تحظى العلاقات المغربية الأفريقية باهتمام مغربي خاص، نظرا للمكانة التي تحتلها القضايا الأفريقية على مستوى اهتمام صانعي القرار الخارجي المغربي، باعتبارها إحدى الدوائر الأساسية المكونة لمجال السياسة الخارجية المغربية، إذ جعلها الدستور المغربي ضمن المجال الاستراتيجي الثالث بعد كل من أولوية بناء الاتحاد المغاربي، ثم تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وذلك في سعيه الحثيث لتنويع شركائه وتعزيز حضوره الإقليمي في أفريقيا، جنوب الصحراء، فقد أدرك المغرب أن سياسة المقعد الشاغر في منظمة الاتحاد الافريقي أنها أصبحت متجاوزة ولن تلبي طموحاته وتطلعاته في تحقيق مصالحه الحيوية والدفاع عن قضاياه الوطنية.
ويعكس هذا التوجه دخول العلاقات المغربية الأفريقية منعطفا جديدا يتجلى في التعاون الثنائي بين المغرب والعديد من الدول الأفريقية، تغطي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية. وتأتي الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك محمد السادس خلال الفترة التي امتدت من 20 مايو 2015 إلى 12 يونيو 2015 إلى عدد من الدول الأفريقية، وتحديدا إلى كل من السنغال وساحل العاج والغابون وغينيا بيساو، ضمن المسعى المغربي الجديد الذي يجعل من التعاون مع القارة السمراء خيارا استراتيجيا، من خلال تعزيز علاقات المغرب في كل المجالات وتطويرها لتصل إلى علاقات مبنية على مصالح مشتركة. ففي وقت وجيز استطاعت المملكة المغربـــــية أن تلج وبقوة العديد من الدول الأفريقية اقتصاديا وسياسيا ودينيا، ولا سيما منها دول أفريقيا جنوب الصحراء، وساهمت هذه الزيارات المتعددة للعاهل المغربي إلى إعطاء صورة عن المكانة المتميزة لأفريقيا في السياسة الخارجية المغربية.
فعلى المستوى السياسي: أخذ هذا البعد أشكالا متنوعة كسعي المملكة المغربية لحل الأزمات داخل القارة السمراء والمشاركة في عمليات حفظ السلام، كما كان الشأن في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج، إذ قادت الخطوة المغربية إلى تخليص هذا البلد من نزوعات العنف والتطرف والإرهاب التي باتت تهدد منطقة الساحل والصحراء، وكذا للمساعدة في عمليات الاستقرار بهذه البلدان.
وفي علاقته مع المنظمات الأفريقية قرر المغرب، الانضمام إلى منظمة تجمع الساحل والصحراء سنة 2001، كما تكللت جهود الدبلوماسية المغربية على المستوى الأفريقي في حصول المغرب سنة 2005 على صفة عضو مراقب في المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا «الاكواس»، فضلا على مشاركته في مجموعة من القمم والمؤتمرات حول أفريقيا، إلى جانب تحدثه باسم أفريقيا في المحافل الدولية، خاصة بعد حصول المغرب على صفة العضو غير الدائم في مجلس الأمن في بداية سنة 2010.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد شكل التعاون الاقتصادي والتجاري دائما دعامة أساسية في الاستراتيجية المغربية نحو أفريقيا جنوب الصحراء، إذ أصبحت هذه القارة ضمن أولويات صناع القرار الخارجي المغربي، ولعل أبرز خطوة أقدم عليها المغرب خلال الفترة الأخيرة اتجاه أفريقيا وكان لها صدى في عموم البلدان الأفريقية هي، تلك التي تمثلت في إعلان الملك محمد السادس خلال قمة القاهرة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا سنة 2000، عن إعفاء لفائدة بعض الدول الأفريقية الأكثر فقرا من الديون المستحقة للمغرب عليها، وفتح السوق المغربية أمام صادراتها من دون أداء الرسوم الجمركية.
وحاليا تخضع العلاقات الاقتصادية بين المغرب والدول الأفريقية لإطار قانوني يتكون من أزيد من 500 اتفاقية تعاون في مجالات الطاقة والمعادن، الصيد البحري، التجارة، الصناعة، السياحة، الصحة، الأمن، الفلاحة، المواصلات وتكنولوجيات الإعلام
ومثال على ذلك، فالمغرب يولي أهمية كبرى للتعاون في مجال الصيد البحري مع غرب أفريقيا، فقد تم إبرام أغلب اتفاقيات التعاون مع الدول الأفريقية وهي السنغال والغابون وغينيا وغينيا الاستوائية والكونغو والكونغو الديمقراطية وساحل العاج ونيجيريا وغانا وأنغولا والرأس الأخضر والبنين والسيشل وبوروندي. وبناء على هذه الاتفاقيات، تستفيد الدول الأفريقية من العديد من فرص التعاون في مجال الصيد البحري، وإضافة إلى ذلك، يعتبر المغرب الوجهة المفضلة للحصول على التكوين البحري، نظرا لجودة التعليم الذي تقدمه المؤسسات المغربية المختصة وتكييف التكوين مع السياق المحلي.
في الصدد نفسه، أصبحت أفريقيا اليوم تشكل منطقة أكثر جاذبية للمستثمرين المغاربة، ففي السنوات الأخيرة بدأت الشركات المغربية تسعى إلى زيادة حضورها على الساحة الأفريقية بشكل مكثف، إذ عـرف حجـم الاستثمـارات المغـربية المـوجهة نحـو أفريقيا تحسنا ملحوظا، أكثر من 91 في المئة من استثمارات المغرب في الخارج.
أما على المستوى الديني والثقافي فقد ظل البعد الديني حاضرا بشكل جلي في علاقة المغرب مع البلدان الأفريقية، منذ العصور الوسطى، وكان المغرب بمثابة أرض الارتواء الروحي بالنسبة للعديد من شعوب أفريقيا جنوب الصحراء، ونجح بامتياز في تصدير نموذج ديني يؤلف بين المذهب السني المالكي والتجربة الصوفية، حتى أصبح دوره وحضوره في أفريقيا مرتبطا بالجانب الديني أكثر من أي جانب آخر، وهو ما ترجمته الدبلوماسية الملكية الجديدة التي تستثمر الروابط الدينية والزخم الروحي والوجداني لمؤسسة إمارة المؤمنين في رسم معالم السياسة الخارجية المغربية.
إجمالا يمكن القول إن الدبلوماسية المغربية استطاعت أن تكسب موقعا جيدا في أفريقيا جنوب الصحراء من خلال تمركزها الاقتصادي في مجموعة من دول القارة، مما سمح لها بالحصول على بعض المكاسب السياسية للدفاع من موقع أقوى على قضية المغرب الأولى. وكما قال شارل سان برو الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية ومدير مرصد الدراسات الجيوسياسية في باريس، إن مختلف الزيارات التي يقوم بها الملك محمد السادس إلى البلدان الأفريقية، تدخل ضمن دينامية كبيرة، تؤطرها رؤية ملكية بعيدة المدى، داعيا الدول الأفريقية إلى تحمل مسؤولياتها من أجل عودة المغرب إلى حظــــيرة الاتحاد الأفريقي الذي يحتاج بحسب الخبير الفرنسي إلى بلد كالمغـــرب، بالنظر إلى الأخطار والتحديات التي تتهدد القارة الأفريقية.
فأفريقيا تعتبر قارة للمستقبل، كما يسميها الخبراء الاقتصاديون، لما تتوفر عليه من مؤهلات وإمكانيات اقتصادية وبشرية، فهي تضم أكثر من 940 مليون نسمة أغلبها من فئة الشباب، وقد عرفت في السنوات الأخيرة تهافتا من قبل القوى العظمى على هذه القارة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تأسيسها للشراكة الأمريكية الأفريقية، بدءا من عام 1998 ورفع شعار إدماج أفريقيا في الاقتصاد العالمي، ثم فرنسا والصين من خلال الحفاظ على مصالحها التجارية بعدد من الدول الأفريقية.
ويكفي أن نشير إلى بعض الأرقام ذات الدلالة الواضحة: فأفريقيا تحتفظ بنحو 3٪ من إجمالي احتياطي البترول في العالم، وبها 5٪ من احتياطي الغاز، ونحو ثلث احتياطي اليورانيوم، ونحو (70٪) من الفسفور، و(55٪) من الذهب، و(87٪) من الكروم، و(57٪) من المنجنيز، و(42٪) من الكوبالت… إلخ. ناهيك عن ثراء القارة في مواردها الطبيعية الأوفر، مثل: المياه، والزراعة.
لذا أصبحت أفريقيا في بؤرة التنافس والاهتمام الدولي على مواردها لما تمثله من أهمية جيوبوليتيكية واستراتيجية واقتصادية متنامية. والسؤال الذي يبقى مطروحا: هل ستبقى للمملكة المغربية النفس الكافي لمسايرة هذا التنافس الدولي الشرس على القارة السمراء.
٭ باحث في العلاقات الدولية ـ الجزائر
هشام بولنوار