لماذا فشل الثوار في تونس؟

■ ينهض الفتى الأنيق من مقعده الوثير منتفضا بوجه المذيع ويصيح «كفى لن اكمل التصوير»، لكنه بمجرد أن يقطع خطوات نحو باب الخروج يعود ادراجه ليسير على الفور صوب واحد من الحاضرين ويسأله بشكل هستيري «هل عندك مشكل شخصي معي أنا بالذات؟».
تتعالى بعدها الأصوات داخل الاستوديو ويسمع الجمهور وسط الجلبة والضجيج كهلا بدت عليه علامات الوهن والشحوب، وكان المعني المباشر بالسؤال يقول للشاب الغاضب بنبرة تحد وحماس «لم تستطع منعي من الحديث قبل الرابع عشر من يناير ولن تستطيع فعل ذلك الان». للوهلة الاولى يبدو المشهد اشبه بمواجهة كلاسيكية حامية الوطيس بين جيلين متنافرين، أو معركة فجة ومملة من المعارك الاعلامية التي اعتادها التونسيون في السنوات الاخيرة، لكن الحقيقة هي ان ما جرى قبل شهور على قناة تلفزيونية خاصة في تونس، كان محاولة جديدة لاختصار المسافة بين ضدين هما السلطة والثوار.
لقد انزاحت القيود وصار التخفف من الاحمال الثقيلة ممكنا، بل مطلوبا وبدا حتى «لقاء الشيطان متاحا اذا ما تعلق الامر بمصلحة تونس»، مثلما ردد الرئيس التونسي الجديد قبل ايام. وها هو فتى من عائلة الطرابلسي، التي كانت حتى وقت قريب اكثر العائلات كرها داخل البلد، يحضر بكامل اناقته وشياكته المعهودة للحديث في برنامج تلفزيوني شهير، يتابعه جمهور واسع من التونسيين. هل جاء للتشفي من ثورة خانها اولو القربى قبل ان يجهز عليها الاعداء المتربصون من كل حدب وصوب؟ أم قدم للاحتفال بالعودة الظافرة لموجة عاتية من الاستبداد المقنع تستعد للاكتساح القريب؟ لا شيء على الاطلاق في كلام الضيف الاستثنائي يدل على ذلك، فهو يقول بالصوت العالي وبدون ارتباك، أو خجل، بانه توقع الثورة وانتظرها. نعم توقع ما لم يتوقعه أو ينتظره أو يعد له حتى اكثر الثوريين حماسا وعداء لنظام بن علي. أليست تلك هي ذروة الكوميديا السوداء، أن يكون واحد من افراد عائلة كانت تتقاسم السلطة والثروة والنفوذ المطلق مع النظام، خبيرا استراتيجيا سريا لم ينتبه له احد حين تنبأ بتفكك الامبراطورية وسقوط مكعباتها العليا الواحد تلو الآخر.
إنها قصة مثيرة تشبه قصص الخيال العلمي يسردها البطل بحنكة ودهاء على مسامع جمهور يتوقع أو يتوهم نزوله للتو من كوكب آخر خارج المجموعة الشمسية. وحتى لا يترك المجال لأي تأويل أو تفسير تآمري لسبب قدومه المفاجئ للبرنامج واختياره شكل الظهور وتوقيته، فهو يعرض تبريرا بروتوكوليا بالغ الرقة والرومانسية، وهو تقديم اعتذار للشعب باسمه الشخصي ونيابة عن عائلته عن كل خطأ أو ألم تسببت فيه العائلة المصون طوال عهدها المديد في الخدمة. ولأن الضيف المقابل وهو كاتب صحافي ذاق الامرين أيام بن علي، لا يفهم كثيرا بالرومانسية و»الايتيكيت» فقد استعجل الامر وطالبه بذلك الاعتذار قبل أوانه، بل ووضع كل لصوص العائلة السعيدة في سلة واحدة واتهمهم جميعا بخراب البلد ونهبه، وهو ما ارتد عليه في النهاية بوابل من الاتهامات وصلت حد طلب «متطوع» من الجمهور للتثبت ما إذا كان في حالة سكر، أم لا وكانت وقودا لاشعال فتيل المواجهة التلفزيونية بين رمزين من عائلة السلطة وقبيلة الثوار.
أما بعيدا عما خلفه ذلك الظهور في حينه من ردود افعال وتعليقات فقد ظل الإشكال التاريخي الصعب في تونس منحصرا في التطبيع بين سلطة مارست القتل والنهب والتهجير، وقبيلة ظلت تعيش عزلة وجودية حادة عما يدور حولها من تغييرات جذرية وعميقة في وجدان الناس واهتماماتهم. هل كان مأزق السلطة الاستبدادية شعبيا مطلقا ام نخبويا صرفا؟ لا أحد يحسم بالجواب القاطع، لكن ما يحوم منذ شهور في علياء السياسة وسمائها، هو فقط فكرة مصالحة مبتورة تزعم السلطات انها صارت اليوم وأكثر من أي وقت مضى ضرورة عاجلة وملحة لا تحتمل التأجيل أو الانتظار. والماسكون بزمام الحكم يقيسون الحاجة الى تلك الخطوة بمقياس واحد لا غير وهو الانحدار السريع لمؤشرات الاقتصاد واقتراب البلاد من حافة الإفلاس، مما يستلزم بحسب ما ذكره الرئيس في خطابه الخميس الماضي في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية وضع النقاط على الحروف. والنقاط التي يعنيها سهلة وبسيطة ولا تتطلب جهدا خارقا لفك رموزها وطلاسمها، بعد ان لخصها فخامته مرات عدة في طلبه «طي صفحة الماضي» بشكل تام ونهائي. وما يعنيه ذلك بوضوح وبلا لف ولا دوران، هو الإسراع بدفن ذلك الماضي ومواراته الثرى بدون الحاجة لأي عمليات تثبت، او تحقق او مصارحة قد تربك المسؤولين وتأخذ قسطا ثمينا من جهدهم ووقتهم في خدمة البلد وانتشاله من محنه وازماته. لقد كان الرئيس حاسما وحازما في خطاب الخميس، وجدد التأكيد على مواقفه المعروفة، وقال امام الحضور «لقد تقدمت شخصيا بمقترح حول المصالحة، وقلت الى متى سنظل على تلك الحالة، لكن الدنيا قامت ولم تقعد، وأنا اعرف جيدا من أقامها.
لكن يجب أن نقولها اليوم بوضوح، نحن انتخبنا الشعب والشعب هو صاحب السيادة. لقد انتخب رئيسا ومجلس شعب وهم من يمثلون الشعب، أما بخصوص بعض الاشخاص الذين تمت تسميتهم في بعض المواقع فنقول لهم إن العين لا تعلو ابدا على الحاجب، وأنا أرى ان تلك هي مصلحة تونس، واعتقد الى الان اننا سنعود يوما الى ذلك المقترح». ولن يحتاج أحد بالتأكيد بعد ذلك المقطع لجزء اخر من الخطاب حتى يفهم سر العلاقة الاستراتيجية بين المصلحة والمصالحة، فقد آن الأوان ليذهب التونسيون صاغرين متذللين الى اللصوص الذين نهبوهم طوال عقود طويلة، لأجل التماس المعذرة وطلب الصفح عما سببوه لهم من ازعاج، وما ألحقوه بهم من أذى وتشويه عسى أن تحن قلوبهم وتتحرك ضمائرهم فيجودون بالقليل مما امتلأت به خزائنهم من المال المسلوب ويضخونه في شريان اقتصاد موبوء ومتهالك.
هل كان ذلك محصلة منطقية وطبيعية لضعف الثوار وترددهم وتفريطهم في فرصة استئصال ورم قاتل وخبيث تمدد في غفلة منهم وصار القضاء عليه بعد كل تلك السنوات أشبه بالمعجزة الصعبة والمستحيلة؟ وهل الذين وصفهم الدكتور المرزوقي يوما بـ»العقلاء» يتحملون القسط الاوفر من المسؤولية عن تساهلهم وتسامحهم مع مجانين فهموا ذلك ضعفا واستسلاما؟
ليس صعبا البحث عن تقصير من أوصلتهم صناديق الاقتراع الى مواقع السلطة في العام الاول لهروب بن علي، وإلقاء اللوم على ادائهم ووصفه بالمهزوز والضعيف، لكن الإشكال يبدو اكثر عمقا من ذلك. فمعظم التونسيين وخلافا لما ظل يروجه الاعلام المحلي وحتى الدولي، لم يكونوا ابدا ثوريين ولم يعرفوا مطلقا انهم بحاجة اصلا لثورة، بل كانوا يرغبون برؤية ما يعتقدونه بداية لتغيير يقودهم نحو رفاه الجيوب، ولم تكن قضايا الحريات ولا شعارات الديمقراطية تجلبهم، أو تحرك شعرة منهم. لقد وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها أمام مشهد متحرك ومضطرب ومشوش، ولم تكن لهم لا الطاقة ولا المناعة الكافية لحسم الامور بسرعة وبوعي وادراك. وهنا لم تدرك القبيلة التي تسمى نخبة بأن ترويض الحشد الذي اطلقه الهروب الغامض لابن علي من عقاله، يستوجب السير امامه لا خلفه وازالة غشاوة نصر موهوم جرى التسويق له من قبل ان تضع حرب الانتقال الديمقراطي اوزارها بالكامل.
هل خدع الثوار ام خدعوا الناس بشعاراتهم وخطبهم، أم وقع الجميع في فخ خداع جماعي محكم نصبته سلطة لم تقبل التفريط في مواقعها وسلكت طرقا التفافية صعبة ومعقدة لأجل ضمان بقائها ولو تحت مظلة الديمقراطية وقشرتها؟
لقد رد الامين العام الجديد للحزب الحاكم على المشرفين على حملة «أين البترول» بتصريح متهكم الى اذاعة شمس قال فيه بأن «الدولة مستعدة لان تعطي فأسا لكل مواطن حتى يبحث عن البترول بنفسه». ويبدو أن من سيسعدهم الحظ بنيل الفؤوس سيدركون حتما بأن الفتى الذي انفجر في البرنامج الشهير بوجه الصحافي الثوري وسأله إن كان له مشكل شخصي معه لم يكن يتكلم من فراغ، بل كان ينطق بلغة سلطة لا تختلف كثيرا عن لغة العائلة السعيدة في السابق، وربما قد يعطي ذلك الادراك المتأخر أملا جديدا في المستقبل بتدارك فشل الثوار واصلاحه. من يدري؟

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية