بداية حكم السيسي

بعيداً عن الحديث عن نبرة يأسٍ قد تشيع في كتابات البعض هذه الأيام، كما تناولها د. جلال أمين في مقالٍ له بجريدة «الشروق»، يمكننا بدرجةٍ عالية من الثقة أن نقرر أنه باستثناء قلةٍ من الأصوات الناقدة بموضوعية لمجمل سياسات النظام وتحركاته، فإن ثمة نوعاً من التسليم أو القبول بالنظام على شكله الحالي.
وتتفاوت مبررات ذلك القبول وطرق التعبير عنه من التطبيل والحماس والدعاية للنظام (النابع أغلبه من نفاقٍ في رأيي من صحافيي ورجال كل العصور) إلى تصوير ذلك على كونه أفضل المتاح، خاصةً لدى مقارنة تماسك الدولة المصرية بمصائر التفتت الإقليمي الذي يحيط بها. ولما كان النظام يريد توطيد مركزه وإقصاء الدبابة التي صاحبت تشكله الحالي من محيط الذاكرة، فإنه لا يكتفي بتوسل المشروعية من الملايين الساخطة على حكم الإخوان، التي نزلت إلى الشوارع في 30 يونيو، وإنما يسعى إلى تحقيق ما يمكن تسميته بـ»المنجزات» كمشروع قناة السويس لكي يتغنى بها الناس وتعلو نبرة تفاؤلهم وبالتالي دعمهم وتصفيقهم.
نرى تحركاتٍ عديدة تزعم إرادة التغيير والإصلاح… في الحقيقة هناك رغبة في خلق الانطباع بأن ثمة تغيير، لكنك حين تتأمل تلك التحركات، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ما تطرحه من مشاكل وطرق معالجتها، وما قد تحيل إليه من نتائج سياسية تصل إلى قناعة بأنها في مجملها تمثل دليل إدانة للنظام، في مراحله السابقة وفي تجليه الحالي. على الصعيد الداخلي، احتلت زيارة رئيس الوزراء إلى المستشفيات العامة التي يؤمها السواد الأعظم من الناس صدارة العناوين والتغطية الأخبارية، ومن ثم لحق بها السجال على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يتحفظ رئيس الوزارة وإنما أطلق لسانه ليعبر عن ذهوله وغضبه من سوء الأوضاع التي تهدر أبسط معاني الاحترام والكرامة الآدمية… لكنه لم يتوقف عند هذا الحد ولم يحمل الحكومات المتعاقبة المسؤولية، وإنما ألقى باللائمة على الأطباء الذين يهرولون وراء عياداتهم الخاصة، حسب زعمه. بالطبع إبداء الاهتمام بالمستشفيات وصحة المواطنين تصرفٌ محمود من قبل مسؤولٍ في مركز المهندس رئيس الوزراء، لكنه يثير سؤالاً مباشراً وسريعاً كالبرق: هل اكتشفت لتوك مدى انهيار منظومة الصحة في مصر؟ إنه لافتئاتٌ وبهتانٌ من الأساس أن نتحدث عن منظومة صحية…لا تملك سوى أن تسأل نفسك: أي برجٍ عاجي تعزل فيه هذ الشريحة وتلك الطبقة الحاكمة نفسها؟ ألا يقودون سياراتهم في الشوارع؟ ألم ير سيادة المهندس الواقع حوله؟ ألم ير الفقر والخراب والتهميش المستوطن حوله في كل مكانٍ في العاصمة العشوائية المرهقة؟ ثم حين أراد أن يبحث عن كبش فداء التفت إلى الأطباء الذين لا تصل مرتباتهم حد الكفاف، بل كما وصفهم صديقٌ لي «ممن تجوز عليهم الزكاة شرعاً» وبح صوتهم من الشكوى من أوضاعهم وتردي المستشفيات. لا ينبغي في رأيي التنقيب عن منطقٍ في كل ذلك، فالغرض إعلامي ومتسرع في المقام الأول: لن تتحسن أحوال المستشفيات العامة ولن تتطور منظومة الرعاية الصحية لنظامٍ سعى ومازال في المقام الأول للتنصل من مسؤولياته تجاه مواطنيه.
على الصعيد الخارجي، وبغض النظر عن جوقة الفنانين الذين رافقوا زيارة السيسي للخارج، الأمر الذي لم أتوصل لفهمه رغم محاولاتي الجادة، فلا بد من الاعتراف بأنه أحرز كسباً سياسياً من نوع ما. من المعلوم مكانة ألمانيا المحورية في أوروبا كونها تشكل المحرك الأقوى للاقتصاد الأوروبي، لذا فإن استقبالها له وتلك الصفقة التي أبرمت بين الحكومة المصرية وشركة سيمينز لبناء مولدات الطاقة يعد اعترافاً بمشروعيته وتكريساً لوضعه. إن ذلك يؤكد الحقيقة الأقدم ربما في عالم السياسة: أن للدول، خاصةً الكبرى، مصالح دائمة وهم يتعاملون مع المتغيرات السياسية بواقعية ومن منطلق تلك المصالح، مهملين في نهاية المطاف الاعتبارات الأخلاقية والهم الديمقراطي لينزوي إلى الخلفية. في لحظةٍ ما ربما توصلت تلك الدول لقناعةٍ بأن قدراً من الإصلاح السياسي والمشاركة الأوسع وتداول السلطة قد يصلح بعضاً من الخلل الناخر في تلك الأنظمة المترهلة، التي يحكمها أشخاصٌ لا يقلون ترهلاً شاخوا وتهدلوا في مواقعهم، وتوصلوا إلى قناعة بأن قوى الإسلام السياسي المعتدل كالإخوان المسلمين، التي تعلن عن قبولها المبدئي بالعملية الديمقراطية، وخاضت بالفعل انتخاباتٍ من قبل، ربما تكون هي أفضل ضمان لضبط الشارع، كونها الفصيل المنظم الوحيد وقريبة من الجمهور المحافظ المزاج بصفةٍ عامة. الأهم من ذلك فقد تصورت هذه الدول أن هذه الإصلاحات قد تهدئ من نوازع الغضب الذي يغذي الإرهاب العابر للدول والقارات باسم الإسلام. غير أن التطورات البائسة في دول الربيع العربي وما تمخضت عنه من واقعٍ تعس وتنام للإرهاب وتطوره نوعياً لأنماطٍ غير مسبوقة أخافت الغرب، وفي حالة مصر فقد أثبتت القوى القديمة صاحبة المصالح، متحلقةً حول الدولة والمؤسسة العسكرية أنها مازالت الأقوى والأكثر تنظيماً، والأقدر على الفعل رغم كل شيء… حتى الآن على الاقل… وربما عزز ذلك من تصوراتٍ لدى بعض الدوائر السياسية في الغرب بأن بعض المجتمعات لا تصلح أو لم تصل بعد لفكرة الديمقراطية، بما قد تحويه هذه الفكرة من نوعٍ من استعلاءٍ يعكس قناعاتٍ لدى شريحة مؤثرة للأسف في بلداننا نفسها. لقد غلبت المصلحة وحكمت فقررت ألمانيا التعامل مع رجل مصر الأقوى، بغض النظر عن أي اعتباراتٍ أخرى، أو المناوشات الإقليمية بين المحاور المختلفة، والملاحظ أنها في ذلك تلحق اعترافاً ضمنيا مماثلا من قبل فرنسا في صفقة الطائرات، وأمريكا قبلهما التي مررت عقود الأسلحة المتفق عليه؛ بالطبع نستطيع أن ننظر إلى الأمر من زاوية كون النظام دخل في صفقات ضخمة لاعتماده من قبل تلك الدول…
ألعابٌ هنا وهناك، منها الصغير على المستوى المحلي والأكبر مع اللاعبين الكبار… ليس للثورة ومبادئها ومطالبها مكان فيها، وإنما الأساس هو شراء الوقت من قبل النظام وتوطيد مركزه وإحكام قبضته الأمنية بعنفها الثأري غير المسبوق… لا سياسة وإنما فقط قوة مفرطة وبعض المكاسب التافهة والبسيطة هنا وهناك، كتنظيف الشوارع وتنظيم المرور.. أما الانحياز الاجتماعي والاقتصادي فهو هو، مع ازدياد شراسته ونهمه. كل ذلك يتم تحت بدعم قطاعاتٍ شعبية عريضة تمكنت منها حالة من العصاب الفاشستي الدموي تجاه أعداء الوطن والمؤامرات الخ، تحت غطاء وتأثير سردية المؤامرة الكونية التي روجت لها الأبواق المشبوهة المسيطرة على الإعلام.
لا يكتمل الحديث في الحقيقة بدون التطرق لما قاله الرئيس السيسي عن نفسه وكون الله خلقه طبيباً يشخص ويعرف الداء والدواء، وما ادعاه من اعتراف الفلاسفة بذلك. بالطبع من حق كلٍ منا أن يرى في نفسه ما يشاء وجميلٌ أن تكون لديه تلك الثقة المفرطة في النفس، إلا أن تلك الدرجة العالية من النرجسية من قبل رجلٍ وصل على دبابة لسدة الحكم ولم يتم بعد عامه الأول في منصبه الرسمي ليست مقلقة فحسب وإنما مخيفة… ليته قال لنا من أين أتته تلك القناعة؟ أين شواهدها؟ ومن هم هؤلاء الفلاسفة الجهابذة الذين أشاروا إلى ثاقب بصيرته وعمقه الفكري وألمعيته؟
ذلك التصريح مؤشر، سبقته مؤشراتٌ أخرى كما لفت انتباهي أحد الأصدقاء كالسيف الذي أعطاه إياه السادات في الحلم… الأمر ليس مجرد كلمة أو»فضفضة» أفلتت من رجل مخابراتٍ خانه حرصه وإنما دليل على بداية امتلائه بنفسه.
في غياب مراقبةٍ شعبية ومع الاستمرار في إخصاء وإرهاق البدائل السياسية فإن ذلك ينذر بتشكل كارثة، وعلينا أن نتذكر أن كثيراً من الكوارث المدمرة في التاريخ حدثت نتيجة تجاهل المؤشرات… هتلر لم يخف نواياه وأفكاره وعداواته في كتاب «كفاحي»، إلا أنه لم يتم التعامل معه بجدية حتى تأخر الوقت. أما اعتراف الغرب وصفقات السلاح فلا تطمئن في غيبة آليةٍ تضمن كبح جماح الحاكم ومحاسبته حين يجنح. أمثلة الفشل والقصور كثيرة، ولعل أقربها إلينا هو نموذج العراق… في سني السبعينيات والثمانينيات حدث تطورٌ رهيب في كل المرافق، إلا أن أخطاء الحساب الكارثية والاندفاعات الحمقاء في غيبة مراقبة أو معارضة أسهمت في كارثة.
في رأيي أننا بدأنا الآن فقط نرى البداية الحقيقية لحكم السيسي… اعترف به العالم وبدأت ظاهرته تأخذ شكلها الأوضح… كل ما أتمناه في هذه الجولة الجديدة هو ألا نعيد أخطاء الماضي… أن نكسر تلك الحلقة المفرغة التي ما برحنا ندور فيها، دورانية الزمن العربي كما سماها أحدهم… في جملته الشهيرة قال ماركس، إن التاريخ لا يعيد نفسه وإن فعل فإن الحدث التراجيدي يضحي مهزلةً، أعترف: بعد عقودٍ من الفشل والهزائم، حتى الهزل لم نعد نملك الطاقة عليه..
٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية