في تركيا… الشعب هو الأصل

■ لأن هناك الكثير من الاستقطاب والضجيج، فإن حقائق كثيرة لم تستطع أن تأخذ الطريق الذي تحتاجه لعقل المتابع في ما يختص بالشأن التركي، خاصة في وسائل الإعلام العربية التي انقسمت إما مؤيدة لحزب العدالة والتنمية بحماس، أو كارهة له على طول الخط بحماس أيضاً!
بنظري فإن النقطة الأساس التي يجب البدء منها هي تفنيد ما سمي بمساعي حزب العدالة والتنمية لاحتكار السلطة عن طريق تحويل النظام إلى رئاسي. هذا الوتر الذي يعزف عليه كثيرون يجب أن نفهمه على حقيقته، وأن نتفهم أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الدولة التركية الحالية، هي أنها ليست برلمانية وليست رئاسية.
هي مزيج لم ينتج الأفضل، كما قد يتصور البعض، بل أنتج وضعاً معقداً يمنع البرلمان، أي برلمان، من أن يؤدي دوره كما يجب، كما يمنع أيضاً رئيس الجمهورية من أن يؤدي دوره ويتحمل مسؤولياته.
هذا منطبق الآن على رئيس الجمهورية الحالي، لكنها مشكلة ستواجه أي رئيس قادم من أي اتجاه كان، وقد كانت لهذه المشكلة جوانب سلبية كثيرة في الماضي، أدت إلى حالات من التوتر السياسي معروفة في التاريخ التركي، كما أدت لتعملق الجيش وسيطرته على الحياة المدنية في البلاد. لم تكن هذه المشكلة لتظهر خلال السنوات الماضية حينما كانت الرئاسة من نصيب حزب العدالة والتنمية، الذي يتمتع أيضاً بغالبية برلمانية، حينها كانت الأمور تسير في سلاسة لحد كبير، في ظل تجانس البرلمان والقصر. لكن تركيا اليوم في وضع مختلف فقد أدت النتائج الأخيرة للانتخابات البرلمانية إلى تراجع حزب العدالة والتنمية تراجعا نسبياً (ما زال الحزب في المقدمة) لا يضمن له السيطرة على البرلمان بغالبية كما السابق، مما لن يساعده على تمرير مشروعه الهادف إلى تحويل النظام إلى رئاسي. لكل ذلك تأثيره طبعاً على تركيا التي سوف تنشغل لفترة بالمواءمات الداخلية والبحث عن صيغ توافقية ترضي جميع الأطراف التي يبني بعضها استراتيجيته على إضعاف مشروع العدالة والتنمية بغض النظر عن الثمن.
هنا يمكن أن نرى الأحداث بعين مختلفة، حيث تشير القراءة الموضوعية إلى أن إضعاف أردوغان وحزبه في هذه المرحلة لن يؤدي إلا إلى شلل سياسي عام في تركيا، وهو ما أكده الربط بين إعلان نتائج الانتخابات وتراجع البورصة وسعر الليرة التركية مقابل الدولار. لقد استخدم الحزب تكتيكاً ناجحاً حينما أعلن عن استعداده للانفتاح على الأحزاب الأخرى، من خلال تحالف أو إئتلاف، مما أحبط الشائعات والتخمينات، كما كان هناك دور مهم للأحزاب المعتدلة التي أرادت الاستفادة من الفرصة بما لا يعيق نمو البلاد. إذا كان يجب على رئيس البرلمان أن يأتي من أغلبية أصوات، فهذا يعني ألا أحد يستطيع التنبؤ بهويته، فقد لا يكون هو الآخر من حزب العدالة والتنمية، لكن ذلك ليس مهماً في ظل أن الحزب هو من سيكلّف بتشكيل حكومة باعتبار حصوله على الأغلبية. الخطوة الأهم هي ضرورة تشكيل هذه الحكومة خلال الفترة المعلنة (45 يوماً) وفي حال الفشل في تشكيل الحكومة، أو في الفشل في نيلها ثقة البرلمان، فإنه لن يكون هناك مفر من إعادة الانتخابات قبل نهاية هذا العام.
العدالة والتنمية بدوره ما زال يبحث عن الأغلبية التي لن تأتي إلا عبر طريقين لا ثالث لهما، فإما الائتلاف مع حزب آخر وغض الطرف عن الاختلافات وعما يعتبرها الحزب نقاطا أساسية كالنظام الرئاسي وغيرها، أو الطريق الثاني وهو الانتخابات المبكرة التي نتوقع انعقادها، حتى مع الاتفاق على إئتلاف، لأن اختلاف المنهج وعدم الانسجام سيؤدي في الغالب إلى انفراط عقد الائتلاف، كما حدث مراراً قبل ذلك.
هل يمكن أن تخلق الأحزاب الأخرى حالياً تحالفاً عريضاً ضد حزب العدالة والتنمية؟ السؤال متكرر، لكن الغريب أن تجد من يروّج لهذا الطرح من المعلّقين والمحللين المتخصصين. الواقع أن ذلك غير ممكن من الناحية العملية القانونية، فلا يمكن بأي حال تجاوز حزب الأغلبية الانتخابية أو تجاهل حقه في تشكيل الحكومة. من ناحية نظرية أخرى فإنه يصعب علينا أن نتخيل إئتلاف حزب قومي لا يؤمن إلا بالهوية والقومية التركية مع حزب كردي يضع مطالب الأكراد في المقدمة..!
في مقال لي بعنوان «نقد القراءة العربية للمشهد التركي» نشر على موقع «ترك برس» اعتبرت أن المراقب العربي ينطلق في تحليلاته للشأن التركي من خلفيته وانتماءاته الإسلامية أو العلمانية أو تصــوراته الخاصة لهذا الانتماء، مما يجعل نظره قاصراً ومحاولاته لخلق شبه بين النظام في تركيا وأي نظام عربي محاولات فاشلة وغير موضوعية، لأنها لا تستوعب لا خصوصية التاريخ ولا خصوصية التجربة التركية. ولأنه لا يوجد تآمر هناك ولا دور للدولة العميقة أو الجيش في عملية الانتخاب أو إدارة شؤون الدولة، كما أنه لا يوجد دور حقيقي للأطراف الخارجية داخل أو خارج الإقليم، إلا دور المتابعة من بعد أو التحليل لما للشأن التركي الداخلي من تأثير عليها، لكل ذلك فإن الجهات السياسية لا تملك سوى التفكير في الانتصار، الذي هو غاية كل سياسي، عن طريق قوانين اللعبة الديمقراطية نفسها.
الخلاصة هي أنه سواء كان ذلك الانتصار عن طريق الانتخابات المبكرة أو الإئتلاف، أو حتى انتقال بعض أعضاء البرلمان لحزب العدالة والتنمية مما يجعله يستعيد أغلبيته، فإننا سنظل في نطاق اللعبة الشرعية، أما الناخبون الذين أحجموا عن التصويت لحزبهم العدالة والتنمية فقد نجحوا هذه المرة في إيصال رسالة مهمة للحزب، ولكل مهتم وهي أن الشعب هو الأصل وأن لا صوت يمكنه أن يعلو على صوت خياراته وذلك هو الدرس الأهم في التجربة التركية.

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية