موسكو تحضر لمستقبل بدون الأسد واستقبال محمد بن سلمان محاولة لحل أزمة سوريا والسعودية ترغب باحتواء إيران عبر باكستان

حجم الخط
0

قال دبلوماسي إيراني إن موسكو تلعب لعبة مزدوجة في سوريا. ونقلت عنه صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية قوله إن «روسيا تحاول أن تلعب على أكثر من مسار في الوقت الحالي.. فهي تدعم الحكومة السورية وتحاول التأثير على المعارضة وتحضر لمستقبل بدون الأسد». وجاء تعليق الدبلوماسي الإيراني عشية اجتماع وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس فلاديمير بوتين على هامش منبر سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي.
وأضافت الصحيفة أن الموضوع السوري سيكون على رأس أجندة المباحثات الروسية – السعودية حيث أكد هذا مستشار بوتين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف أن المباحثات ستكون «حقيقية وعملية للتعاون بين البلدين»، وسيشمل جدول أعمال اللقاء التعاون العسكري بين البلدين خاصة إمكانية شراء الرياض منظومة «إسكندر-3» الصاروخية. وترى الصحيفة في زيارة الأمير الشاب الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين عاما محاولة من السعودية لبناء علاقات مع الرئيس بوتين.
ويعبر اللقاء أيضا عن محاولات موسكو البحث عن حل للأزمة السورية، خاصة أنها من أكبر داعمي نظام الرئيس بشار الأسد الذي يخوض حربا منذ أربعة أعوام ضد المعارضة المعتدلة وجماعات متشددة مثل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وسوريا» و»جبهة النصرة» الموالية لتنظيم «القاعدة».
ومنذ وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز للحكم في شهر كانون الثاني/يناير بداية العام الحالي تبنت حكومته سياسة أكثر حزما تجاه إيران وتدخلاتها في المنطقة.
وبدت هذه السياسة واضحة بشكل كبير في اليمن حيث يشرف نجله الأمير محمد بن سلمان على الحرب ضد المتمردين الحوثيين الذين يتلقون الدعم من إيران.
وفي سوريا حلت الرياض ملفات الخلاف بينها وبين تركيا وقطر ودعمت تشكيل جيش في الشمال «جيش الفتح» يتكون من فصائل معتدلة ومتشددة في نفس الوقت.
وترى الصحيفة أن زيارة محمد بن سلمان تترافق مع جهود الولايات المتحدة في دفع روسيا كي تدعم عملية نقل للسلطة بدون الأسد.
وبحسب المحاضر البروفيسور مارك كاتز بجامعة جورج ميسون في الولايات المتحدة فالطريقة التي ستطرح فيها الرياض أفكارها لروسيا تقوم على أن «الأسد سينهار بطريقة أو بأخرى فمن الأحسن لروسيا العمل مع السعودية لتحسين فرص تشكيل حكومة للمعـتدلين» ليحلـوا محله. وبالتالي فمواصلة موسكو دعمها للأسد قد يؤدي إلى إضعاف جـماعـات المعـارضة المعتـدلة وهو ما يسـمح لتنـظيم الدولة وجبـهة النصـرة تسـلم السلـطة حالة انتـهى نظـام الأسـد.
وتعبر زيارة الأمير محمد بن سلمان عن حراك خليجي مدفوع أيضا بالقلق من الإتفاق النووي المتوقع إكماله نهاية الشهر الحالي بين واشنطن وطهران، وهو ما سيخفف عنها العقوبات المفروضة عليها ويعطيها الحرية لمواصلة هيمنتها على المنطقة. ففي الشهر الماضي زار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي موسكو. وتشترك مواقف روسيا والإمارات في معاداة الإسلام السياسي.
وفي الوقت نفسه قام ميخائيل بوغاندوف نائب وزير الخارجية ومبعوث بوتين للشرق الأوسط بزيارة إلى العاصمة الرياض. ويقول كاتز إن الأمير محمد بن سلمان سيشدد لبوتين على أن الجهود الروسية لتنمية العلاقات مع إيران ستتبدد وأن مصلحة روسيا ستكون أفضل حالة تعاونت مع السعودية.
من جانب آخر يرى نيكولاي كوزهانوف المحلل بالمركز الملكي للدراسات الدولية «تشاتام هاوس» أن بحث روسيا عن مخرج للأزمة السورية تدفعه حالة الإحباط من الأسد ورفضه فتح حوار مع المعارضة العلمانية في ظل تصاعد التهديد الجهادي.
ورغم كل هذا لم تعلن روسيا تخليها عن النظام السوري ولا يزال السلاح يلعب دورا مهما في تعزيز ترسانة النظام السوري مع أن موسكو خففت من وجودها العسكري في سوريا بشكل كبير وسحبت حوالي 100 من مستشاريها العسكريين. ولا نية على ما يبدو لموسكو التخلي عن النظام السوري بسبب ضعف المعارضة السورية حسبما يرى دبلوماسي روسي سابق.

من الخلاف إلى التقارب
وظلت زيارة الأمير محمد بن سلمان سرية ولم يعلن عنها إلا قبل ساعات قليلة من مغادرته للمملكة، وجاءت بعد سلسلة من الاتصالات التي جرت في الآونة الأخيرة بين الرئيس بوتين ووالد الأمير، الملك سلمان.
ففي نيسان/أبريل، تحدث الإثنان هاتفياً، وفي 27 أيار/مايو، التقى مبعوث روسي خاص مع العاهل السعودي قبل يوم واحد من تقديم السفير السعودي الجديد أوراق اعتماده في موسكو. وتحدث هذا الأسبوع السفير السعودي عن «روابط تاريخية عميقة الجذور وتطور دائم» للعلاقات بين البلدين. ويعلق سايمون هندرسون، الزميل الباحث بمعهد واشنطن لدراسات الأدنى أن العلاقات الجيدة التي يتحدث عنها السفير تأتي على خلفية العداء التاريخي بين البلدين. فالملك عبد العزيز بن سعود كان ينظر بسخط «للشيوعيين الملحدين» وقرر قطع علاقات بلاده مع موسكو عام 1938 ولم تستأنف العلاقات بين البلدين إلا في عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي تعليقه على زيارة وزير الدفاع السعودي يقول هندرسون إن هناك إمكانية لتطور العلاقات بين البلدين في ظل صعود الأمير محمد بن سلمان الذي بات يعتمد والده عليه في المهام الخارجية الخاصة.
ولا يستبعد هندرسون أن تكون لزيارة الأمير أهمية خاصة في المستقبل في إشارة لتحول في العلاقات السعودية ـ الروسية التي اتسمت في عهد الملك عبدالله بالبرود والتعنت الروسي تجاه الأزمة السورية. ولم ينجح الأمير بندربن سلطان، مدير الإستخبارات السعودية السابق، في زيارتين له لموسكو بدفع القيادة الروسية تغيير سياستها حيال دمشق. وبالإضافة لسوريا وصفقات السلاح يقول أن جدول أعمال اللقاء سيشمل موضوع النفط الذي أصبح فيه الأمير صانع القرار الرئيسي وفي الجانب الآخر يريد بوتين توسيع الخلافات بين الرياض وواشنطن بصورة أكثر على أساس نتائج الإتفاق النووي مع إيران. ولهذا السبب على ما يبدو لم يرسل الملك سلمان ولي العهد الأمير محمد بن نايف ولا وزير الخارجية عادل الجبير القريبين من واشنطن.
ومهما كانت نتائج الزيارة فهي محاولة من السعودية لترتيب علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية في ظل التغيرات المتوقعة في طبيعة العلاقات الأمريكية – الإيرانية ومحاولة السعودية التصدي للتحديات التي تواجهها في المنطقة والنابعة من الحرب الأهلية السورية وصعود تنظيم الدولة الذي بات يهدد أمن المملكة من الداخل وسيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء.
ولم تحقق الحملة السعودية التي بدأت في 26 آذار/مارس نتائجها المرتقبة بل واصبحت المناطق الجنوبية من السعودية- نجران وجيزان- في مرمى القنابل والصواريخ التي يطلقها الحوثيون وأدت لمقتل 11 شخصا من عناصر الجيش والمدنيين السعوديين.
وكلما طال أمد الحرب كلما أثر على الجبهة الداخلية السعودية. فالنصر السريع في اليمن والذي كان يأمل العاهل السعودي ونجله بتحقيقه يبدو بعيدا.
وسيؤدي هذا بالضرورة إلى ظهور أصوات في الداخل تعارض الحملة وتطرح أسئلة حول قدرة «المحمدين» اللذان أوكلت لهما مهمة توفير الأمن الداخلي للبلاد ومواجهة أعدائها في الخارج. ولم تكتشف بعد السعودية محدودية الحرب البرية وهي مترددة بإرسال قوات برية إلى اليمن وتبدو القوة العربية المشتركة «حلما» حتى الآن ولن تشارك على المدى القريب أو البعيد بعمليات عسكرية ضد الحوثيين في اليمن.

علاقات غامضة
ولعل الرفض باكستاني للمشاركة في الحرب أثر على طموحات السعوديين. فقد أملت الرياض الإعتماد على إسلام أباد في حملة اليمن، لكن النقاش الداخلي في باكستان وتصويت البرلمان ضد أي مشاركة في الحرب.
والسؤال الآن إلى أن تمضي العلاقات بين البلدين. هذا سؤال حاول الإجابة عليه جونا بلانك الباحث البارز في مؤسسة «راند» الأمريكية والمتخصص في شؤون جنوب آسيا. ففي مقال نشره موقع مجلة «فورين أفيرز» تحت عنوان «تعريف العلاقات: ماذا تريد باكستان والسعودية من بعضهما بعضا».
وبدأ بلانك مقالته بتصريحات وزير الخارجية باكستاني عزيز أحمد تشاودري بداية هذا الشهر والتي نفى فيها تفكير بلاده بيع أسلحة نووية للسعودية.
وفي الوقت نفسه أكد وزير الدفاع خواجة محمد آصف على التزام بلاده بدعم وحدة الأراضي السعودية ضد أي هجوم من الحوثيين ليصوت البرلمان ضد أي مشاركة في الحرب بل ودعم طرف على آخر. كل هذا قد يدفع السعوديين إنهم لم يحصلوا على أي مقابل لدعمهم المالي الكبير لباكستان. وفي المقابل سيشعر باكستانيون بالدهشة لطلب طرف منهم الدخول في معمعة الشرق الأوسط. ويتساءل بلانك عن طبيعة العلاقة بين أثرى دولة في العالم الإسلامي وأكثر دول تسليحا فيه. ويصف العلاقة بينهما بالدفء ولكن بقدر. ويعتقد أن العلاقة بين باكستان والسعودية مهمة جدا في توازنات جنوب آسيا والشرق الأوسط . سواء كانت في داخل توليفة النزاع السني- الشيعي أو البعثي- الإسلامي أو كانت من خلال توليفة النزاع باكستاني ـ الهندي.
وحتى نفهم استراتيجية كل من البلدين علينا الكشف عما يكمن وراء العلاقات الطويلة وغير المتوازنة بينهما.

ماذا يريد السعوديون؟
يرى بلانك أن العلاقة مع باكستان تمنح السعوديين فرصة لتوسيع طموحاتهم الأيديولوجية خارج العالم العربي من خلال الإستثمارات العلنية من بناء مساجد ضخمة ودعم العمل الخيري.
ونشر أيديولوجيتها السلفية بطريقة سرية عبر تمويل المدارس الدينية ودعم رحلات الدعاة للدراسة أو زيارة السعودية وأداء مناسك الحج والعمرة. وتعتبر باكستان بالنسبة للسعوديين الجائزة الكبرى نظرا لعدد سكانها.
فعلى خلاف أندونيسيا تعتبر باكستان دولة إسلامية منذ منشأئها حيث كان الهدف من إنشائها توفير وطن لمسلمي جنوب آسيا. ولهذا فالهوية الإسلامية هي جزء من الهوية الوطنية وليس كبقية الدول ذات الغالبية المسلمة مثل بنغلاديش وأندونيسيا وتركيا ودول وسط آسيا. وترى السعودية في باكستان مكونا مهما في خطتها لاحتواء إيران التي تمثل تحديا لقيادة السعودية في العالم الإسلامي.
فكل ملك سعودي يحمل لقب «خادم الحرمين الشريفين»، أي مكة والمدينة. ومن منظور سعودي فالطريقة المثلى لإفقاد إيران توازنها هي تقوية وتعزيز منافس لها على الحدود الشرقية لها أي باكستان.
وأحسن ما يصف حدة التنافس السعودي- الإيراني كلمات الملك عبدالله التي سربتها «ويكيليكس» والتي حث فيها واشنطن لقطع «رأس الثعبان» أي إيران.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه باكستان إنها لن تزود السعودية بالسلاح النووي وتؤكد الأخيرة أنها لن تطلبه يرى بلانك ان السعودية تريد السلاح النووي، مشيرا للشبكة التي أدارها الأب الحقيقي للقنبلة الذرية باكستانية عبد القدير خان والذي اعترف عام 2004 أنه ساعد إيران وليبيا وكوريا الشمالية.
ولا يزال خان بطلا قوميا رغم الإقامة الجبرية التي فرضها الرئيس السابق برويز مشرف عليه. ومن هنا فلا يمنع أن تفكر السعودية التي رصدت ميزانية 80 مليار دولار للدفاع بالحصول على السلاح النووي.

ماذا يريد باكستانيون؟
الجواب كما يقول يريدون المال طبعا وقدم السعوديون لهم منه الكثير. ومع أنه لا يوجد بيانات حول حجم الدعم المالي الذي قدمته السعودية لباكستان إلا أن الرياض قدمت وخلال العقود الأربعة الماضية الكثير من المليارات إما نقدا أو على شكل قروض أو دعم نفطي بأسعار مخفضة.
وفي أثناء الحرب الأفغانية في الثمانينيات من القرن الماضي ضخت السعودية مليارات الدولارات للجماعات المقاتلة هناك وعبر باكستان.
وفي عام 1998 وعد ولي العهد السعودي في حينه الأمير عبدالله رئيس الوزراء نواز شريف بتزويد باكستان 50.000 برميل نفط في اليوم حالة صدرت عقوبات ضد باكستان إن قامت بتجربة نووية ردا على التجربة الهندية. وبالإضافة للمال ترغب باكستان من علاقتها مع السعودية تعزيز مصداقيتها في العالم الإسلامي. فهي وإن قامت على فكرة بلد للمسلمين إلا أنها ليست بلدا «إسلاميا» بالمعنى السعودي، ولم يكن محمد علي جناح مؤسس باكستان متدينا.
ولعل أكبر عملية أسلمة شهدتها البلاد كانت في عهد الجنرال ضياء الحق 1977-1988. ومن هنا يفهم حرص شريف على مصاهرة العائلة السعودية الحاكمة حيث تزوجت ابنته حفيد الملك فهد.
ويقول بلانك إن السعودية تظل صديقا مستعدا لمساعدة باكستان على خلاف الصين – حليفة باكستان التي وقفت متفرجة في الحرب الأخيرة عام 1999 في كارجيل ولم تساعد إسلام أباد في حروبها الثلاثة مع الهند 1948 و 1965 و1971.
وحتى لو كانت الصين والولايات المتحدة حليفتين لباكستان فستكون الأخيرة راضية بأن تكون السعودية ثالثا. ففي العام الماضي ساعدت الرياض إسلام أباد بمبلغ مليار ونصف دولار على شكل هبة. وعلى خلاف الصين فكل الوعود التي تعهدت بها السعودية تحققت.

ماذا بعد؟
في تقييمه للعلاقة بين البلدين يرى بلانك أنها اتسمت بالمد والجزر بناء على الحزب أو المؤسسة العسكرية الحاكمة. وعادة ما توثقت العلاقات بين البلدين عندما حكم باكستان «المؤتمر الإسلامي» بزعامة شريف الذي قضى سبعة أعوام في المنفى السعودي بعد انقلاب مشرف عام 1999.
وعادة ما تتسم العلاقات بالبرودة عندما يحكم حزب الشعب باكستاني البلاد. ففي عهد ذو الفقار علي بوتو (1971-1977) وابنته بناظير التي حكمت من التسعينيات حتى مقتلها عام 2007 وأرملها آصف علي زرداري لم تكن العلاقات بين البلدين قوية.
وكان حزب الشعب يميل نحو إيران أكثر من السعودية، خاصة أن قاعدته الشعبية في باكستان هم الشيعة الذين يمثلون خمس السكان. وفي السياق نفسه اتسم التعاون في مكافحة الإرهاب بالمد والجزر خاصة أن كلا البلدين عانى من خطر «القاعدة» إلا أن عناصر قوية في داخل البلدين دعمت أسامة بن لادن زعيم التنظيم الذي قتل في أبوت أباد عام 2011. وفي بعض الأحيان تعبر إسلام أباد عن غضب من دعم السعودية لبعض الجماعات المتشددة وذات النبرة الطائفية. ويرى الكاتب أن العلاقات بين البلدين لن تتحسن أكثر أو تسوء عما عليه الآن. ونعود للسؤال الأول، لماذا لا تساعد باكستان السعوديين في الحصول على السلاح النووي وتدعم حملتهم في اليمن.
وفي المقابل ماذا يحصل السعوديون من كل ما يقدمونه للباكستانيين؟ الجواب على هذه الأسئلة هي طاولة القمار، الممنوعة في السعودية وباكستان وهي لعبة تقوم على الحظ، ومع ذلك تعرف كل من الحكومتين أهمية الإبقاء على ورقة رابحة على الطاولة.

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية