بصراحة، كانت أعصابي مشدودة على خبر من بين كل الأخبار المثيرة للأعصاب بطبيعتها أصلا، وأعني بذلك خبر الرئيس السوداني المنتخب ديمقراطيا في إنتخابات لا مرشح فيها مضمون إلا هو لا شريك له في السلطة، والرجل بعبقريته يستحق «نوبل» في الرياضيات السياسية، وهو علم لم يوجد قبل البشير أصلا، وذلك لابتكاره معادلة اختزال الدول إلى النصف بعد صراع دموي وتحويل هذا الإختزال إلى إنتصار.
محكمة في جنوب أفريقيا والتي يزورها البشير لحضور مؤتمر أفريقي، قررت منعه من المغادرة وحجزه في جوهانسبرغ تمهيدا لتنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب باعتقال الرئيس «المنصف»، من تنصيفه للسودان لا إنصافه والعياذ بالله.
رغم قناعتي بازدواجية المعايير في القانون الدولي ومن يطبقه مثل المحكمة الجنائية (ها هو نتنياهو وأشكاله طليقون كغنم سائبة مثلا)، إلا أنني ابتهجت بالخبر، بل وتشفيت بموقف البشير الحرج، والذي تخيلته في جناحه الفندقي محاطا بمستشاريه والإتصالات مع الخرطوم وغيرها من عواصم التوسط لا تتوقف، والبشير في الكنبة الوسطى في الجناح، ينقر بأصابعه عصاه، وحين يتأكد أن الكل منشغل ولا يراه أحد، ينقر أصابعه في أنفه كدلالة على عمق التفكير.
ولساعات ترقب طويلة، اشتركت مع البشير فيها، كنت أنتظر تلك اللحظة التي يقبضون فيها على ديكتاتور بطريقة قانونية ويحولونه للعدالة الدولية، وإن كانت عدالة مختلة بمعاييرها.
ويا فرحة ما تمت، ويا شماتة البشير بحضرة جنابي، فقد فاجأتني صور الوكالات والأخبار بصورة «الزول الأول في السودان» وهو ينزل من على سلم طائرته الرئاسية، ملوحا بعصاه التي في يمينه يهش بها على باقي أملي وله فيها مآرب أخرى.
كنت أتمنى فعلا أن ينتهي نظام ديكتاتوري – أي نظام- في العالم العربي بطريقة حضارية ومدنية توحي بمعالم مبشرة قادمة، لكن يبدو أن العالم العربي محكوم بالعنف حتى في التخلص من طغاته، فإما مقتولا أو مسحولا أو مخلوعا بتحميص كعلي عبدالله صالح أو بدون تحميص كمبارك.
المرشح الأمريكي وساندرا البغدادي
لكن التأثير الديمقراطي الذي نتمناه للعالم العربي وجدناه معاكسا في الولايات المتحدة، فبعد إعلان صاحبة الصون والعفاف السيدة هيلاري كلينتون إعلانها عن ترشيح نفسها في الحزب الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة، وقد سبقها للمنصب زوجها «الخاين الغشاش أبو السيجار والنسوان» بيل كلينتون، فها هو سليل الحسب والنسب، ابن العز جيب بوش، منقع دم عشيرة البواشنة الكرام، يعلن ترشيح نفسه في المقابل عن الحزب الجمهوري وهو كما هو معروف إبن الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، وشقيق الرئيس جورج الإبن سيىء الصيت.
في حال نجاح بوش، لا سمح الله (ولا سمح الله أيضا بنجاح كلنتون!)، فإنه سيكون الرئيس الخامس والأربعين، وقد حمل أبوه الرقم الرئاسي الحادي والأربعين، أما شقيقه كامل الأوصاف الله يسلمه فكان الثالث والأربعون، مما يجعل أبوحسين أوباما أبو أربعة وأربعين بلا قافية.
المثير في خبر ترشيح بوش «الإبن والشقيق لتمييزه عن بوش الإبن»، ما أوردته قناة «العربية» في تقرير مثير عن جوانب حياته الشخصية، بأن المرشح الجمهوري أيضا تربطه علاقة مصاهرة مع الأردن والعراق مرة واحدة!! وحسب التقرير فإن الإبن الأصغر لجيب بوش (ربما يكون مشروع رئيس قادم)، متزوج من ساندرا البغدادي، وهي سيدة مولودة لأب عراقي وأم أردنية!
وإذا اعتمدنا التقاليد والعادات العشائرية العربية، التي باتت تحكم معظم السياسات الدولية حاليا، فإن جيب بوش يبدو الأنسب بحكم المصاهرة ليكون رئيسا يقف إلى جانب مصالحنا، وقد تغدو مطالبنا السياسية أمام البيت الأبيض محلولة بالتقاليد العربية التي تحكمها المصاهرة الكريمة.
قد يكفي مثلا لو تعنت الإسرائيليون في محادثات السلام (التي لن تنتهي)، أن نوجه وفدا أردنيا عراقيا بقيادة الوزير الأردني الأزلي ناصر جودة إلى المكتب البيضاوي، ليطلب القهوة «أو الكباتشينو» وحينها يضع الفنجان أمامه، ويقول لجيب (.. شوف يا أبو نسب، كباتشينكم مو مشروب) فيرد الرئيس النسيب فورا (إبشر باللي جيت فيه يا ناصر.. no way طلبك ينرد)! فتتحرك عملية السلام مرة ثانية، ويصبح التقدم فيها متناسبا طرديا مع كمية الكباتشينو في البيت الأبيض.
مهازل الجامعة العربية
المؤسسة الرسمية العربية لم تفلح بعد قرن من محاولات استيراد الديمقراطيات والتشدق بها، إلا بأخذ مقتطفات منها واجتزاءات تقطع من اللحم الديمقراطي بدون محاولة نفخ الروح الديمقراطية في الجسد العربي.
ومن تلك الإجتزاءات التي أبدعت المؤسسة العربية الرسمية فيها، خلق المناصب والمسميات والألقاب الرسمية إلى حد لا يتفوق فيه أحد.
وفي هذا السياق، نجد أن أم المؤسسات العربية الرسمية، جامعة الدول العربية قد قررت تعيين الفنان الشبابي الجماهيري النطاط على كل المسارح تامر حسني سفيرا لنقل الدم القومي في الجامعة العربية.
ولكي لا يعتقد أحد أني أمزح فبإمكان المشككين الرجوع للأخبار للتأكد من نص اللقب والتسمية المسبوغة على تامر حسني رسميا، مع صور له في مبنى الجامعة مجتمعا وهو يجلس إلى طاولة ضخمة مستديرة إلى جانب نبيل العربي و مسؤولي الجامعة المدججين حد الخنق بربطات عنق وبذلات رسمية، بينما اكتفى تامر بربطة عنق تكاد تنزلق لولا بعض الحياء، وقد تخيلته بعد خروج المصورين وقد قفز على الطاولة المستديرة وغنى للحاضرين احتفالا بتعيينه، أدام الله الجامعة العربية ذخرا للطرائف ومتحفا للمتقاعدين الرسميين جدا.
الإحتفاء برمضان فضائيا
وعلى ضفاف رمضان، واستعدادا له، وعملا بالسنة العربية المعاصرة، قمنا بتنظيف صحن الستلايت، وعملنا على صيانة الريموت، وأعدنا برمجة تصنيف القنوات المفضلة حسب مواعيد الدراما المقبلة في الشهر الفضيل.
كاتب أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة