في العلاقة بين التجربة والمعرفة… هل كان الإنكليزي لورنس كاتباً انجيلياً؟

حجم الخط
0

هل ديفيد هربرت لورنس كاتب إنجيلي؟ هل لديه تلك المعرفة الإيمانية، تلك الألفة المادية المتجسدة بالكتاب المقدس، بالمعنى الذي أصر عليه سبورجيون؟ كما نعلم، اعترف لورنس مرارا وتكرارا، وأحيانا كان يسعده ذلك، أحيانا أخرى بشيء من اليأس الدفين، بالتأثير العميق للكتاب المقدس وحضوره في وعيه وضميره الفردي.
كان سعيدا ويائسا في مقالته المتأخرة التي استقبلها القراء بترحاب شديد وعنوانها «الأناشيد في حياة الإنسان». اهتمت المقالة بالعودة المشروطة لتجارب وذكريات الطفولة والشباب، ولا سيما أمسية من آب/أغسطس عام 1928 في كيسيلمات قرب جيستيغ، حيث أنفقها بغناء الأناشيد مع آل بروستير، ومع شقيقته الأكبر منه إميلي وابنتها مارغريت. في الصباح التالي كان لورنس مرهقا وانتظر في السرير، وفيه كتب مسودة «الأناشيد في حياة الإنسان». يقوم الموضوع الظاهر لهذه المقالة القصيرة على تجربة شخصية في الترنيمات وغناء الأنشودات، ثم يستطرد إلى تأملات عن الأغاني التي كان يحبها أشد الحب وتلك التي يبغضها ويمقتها منذ أيام الطفولة.
ولكن كما هو الحال دائما مع لورنس، حينما بدأ يكتشف طريقه إلى أسلوب موضوعه، بدأت اهتمامات أخرى بالظهور.
«الأناشيد في حياة الإنسان» تكسر ارتباطات وقيود مادة موضوعها الأساسي وتتحول إلى تأملات ليس في ذكرياته فقط عن الأنشودات والأغاني ولكن أيضا عن تربيته الدينية، والطريقة التي تبدلت بها منطقة مسقط رأسه، وماذا يعني ذلك بالنسبة لرجل إنكليزي في إنكلترا وبالنسبة لرجل إنكليزي في العالم الأوسع. وفي الوقت نفسه تسبر المقالة العلاقة بين التجربة والمعرفة في نتاج المخيلة البشرية، وكيف تتم تغذية وإذكاء الذاكرة والوعي أو الضمير، وعلى أي مستوى وبأي درجة من الديمومة والاستمرار.
الأناشيد تمثل عند لورنس تجربة أساسية في اللسانيات والتخيل، تجربة سبقت ومهدت لثقافته الرسمية في اللغة والشعر. بعكس «الشعر الأنقى الذي يمنحنا الشكل النهائي في حياتنا.. [ و] … يتطور في أعماق ضمير المرء، ويضع الابتهالات الإصلاحية التي نفذت في خلاصة جوهر وأعماق طفولتي». مثل هذه الأناشيد والأغاني «كل منها حمامة لطيفة»، وجوقتها تترنم قائلة : «أيها الجليل/أيها الجليل والجميل/ الذي أغرم به يسوع وأراد أن يعيش/ أيها الجليل! الجليل والجميل/ تعال وأنشد أغنيتك من أجلي!». بالنسبة للورنس، هذه الأغنية تمثل تجربة «غير ملموسة» على الدوام وهي في وعيه العميق بعيدة عن متناوله، ودلالتها توجد في صوت كلمة «الجليل».
إن الانتباه الذي يسبق مرحلة التثقيف والتعلم، الذي ينتبه لموسيقى هذه الكلمة هو ناجز ويكتفي بذاته: ولا ينتابه الشعور بالإجبار لاختبار هذه الكلمة بسلم معايير المعرفة – أن تذهب إلى الأرض المقدسة وتزور الجليل وترى هل الأوضاع ترقى لمستوى «هذا الصوت المدهش». في الواقع، أن تفعل ذلك هو تصرف إنتاجي، مثمر، ويطبع كلا من الكلمة والسياق التخييلي بطابع الجليل، وهذا يتضمن ما يسميه لورنس «التبلور.. والتحقق …[و] … التشكل في نطاق تداول المعلومات الشائعة والمشتركة».
وهو يفضل أن يحتفظ بالجليل «في الضباب الذهبي لخيال نصف متبلور هو خيال الطفولة». وطوال استمراريته هناك، يكون غير مستقر، ولا متشكل ولا متبلور، ويحتفظ بسيولته وكمونه، بشكل موضوع لتكهنات خيالية.
ولاحقا في المقالة نفسها، يذكر لورنس الجليل مجددا، وفي هذه المرة بسياق الكتاب المقدس، يقول: أعتقد أنه كان من حسن حظي أن تربيتي بروتستانتية؛ لقد ترعرعت بين البروتستانتيين، إصلاحيا، وبين الإصلاحيين، كنت بروتستانتيا. وهذا له نبرة فيريزية 1. ولكنني فقدت، يا للمرارة، المعرفة المباشرة بالكتاب المقدس؛ والعلاقة المباشرة والملموسة بالجليل وأرض كنعان، ومؤاب وكيدرون، تلك الأماكن التي لا وجود لها على الأرض.
في هذه الفقرة الفاتنة، يعرّف لورنس بدقة طبيعة إرثه الديني: بروتستانتي، غير نصي، وإصلاحي. الإصلاحيون يمكنهم الإدعاء أنهم منحدرون من الأصول، فقد افترقوا عام 1662 عن الكنيسة الإنكليزية وأسسوا طريقة للعبادة وحكومة كنسية وضعت سلطتها في أيدي أعضاء كل كنيسة على حدة. إنهم شعب الكتاب، يضعون كل ثقتهم ليس في معارف أعضائهم فحسب عن الإنجيل، ولكن في الإحساس بالمسؤولية عن سلامة أرواحهم ذاتها وعلاقاتهم مع الرب؛ وبكلمات أخرى، ينظرون لكل المؤمنين على أنهم قسس ورجال دين.
لقد تطوروا من الحركة البيوريتانية وكانوا أول من عرف باسم المستقلين، ودعموا كرومويل خلال الحرب الأهلية وعصر المحمية. خذ السيدة موريل على سبيل المثال فهي «تنحدر من عائلة بورجوازية قديمة، ومن مستقلين مشهورين قاتلوا مع العقيد هتشنسون ومع ذلك استمروا بروتستانتيين أتقياء»؛ ويذكر لورنس في «الأناشيد في حياة الإنسان» بشيء من الاعتزاز أن البروتستانتيين «هم أقدم الإصلاحيين، المتحدرين من مستقلين لهم علاقة بأوليفر كرومويل».
في الجملة الثالثة من هذا المقطع من «الأناشيد في حياة الإنسان» يفكر لورنس بالإرث الإنجيلي الذي تلقاه من تربيته البروتستانتية، فهو في انتسابه للمستقلين، يختلف مع التقاليد التي شكلت خبراته المبكرة السابقة عن الدين، وبالضرورة اهتم بأولوية الكتاب المقدس. إن معرفته به «مباشرة» وبلا وسيط، كما هو الحال في معرفته بالجليل وسواه من الأمكنة التي ذكرها. على أي حال، «المعرفة» هي من نوع خيالي تماما: هو «يعرف» كنعان أو مؤاب، أو كيدرون كما لو أنه «يعرف» أنها مكان أو شخص في ثنايا رواية. وهذا النوع من المعرفة كان، بالنسبة للورنس، مكثفا وماديا بشكل ملحوظ: في شبابه قام لورنس بإخبار جيسي شامبيرز أن أغصان شجرة الزان تذكره بذراعي ماغي توليفير. وبالطريقة نفسها، هذه الإشارة المتكررة والمنتظمة لنص مفرد، هي عند لورنس كما ذكر تيري رايت، تقدم خزانا من الاستعارات والرموز والمفردات وإيقاعا يضاف إلى نثره الذي لا يخذله أبدا. على أي حال، في مناسبة أخرى، قلل لورنس من شأن التأثير العميق للكتاب المقدس على ذهنه وقال: .. من السنوات المبكرة وحتى أيام الرجولة والنضج، مثل أي طفل إصلاحي آخر كان الإنجيل ينسكب يوميا في ضميري المستسلم له، حتى وصلت إلى نقطة الإشباع.
وقبل أن يعتقد المرء أو حتى قبل أن يفهم بشكل عام وغامض، إن هذه «الآيات والسُوَر» من الكتاب المقدس تعلقت بالذهن واللاوعي وخيمت عليهما، حتى تشربها، وتحولت لمنابع تؤثر بكل سيرورة العواطف والأفكار، ولذلك، مع أنني، اليوم، نسيت «إنجيلي»، يتوجب عليّ أن أقرأ مقطعا فقط لأستوعب أنني «أعرفـ»ـه تقريبا كما لو أنه عقدة تثبيت مهيمنة تشبه الغيبوبة. وعليّ أن أعترف، كانت أول ردة فعل لي، تتسم بالتحسس، والرفض، ولدرجة البغض. إن غريزتي اللاواعية قللت من شأن الكتاب المقدس.
كانت هذه المقتطفات من «القيامة»، وقد كتبها لورنس بين 1929- 1930، بعد ثمانية عشر شهرا تقريبا من نشر «الأناشيد في حياة الإنسان». وكما تلاحظ اللغة هنا مختلفة تماما عن لغة مقالته المكتوبة عام 1928. «فالضباب الذهبي» لخيال الطفل، كان مسرورا لاستلام الانطباعات المسموح لها بالتطور بطريقتها الخاصة، وبسرعتها الخاصة، ثم الاحتفاظ بها. ولكنها لاحقا تلاشت واستبدلت بصورة من لاوعي وضمير الطفل وكأنها موضوع يائس ونفوذ وفيه كان الإنجيل «ينسكب» حتى دخل في طور»الإشباع»، أو أنه «خيم» عليه حتى تم «التشرب به» لدرجة «الغمر».
هذا النوع من الالتحام التدريجي والتفهم للنص الإنجيلي ذهب بلا جدوى؛ والإنجيل اليوم يبدو له بصورة الغمر المفاجئ أو الفيض الروحي قصير الأجل. وبمعنى من المعاني، هذه التعابير سلبية جدا وهي تعبر عما تقول عنه مقالة لورنس إنه «مترسب عميقا في وعي الإنسان» أو «أنه ينفذ عميقا». إن الاستحمام بكلمة الرب شيء: وأن يلقيه أحد فوقك، ويندلق مثل الماء من آنية، هو شيء آخر.
والفقرتان لهما صورة مشتركة، و»عقدة التثبيت» التي يعتقد لورنس أنه يعاني منها ترد في سياقات محددة، وهي التي تأخذ حيثياتها من مدرسة يوم الأحد ومقاعد الكنيسة، وهو الذي يمكن الإحالة إليه بالتبلور أو التشكل في المنطقة المشتركة، التي نجمت عن المعرفة بالجليل الحقيقي. وعليه هو لا يهتم بما قد يعلمه الإنجيل أو يسمح لنا أن نعرفه بأي طريقة تقليدية. برأيه، هذا مصدر مفيد ومؤثر يغذي التخيلات والصور، والمتعة الحقيقية للكتاب المقدس، كما يقول لورنس توجد في قراءته مرة بعد مرة، ودائما أنت تجده مختلفا، ويفتح الطريق لمعنى آخر، ومستوى آخر من المعاني.
والفيريزي عضو في جماعة يهودية تؤمن بتداول التعليمات الشفاهية بالإضافة لنص التوراة.

بيتر بريستون المدير المعاون السابق لمركز بحوث لورنس في جامعة نوتنغهام. والمقالة مقتطفات من محاضرة ألقاها في كلية التربية. وحصل المترجم على نسخة من المحاضر قبل وفاته.

بيتر بريستون ـ ترجمة: صالح الرزوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية