باسل أبو حمدة قبل أوانه وربما بوقت طويل، بدأ الحديث مشوشا وضبابيا وموتورا في آن عن ضرورات مفترضة لإعادة هيكلة التشكيلات السياسية ونظيراتها العسكرية التي أعقبت إنطلاقة شرارة الثورة السورية المعاصرة في مشهد عنوانه الرئيسي التخبط والبحث عن موطئ قدم متوهمة في سورية الجديدة القادمة على جناح صرخات وجراحات الناس المدوية في الشارع السوري المطالبة باسقاط نظام استبدادي لم يعرف التاريخ البشري مثيلا لطغيانه، فمنذ البداية، أقسمت تلك التشكيلات يمين الطلاق بينها وبين مكونات الحراك الثوري الميداني، الذي يعود الفضل له وله وحده في هذه الانطلاقة المباركة والتي راحت أحزاب وتنظيمات وتجمعات ومجالس سورية معارضة تحاول قطف ثمار منجزها الثوري مبكرا بغير وجه حق بعيدا عن فهم حقيقة ما يجري من صراع وجود بين نظام أقسم على البقاء إلى الأبد أو تحرق البلد، وبين شعب أقسم على نيل حريته المسلوبة واستعادة كرامته المهانة عبر التخلص من عبودية دامت طويلا لنظام الطاغية. على الرغم من الهالة الصفراء التي تلف وجوه مجموعة لا يستهان بها من دعاة ‘الثورية البراغماتية’ المنادين بتزاوج المصالح العامة مع الخاصة في أحسن الأحوال، حيث تحجب الثانية الأولى وتطغى عليها في حالات كثيرة باتت معروفة في المشهد السوري المتحرك، إلا أن الحديث هنا لا يدور حول هذا الجانب، على خطورته، وإنما حول قراءات معوجة لصيرورة الحدث السوري، وكذلك حول ضرورة ضبط مجموعة من المصطلحات التي ولدت من رحم الثورة وعلى رأسها مصطلح إعادة الهيكلة، الذي بات يتردد على كل لسان، ذلك لأن إعادة الهيكلة تعقب منطقيا الهيكلة ذاتها، فمن دون هيكلة لما مكان للحديث عن إعادة هيكلة على قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه، وبما أن الهيكل الأساسي الجامع للحراك الثوري في سورية لم تظهر ملامحه بعد، بدليل ما أتفق على تسميته ‘تشرذم’ المعارضة السورية، فإن عملية ضبط المصطلحات، وهي عملية ثورية بذاتها لا تقل أهمية عن أي عنصر ثوري آخر،تتطلب أن يطلق على تشكيل سياسي معارض هنا وأفول نجم آخر هناك وولادة آخر ميتا مصطلح التشكل أو قيد التشكيل أو مرحلة جنينية لا تعكس بالضرورة، وخاصة في الحالة السورية، مخاض الولادة الحقيقية لقوى التغيير في سورية المنتفضة على الطاغية. في معرض محاولة استجلاء حقيقة ظاهرة التسرع والاستعجال في إطلاق تسميات كبيرة خادعة على مجمل التشكيلات السياسية التي تساوقت مع المنجز الثوري على الأرض السورية ولم تنخرط فيها تماما، لا يتراءى في الأفق السياسي والفكري والنظري سوى عنوان عريض واحد ربما تتفرع منه عناوين كثيرة أخرى أهمها ما تناولناه في مناسبات أخرى حول آفة القراءات المغلوطة لمشهد التغيير في سورية وفي الربيع العربي عموما، فمن لا يدرك أن المنطقة تمر بتغييرات طويلة الأجل، لن يدرك بالضرورة أن ذلك يتطلب أدوات تغيير تتمتع بالقدر نفسه من طول المدى أيضا، بينما تشي الخارطة السياسية لقوى المعارضة السورية، بأن أي منها لم يرق بعد إلى مستوى هذا النمط الاستراتيجي من التغيير، فقوى الحراك الثوري الشبابية العاملة في الميدان تحتاج في نهاية المطاف إلى مظلة سياسية قادرة على أن تعكس مصالحها وأن تسمع صوتها وأن توصلها بمطالبها إلى بر الأمان، بينما تبدو القوى والأحزاب السياسية الحديثة منها والمخضرمة عاجزة عن تشكيل تلك المظلة أو أنها لا تريد ذلك لا لشيء إلا لأنها عاجزة في الأصل عن قراءة ما يدور في خلد فئة الشباب الذين يشكلون، بلا منازع، وقود الثورة السورية ومحركها ومآلها الأخير. إذا تجاوزنا آفة الطابع النخبوي لتلك التشكيلات، التي استمرأت رفع شعارات مطاطة وفضفاضة عاجزة عن ملامسة هموم الناس وتطلعاتهم حتى ظن بعضها أو كلها أن مجرد عودة بعض الأشخاص إلى أرض الصراع، على أهميتها، كافية لتأكيد تواصلها مع الحراك الثوري الميداني، وإذا افترضنا أن إطلاق مصطلح إعادة الهيكلة على الحراك السياسي، الذي يسبق عادة انعقاد إجتماع هنا ومؤتمر هناك، ونحن على أبواب انعقاد مؤتمر لاعادة هيكلة المجلس الوطني السوري في قطر خلال شهر أكتوبر الجاري، هو من باب الهفوات النظرية وعدم توخي الدقة، فإننا نذكر أن أي هيكلة أو إعادة هيكلة سياسية تربط أولا وأخيرا بالمنجز الكفاحي المتحقق على الأرض وكذلك بقوى التغيير، التي تمكنت بتضحياتها من تحقيق هذا المنجز، الأمر الذي يبدو معدوما أو شبه معدوم في العلاقة بين التشكيل السياسي ‘الأبرز’ متمثلا بالمجلس الوطني السوري وبين نبض الحراك الثوري الشبابي، الذي يرى فجوة كبيرة بينه وبين مجموع المخضرمين من الثوريين السوريين، ويأخذ عليهم أنهم أصبحوا على شاكلة نظام طاغية تمكنوا من معايشته طوال أربعة عقود ونيف. المعادلة واضحة ولا لبس فيها، فعندما كان مناضل شاب مثل خالد صلاح يخرج على رأس مظاهرات حمص ويمد وسائل الاعلام بأخبار الميدان من الميدان ويساعد الناس فيه وينشط في كل صغيرة وكبيرة هناك، سطع نجمه وسطع معه نجم الحالة الثورية في حمص، مشكلا وسيلة ناجحة تتمتع بمصداقية رفيعة لايصال أنات الحمصيين والسوريين إلى العالم، وعندما اضطر إلى الخروج مصابا من أرض الوطن، حاولت بعض القوى أن تجعل منه ايقونة ثورية لا بأس من التقاط الصور معها، أي أن هذه القوى تدرك تماما أن مستقبل سورية مرهونا أولا وأخيرا بمجريات الأحداث على الأرض وبرافعة هذه الأحداث المتمثلة بفئة الشباب تحديدا، لكنها تعجز ،في الوقت نفسه، عن استشعار نبضها ورؤية ملامح فكرها، فضلا عن أنها عاجزة عن ‘ بق البحصة’ الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها ووضع الحصان أمام العربة بعد أن أبقت هذه المعادلة معكوسة، بشكل كارثي، طوال الفترة الماضية من عمر الثورة. الواضح أيضا أن العملية السياسية في سورية لا تزال في مرحلة جنينية لم تتضح معالمها النهائية بعد، لكن إن أريد لها أن تصل إلى نهاياتها المنشودة، التي تكفل ألا تذهب تضحيات الناس أدراج الرياح، فإنها يجب ألا ترهن نفسها لأمزجة دعاة إعادة الهيكلة وأهوائهم في مرحلة الهيكلة والتأسيس هذه، بــــل يجب أن ترتــبط بالمتطلبات الحقيقية للمرحلة الحالية التي تمر بها الثورة السورية والتي نعتقد أنه سيليها مرحلة أو مرحلتين آخرتين قبل البدء بالحديث عن إمكانية حقيقية لاسقاط نظام الطاغية والبدء بمرحلة بناء سورية الجديدة، حيث يتعين على القوى السياسية للمعارضة السورية أن تجلس مع نفسها قبل أن تتموضع أماما عدسات الكاميرات وتمعن النظر في مسيرة كفاحية تتبدى طويلة وتجيب على سؤال محوري يفصل بين لحظة راهنة لا يزال يبدو فيها النظام السوري شديد البأس في بطشه وتدميره الممنهج لسورية وبين مرحلة اسقاطه، مع الأخذ في الاعتبار أن المسألة هنا لا تقاس بالزمن مثلما لم تعد تقاس بأعداد متزايدة من ضحايا آلة قمع نظام الطاغية، وإنما بمدى القدرة على قراءة الحالة بمرتها بشكل واقعي والتفكير في كل جزئية فيها وتسكينها في ما يناسبها من مراحل متعددة تنظر الثورة السورية في مسيرتها المظفرة. ‘ كاتب فلسطيني