براديغم الثورات في الوطن العربي

حجم الخط
1

«وبما أن الثورات العلمية لا يمكن تشييدها في غياب براديغم العلماء فإن هيمنة التراث والتقليد يساهمان في تأخير هذا البراديغم المرتبط بالتاريخ الثوري».
ثمة برهان على أن التاريخ البسط والتقليدي يتكون انطلاقا من أعمال الأرواح الميكانيكية التي لا تعاصر فكرها اليومي، ولا يمكنها أن تتحرك إلا مستندة على عكاكيز من قصب، التجربة الحسية، منفعلة مع وجدانها، لا يهمنا التقدم، مادام أنها لا تعرف إن كانت تعيش التأخير، كما أن بعدها عن الفن يصيبه الروح بالعمى، لأن العبقرية تبدأ من الرؤية الفنية الطبيعية، وفي مقابل هذه التاريخية الدوغمائية، تظهر تاريخية العباقرة، انطلاقا من الأرواح العلمية التي تشيد روح العصر، وتفتح دروبا جديدة الفكر وآفاقاً أخرى للعقل، هكذا تنطلق من عملية هدم البراديغم السائد بالعنف الاستيطيقي والهيرمنطيقا، والخطابة، فالثورة تسيطر على السلطة، وتزيح الأرواح الميكانيكية، واكتساح فضاءاتها وتطهيرها بنشر المعرفة التنويرية.
وبما أن العلم والتقنية ينتجان التقدم والتطور، فإنهما يتحكمان في التاريخ ويوجهانه نحو تحقيق كماله في التقدم. ولذلك فان العلماء يبدعون للعصر براديغما خاصا به، لأن ثورات الحرية والمساواة لم تكن ستخرج إلى الوجود لولا، الثورات العلمية، ذلك أن الشعوب الأوروبية تم تحريرها بواسطة الثورات العلمية، لأنه إذا كان الفن هو العضو الفعال في الفلسفة، فان الفلسفة هي شجرة العلم، فجدل العلم الفلسفة يؤدي إلى تحرير السياسة من الهيمنةـ كما أن إرادة القوة يتم تشيدها بالفن، وبعبارة نيتشه إن إرادة القوة هي نفسها الفن».
الاستطيقا والحداثة وجهان لحقيقة واحدة، ولا يمكن إبداع النهضة الفكرية والسياسية، بدون العودة إلى الأصل، أي إلى الفن، باعتباره إنصاتا لنداء الطبيعة والحياة، فعصر النهضة عند الغرب بدأ بعصر الفن، ولذلك فان الأمية التي تقاوم الفن، فإنها تؤخر نهضتها.
لأن الاهتمام بالفنان وإبداعاته هو اهتمام بالنفس، مما يجعل الثقافة والحضارة تعودان إلى أصلهما، أي الاستطيقا، كما أن ظاهريات الروح في الاستطيقا يعجل بالثورات العلمية والسياسية. هكذا تكون الاستطيقا هي المحرك الأول للحداثة الكلية، بل إن العالم لا يظهر إلا كعامل فني يبدع نفسه. ولذلك فان تسمية الفنان بالعبقري، معناه أن يجمل العالم، ويقحمه في فضاء الأنوار، مما يؤهل إلى خلق المشترك بين الفنان والعالم، إنهما نفس الشيء، فالعالم يتطور في مجال الحقيقة، باكتشافه لشيء يكون موجوداً من قبل وغير معروف، والفنان ينمو في المكان الذي يرقص فيه الوعي النظري من أجل تجديد إرادة القوة وماهية الحداثة، وبعبارة أخرى، إن إرادة القوة هي ماهية وجود عصر الحداثة، وبامتلاك الاستطيقا لرؤية خاصة لتاريخ العلم، تكون قد نشرت سيطرتها على ثقافة الحداثة، فالحداثة لا يمكن أن تكون في متناول الإنسان إلا من خلال الاستطيقا، ولذلك فان مدينة الأنوار هي نفسها مدينة الاستطيقا، ومجال الموضة، في الأزياء والعطور. والحال أنه لو كان للعالم العربي هدف لتحقق منذ سنوات، بيد أن هدفه الوحيد هو جعل من التراث رتابة يكررها الأجيال، لأن العودة الأبدية لهذا التراث قد أفقدته الحياة وتحول إلى جثة يتم تأجيل دفنها، ولذلك فان إرادة القوة على التجدد لم تعد وسيلة، بل أصبحت متهمة بالانحراف، مما يعني أن الحداثة بكل قيمتها، لا يمكن تحقيقها في الوقت الراهن، فهو استحالة المستحيل، لا جدوى من هذه الأسئلة القلقة في فضاء أسطوري شعاره لا للعقل، نعم للوجودات المستعملة بعنف الأخلاق الدينية، وبما أن الإنسان لم يعد يتألم من هذا العنف اليومي، فان تحريضه على الحرية والمساواة أضحى متجاوزاً، وبهذا يكون التنوير الفلسفي واحداً من تلك الأشياء المضحكة. لأن من طبيعة العبيد أن يسخروا من كل محرر يسعى إلى تكسير أغلامهم، ويأكلون فوق الحاجة، وينامون أكثر من اللازم. فكيف إذن يكون من لا هدف له موضوعاً للتفكير الفلسفي؟، هل بإمكاننا أن نواجه هذا العبث بالعقل؟، أم باللامبالاة؟، وهل يستطيع العقل العربي تحمل صدمة براديغم الثورات العلمية؟، أم أنه اعتاد على السبات الدوغمائي؟، ومن يقرأ الآخر العقل أم الثرات؟، وكيف يمكن نقد العقل العربي دون نقد التراث العربي؟

٭ كاتب مغربي

د. عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية