الرباط ـ «القدس العربي» : إذا كان العرض المسرحي حدثا فرجويا حيا ومباشرا، وموضوعا فريدا يقدم للمتلقي في اللحظة الحاضرة، ويستحيل تكراره في أي لحظة أخرى، فإن «النص الفرجوي» أو «نص العرض» مفهوم نظري «يمثل الإخراج المسرحي ليس بوصفه موضوعا إمبريقيا، ولكن باعتباره نسقا تجريديا، ومجموعة منظمة من العلامات»، كما قال باتريس بافيس في كتابه «تحليل العروض المسرحية».
في هذا الإطار، يأتي كتاب الباحث المغربي الدكتور فهد الكغاط «آثار الفرجة – تأشير الإخراج المسرحي»، الصادر حديثا باللغة الفرنسية عن دار «أمازون» في الولايات المتحدة الأمريكية، ليوضح أن النص الفرجوي يتجسد أحيانا في نص آخر ينتج عن تأشير الإخراج المسرحي، مثل نسخة التلقين، وكراسة الإخراج المسرحي، والتصميم المزود بالصور الفوتوغرافية («نموذج العرض» البريختي)، وغير ذلك. ويعتبر هذا النص التأشيري أداة جوهرية لحفظ الإخراج ووصف العرض.
خصص المؤلف هذا الكتاب لدراسة أحد أهم نصوص التأشير المسرحي، بوصفه وسيطا نصيا ناقلا لأحداث العرض ومبرزا لخياراته الجمالية والإيديولوجية. ويتمثل هذا الوسيط في كراسة الإخراج المسرحي التي يعدها المخرج وطاقم عمله أثناء التهيؤ للعرض.
ويرى المؤلف أن هذه الكراسة، بوصفها نصا مدونا بخط اليد أو مطبوعة، تمثل التأشير الكتابي للإخراج المسرحي، وهو ما يعتبر من أهم تقنيات التأشير المسرحي التي يمكن أن توظف لتدوين العرض وتسجيله. وإذا كانت الصيغة الكتابية للتأشير المسرحي قد شكلت المحور الأساس لهذا الكتاب، فقد أثار فهد الكغاط حولها مجموعة من الأسئلة الجوهرية، من أهمها:
– كيف يلتقط المخرج اللحظة المسرحية ويمسك بها؟ وكيف يُثَبِّتُ الإخراج المسرحي، رغم أنه، بطبيعته، يتلاشى بانتهاء العرض؟
– ما هي الأدوات التي يوظفها المخرج لكتابة نص التأشير المسرحي؟
– كيف يدون المخرج إيماءات الممثل وحركاته؟ وكيف «يسجل» رنة صوته، وإيقاع كلامه واتصاله؟ بل كيف يكتب الإخراج المسرحي ويدون كل مستوياته على الورق؟
– هل من الممكن أن تأخذ كراسة الإخراج المسرحي شكل توليفة مسرحية، بحيث تماثل التوليفة الموسيقية في دقة علامات التدوين وكونيتها؟
– ما هي أبرز القضايا التي تطرحها هذه الصيغة الكتابية لتأشير الإخراج المسرحي؟
يقول المؤلف: لا شك في أن النص التأشيري الذي تمثله كراسة الإخراج المسرحي ليس مادة بديلة للعرض، لأن التقنيات التي توظف في التأشير قد تختزل معطيات الأداء المسرحي، بل وقد تحرفها كذلك، لكن هذا النص، عندما يكاد يأخذ شكل توليفة مسرحية دقيقة وشاملة، فإنه يسمح بإعادة تشكيل الإخراج المسرحي وتحديد الخيارات الجمالية للعرض المتصل به. إنه ينقل هذا العرض المسرحي، ويبين سيرورته وتلاحق عناصره، مما يسمح بالتقاط التصور الإجمالي للإخراج والمبادئ المنظمة له.
إن كراسة الإخراج المسرحي، عندما تقترب من التوليفة المسرحية، وتكاد تماثلها في دقة علامات التأشير وشموليتها، فإنها تنقل عددا من الأنساق الدالة في العرض وتعيد إنتاجها. هكذا تصبح هذه التوليفة وسيطا نصيا ناقلا للعرض المسرحي، يحقق النص الفرجوي ويجسده، ويسمح بإعادة تشكيل الإخراج المسرحي وتحديد شروط تلفظه. من هنا، يستطيع الباحث المسرحي المهتم بمقاربة العرض وتحليله، أن ينطلق من هذا الوسيط ليكشف عن مختلف جوانب الإخراج المسرحي، وليحدد الخيارات الجمالية للعرض المتصل به. خصص الكغاط الفصل الأول من هذا الكتاب لرصد أهم مفاهيم التأشير الكتابي للإخراج المسرحي ودراسة عدد من أبرز قضاياه. وهكذا، فقد حدد في مرحلة أولى مفهوم التأشير للإخراج المسرحي، وعرض مختلف تقنياته، ثم انتقل إلى الحديث عن التأشير الكتابي للإخراج المسرحي، باعتباره موضوع الدراسة، فتطرق إلى صيغه ووظائفه، واستحضر عددا من القضايا النظرية المرتبطة به. وهكذا انصب اهتمام المؤلف على القضايا التالية: مفهوم التوليفة المسرحية، ويوتوبيا التأشير المسرحي، وتأشير الإخراج من مرحلة ما قبل جلسات التدريب إلى المرحلة التي تلي العروض الأولى للعمل المسرحي، والتأشير المسرحي بين المخرج والباحث، واختتم الفصل بمحاولة وضع تأريخ أولي للتأشير المسرحي.
وتناول في الفصل الثاني من الكتاب التأشير للإخراج المسرحي من خلال كتابات المخرج وطاقم العمل، فانصب اهتمامه بالأساس على شكل ومضمون كراسة الإخراج المسرحي. وهكذا فقد درس في أول الأمر دفاتر التلقين، فناقش ما تعرضه من مستويات التأشير المسرحي، ثم وقف عند تجربة إصدار كراسات الإخراج المسرحي باعتبارها نصوصا تتوجه إلى القارئ العادي مثلها مثل أي نص أدبي أو فني آخر، وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مضمون كراسات الإخراج وشكلها، فقدم عددا من النماذج الغربية حول ذلك، ثم اختتمنا الفصل بالحديث عن كراسات الإخراج المسرحي في الحركة الثقافية العربية.
الطاهر الطويل