعفر: اكتمال أي تجربة نقصان والحرية شرط للإبداع

حجم الخط
0

الكويت ـ «القدس العربي»: قدم الكاتب البحريني الشاب أيمن جعفر ورقة ضمن موسم «شهادات إبداعية في التجارب البحرينية» الذي نظمته «وجود للثقافة» في دار فراديس كانت عبارة عن شهادة إبداعية خاصة، وقد بدأ المبدع جعفر حديثه للجمهور عن علاقته بالكتابة.
قال أيمن جعفر: «الكتابة هي الإخلاص للحلم والمخيّلة» حيث يرى بورخيس إنّها الوفاءُ لنا، ونحنُ نحاولُ أنْ نكونَ ذاتَنا على نحوٍ لا يستعيدُ منّا إلّا كلَّ ما يجعلنا في مرايانا الحقيقيّة كما نحن، وإذا كانتْ الكتابة وفق فهم بورخيس إخلاصًا بالدرجة الأولى فعلى الكاتب المخلص أنْ يكونَ حالمًا ومتخيِّلاً أوّلاً، لينجحَ، بعدُ، في تحقيق الكتابة، لستُ أدري إنْ كنتُ كاتبًا حقًّا أم لا. لا أكترثُ بالتوصيف هنا بقدر اهتمامي بأنْ أحاولَ رؤيتي حالمًا ومتخيّلاً. لأعدْ قليلاً إلى طفولتي. كانتْ المكتبة في طفولتي قبل الكتاب، كان الكتابُ كما هو جزءا منها، وكنتُ لا أعرفُ كيف لي أنْ أستغلَّ ممتلكاتِ مملكتي الصغيرة حتى علّمني والدي ذلك. وما يجعله يتوقفُ قليلاً محدِّقًا في مكانٍ لا مرئي. وكنتُ أريدُ أنْ أغزو هذا العالم. حينما أمسكتُ كتابًا للمرّة الأولى سرتْ في أوصالي رعشةٌ ما لمْ أدركْ باعثها، وحين قرّرتُ أنْ أقرأ لم أجدني قادرًا على التوقف، كانتْ قصة «الحصان الطائر» من قصص ألف ليلةٍ وليلة. ليلتها لمْ أنمْ قبل إنهائها، لكنني أيضًا استقبلتُ في منامي بطلها، وذلك الحصانُ الطائر الأسود. كنتُ أستطيع رؤية كل ما قرأته بالكلمات عيانًا، بل إنني أستطيع أنْ أتمادى بالقول بأنّني تحدّثتُ مع كل شخصيات القصة ووجدتني، من حيث لا أدري أعقِدُ صداقةً رائعةً مع ذلك الحصان الطائر وأطيرَ به مخلّفًا البطل الذي تعاطفتُ معه جدًّا، لكنني لمْ أستطع مقاومة إغراء الطيران نحو حكايتي الخاصّة!

الكتب جعلتني أكبر

وحول علاقته بالمكتبة أكمل: كانتْ المكتبة عالمًا رحيبًا اكتشفتُ فيه منذ البدء عالمًا آخر أكثر غنىً، وأرحبَ أفقًا، وإنْ كنتُ ما أزالُ صغيرًا جدًّا في الحياة. الكتبُ جعلتني أكبرُ. علّمتني مشاكسة الحياة بنظرةٍ أخرى. كانت المكتبة، حقًّا، المكان الأول الذي نظرتُ عبره نظرةً ذكيّةً، ورسمتْ لي عبر كتبها المتنوّعة دربي في هذه الحياة، أنني حتى في غمرة انغماسي في الحياة الطبيعية أجدُ أنَّ كلَّ ما أراه وأسمعه وأحسُّ به هو كتابةٌ بمعنىً من المعاني، قصةً أو روايةً تسردُ نفسها عليَّ، أو ألفي ذاتي تتسوَّلُ تفاصيل الأشخاص والأمكنة والأزمنة والأحداث لتخلقَ منها حكاية! لكن.. أليسَ العالمُ في البَدْءِ والختام حكايةُ حكاياتٍ وروايات؟!
وعرج في حديثه عن الشعر فقال: كان الشعرُ انعطافةً سريعةً في بداياتي الكتابية، بعد أنْ بدأتُ باكرًا في كتابة المقال والبحث جنبًا إلى جنبٍ مع القصة. كنتُ مهووسًا بمحاولة تمثّل المتنبي وأبي فراس، وكنتُ حينها مولعًا بعالم الرسم. كنتُ أرسمُ في دفتري الصغير كلَّ شيء، وأتذكّرُ جيّدًا يوم كنت على مقعد الدرس في الصف السادس الابتدائي أنني قرّرتُ العودة لكتابة القصة. تذكّرتُ قصة الحصان الطائر، لمْ أشأ تلك المرّة أنْ أجعلني البطل لحصان بطلٍ غيري، أردتُ خلق شيءٍ خاصٍّ بي. القدرة على رسم عوالمي الخاصّة، بأنني أعيدُ خلقَ العالم من حولي حين أكتبُ القصة.

الكتابة وفاء للتخييل

ووصف أيمن الكتابة قائلا: «الكتابةُ وفاءٌ للتخييل، وصورةٌ جليّةٌ لتجليته. بها نتخيَّلُ عبر الكلمات ما يمكن أنْ يبني عالمًا آخرَ يُعيدُ طرح أسئلتنا البِكر عن أكثر الأشياء التي ربما زوّدنا عقلنا بها من معارف واستقرَّتْ فيه وتمثّلناها. تعملُ الكتابة حين تتوسَّلُ التخييل على نسف تلك الطمأنينة المتشكّلة لصالح طمأنينةٍ أخرى «وهميّة» أو «مُتوهَّمَة». على أنَّ هذا التخييل لا يمكنُ له الحياة بصورةٍ طبيعيّةٍ إنْ لمْ يحظَ بعمليّة تماهٍ وتمثّلٍ تامٍّ من طرف الكاتب. إنني مؤمنٌ بأنَّ تقصيرًا ما على هذا الصعيد سينتجُ نصًّا باردًا أو مفتقرًا لجانبٍ مهمٍّ مبتغى، ألا وهو النجاح في الإقناع.
من هنا تحديدًا أستطيعُ البوح بأنني لأجل ذلك أجهدُ في تقمّص كل شخصيّات قصصي ورواياتي. أتماهى معها، وأتركُ لنفسي كل الوقت متاحًا طارحًا عليها كل الأسئلة التي تدور بخلدي. مَنْ هي؟ ماذا تريد؟ ماذا تحبّ؟ ماذا تكره؟ بمَ تحلم؟ لمَ أقدمتْ على فعل ما فعلته؟ لمَ أحجمتْ؟ فالأسئلة توسّعُ الزمان كما يعبِّرُ عن ذلك موريس بلانشو. هذا التوسيع الذي يتيحُ للذات الكاتبة أنْ تتشرَّبَ مكتوبها، أنْ تنجحَ الشخصياتُ المخلوقة في الإيقاع بخالقها، فتكونه وتخلقه تبعًا لها، حتى إنْ بدا الأمرُ خلاف ذلك، وما ينضحُ بعد ذلك من توافقاتٍ واختلافاتٍ لا يعدو سوى متشابهاتٍ متفاوتة القيمة بين المبدع وشخصيّاته.
من هنا أتابعُ باهتمامٍ ما يُقال عن بعض شخصيّاتي التي تشبهني أو يجزمُ بعض القرّاء بأنها حقيقيّة الوقوع في حياتي الخاصّة، ولئن كان هذا يودي بنا نحو السؤال عن العلاقة الحقيقيّة بين المبدع وإبداعه في حياته الخاصّة، إلّا أنني أودُّ التأكيد على أنَّ ذلك ليس ممّا أؤمنُ به في عالم الأدب، إذ لطالما اعتقدتُ أنَّ عليَّ ارتكابَ قصصٍ وشخصياتٍ غير حقيقيّة وبعيدةً عني، وهي حينما تكون تشبهني ولو كانت بدرجةٍ تكادُ أنْ تكونني فذلك ربما مردّه إلى أنَّ طبيعة الشخصية تطلبتْ ذلك بدون تعسف مني أو رغبة. نعم أحبُّ أنْ أتسلّلَ إلى نصوصي لأعبِّر عن رؤايَ أحيانًا، لكنَّ هذا يختلفُ كثيرًا عن تقديم قصصي أو رواياتي على أنها حقيقة.
ما أبتهجُ به حقًّا هو أنني نجحتُ في تمثّل وتقمّص الشخصيّة بلغتي حدَّ إقناع القارئ بذلك، ربّما، عزا بعض القرّاء ذلك إلى عدم التنويع في طبيعة التعبير اللغوي، قد يحملُ الأمرُ قدرًا كبيرًا من الصحّة، وفيه الكثيرُ من الوجاهة وما يستحق الاهتمام، على أنني مؤمنٌ بأنَّ على الكاتب بدرجةٍ من الدرجات أنْ يُؤمِّنَ أسلوبَه اللغوي، والكتابة وفق ما أفهمها أسلوبُ تعبير، ولغةٌ تنحو بطريقة تعبيرها إلى بناء شكلٍ من الصياغة اللغوية التي تجعلُ كلَّ كاتبٍ متمايزًا عن الآخر بشعرية لغته وطبيعة بنائها. أقولُ هذا وذاكرتي تحفلُ بالكثير من القصص التي قيلَ عنها إنها قصصٌ حقيقيّةٌ منها قصّة «شذا الأيام» في كتابي الأول، حيث الابن العاطل عن العمل لمدة أربع سنواتٍ بعد تخرّجه من الجامعة يكتبُ رسالةً إلى والده المتوفى. كانَ ذلك الجازم بواقعيّة القصة صديق والدي، وكنتُ معه في مكتبه في الجامعة، حيث كنتُ في فصلي الدراسي الأول، لهذا لم يفاجئني الأمرُ كثيرًا مع روايتي الأولى.
وأضاف جعفر: «الكتابةُ دربٌ باتجاه الروح، ففي الوقت الذي نتوقّعُ أنها باتجاه الواقع أو العالم الخارجي وحدَه، تشقُّ دربَها في اتجاهيْن متوازييْن: أحدهما نحو الخارج، والآخرُ أكثرُ عمقًا: نحو الداخل»، حين نكتبُ لا نكونُ نحنُ تمامًا. نعم، لا أقلَّ من ذلك، بَيْدَ أنّنا نكونُ على ما نحنُ عليه بصيغةٍ لمْ نألفها، لمْ نتوقعها من أنفسنا
وفيها، لمْ نتوغّلْ في مجاهلها. نكونُ نحنُ بصيغةٍ مكثفةٍ تُكثّفها، أبدًا، ذواتُنا التي تتضاعفُ فينا، وتلك التي تختبئ في أقصى زوايا الروح. حين نكتبُ نسافرُ إلى المجهول فينا وفي العالم كلّه، نتوغّلُ في تيْه أنفسنا، ونتعرّفُ علينا، تمامًا، بصيغٍ مخاتلةٍ دومًا، الكتابةُ تعرُّفٌ إلينا في غاباتِ ذواتِنا المُتقاتِلة»!

علاقته بالقصة والرواية

وعن علاقته بكتبه القصة والرواية التي أصدرها والكتابة فيها ذكر جعفر: الكتابةُ تجلٍّ من تجلّياتِ الروح. إنها (أنا) فاعلة وواعية ولا واعية في آنٍ واحد. ليس بالوسع، كما أخالُ، قسرها على التجلّي، كما ليس بالإمكان طبعًا حَدُّها «فالعالمُ حروفٌ مخطوطةٌ مَرْقومةٌ في رّقِّ الوجود المنشور، ولا تزال الكتابة فيه دائمةَ لا تنتهي» على حدِّ تعبير ابن عربي. وهي لأنها كذلك فهي تجعلُ للكاتب حرية اختيار مواضيعه. ما زلتُ أردّدُ مع فوكو: «اتركونا أحرارًا حينما يتعلّقُ الأمرُ بالكتابة». ذلك أنَّ الحريةَ فيها شرطٌ أساسٌ للإبداع. على أنَّ ما يؤرّقني حقًّا هو الأسلوبُ أو الشكل النهائي للنص في بنيتيْه الداخلية والخارجية، وفي مدوّنة تأويلاته وسيرورات إنتاج الدلالات تبعًا وانطلاقًا من أسلوب السرد وتمظهر النص. لقد كتبتُ مجموعتيْن قصصيتيْن هما: «أسفارُ الجحيم» و»دفاتر البحر والموت» ورواية «مِداد الروح»، وما زلتُ في كلِّ مرّةٍ أحاولُ تطوير أسلوبي الكتابي. في كتابي الأول «أسفار الجحيم» سعيتُ إلى التنويع في الأساليب والتقنيات السردية وطبيعة القصص واختلاف الأزمنة، مع رابطٍ خفيٍّ جليٍّ يتمثل في الأسلوب الغالب من جهة، وفي طبيعة البحث في الذات الإنسانية من جهةٍ أخرى في نظامٍ لغويٍّ كثيف الشعريّة.
أما في كتابي الثاني «دفاتر البحر والموت» فقد سعيتُ إلى بناء نسقٍ كلّيٍّ من الدلالات والرموز، وطقسٍ عامٍّ عبره تتحرّكُ كل الشخصيّات والأحداث والأمكنة والأزمنة. عالمٌ خاصٌّ وخالصٌ من الكاتب والكتاب والمكتبة والأساطير، وذلك إيمانًا بمقولة ابن عربي سالفة الذكر عن كون العالم مخطوطةً، وكذلك بمقولة موريس بلانشو: «العالمُ نصٌّ، وهو حركة الكتابة ذاتها».
وفي الرواية كان الأسلوبُ اللغويُّ هو ذاته تقريبًا في كتابي الثاني، مع فارق التمدّد مع ما يتطلّبه من التقليل من التكثيف، ووفق مضمونٍ تحاولُ الرواية قوله انتصارًا للحلم الذي هو جوهرُ الذات وفعاليتها. الحلمُ يجعلنا أكثرَ وعيًا بنا، وحين نعيه ونجلّيه نكون!

أسفار الجحيم

وأضاف: «كلُّ طمأنينةٍ يسكنُ القلبُ بها لا يُعوَّلُ عليها». أردِّدُ على مسامع قلبي كلمات ابن عربي تلك، لئلا أقعَ فريسة الطمأنينة السلبيّة أو الرضا المخادع، بل إنني لا أعرفُ الطمأنينة أو الرضا حيال كلّ ما كتبتُ. ثمّة دائمًا إحساسٌ قاتلٌ بأنّه كان يمكنني كتابة كل كتبي بصورةٍ أفضل، لكنني أعودُ للقول بأنه لا عزاء لي سوى تعويض كل ذلك في كتبٍ جديدة. أنا كاتبٌ مولعٌ بالصبر على كتاباته والتريّث بشأنها، شغوفٌ بمحاولة البقاء معها أطول فترةٍ ممكنة، فلقد أنجزتُ «أسفار الجحيم» خلال أربع سنوات، ثم «دفاتر البحر والموت» خلال خمس سنوات. ولكنّ الرواية أمرٌ مختلف، فلقد أنجزتها خلال ستة أشهر كانت هي كل المُتاح لي حينما تأهلتُ إلى القائمة القصيرة لمحترف نجوى بركات للرواية العربية «كيف تكتب رواية».
وكانت هذه التجربةُ تجربةً لا يمكنُ تفاديها، رغم كل شيء. ففيها جرّبتُ الكتابة ضمن وقتٍ محدّد وبانضباطٍ زمنيٍّ، ثم تجربة مشاركة النص مع عقلٍ آخر، وهي تجربةُ خطيرة أنْ يرى الكاتبُ نصّه عاريًا أمام عقل كاتبٍ آخر. ثم إنها تجربة كتابةٍ جماعيّةٍ في أجواء ثقافيةٍ وإبداعية متنوعة. ورغم أنّه لمْ يتسنَّ لي كتابة الرواية كما خططتُ تمامًا بسبب ضيق الوقت، واضطراري تبعًا لذلك لاختصارها، وعدم تضمينها الكثير ممّا أردتُ، إلّا أنَّ شروط المحترف لها كل الاحترام. أما تجربة الكتابة فإنني أشهدُ، ليس على كتبي التي أنجزتها وحسب، وإنما على كل كتبي اللاحقة إن شاء الله، شهادةً لا لبسَ فيها، وأقولُ مطمئنًّا: «إنَّ أجملَ ما في التجربة أنها غير مكتملة، ذلك أنَّ اكتمال أي تجربةٍ نقصان».

منى الشمري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية