العيون ـ المغرب ـ من محمد شيكي: نظمت جمعية النجاح للتنمية الاجتماعية في مدينة العيون المغربية «ملتقى عيون الأدب العربي» في دورة سادسة حملت اسم «الشيخ سيدي أحمد بوغمبور»، دعت إليها عددا من الباحثين والأدباء والشعراء من ستة أقطار عربية. وتمحور موضوع الدورة حول شعار مركزي «أدب الواحة تراث ثقافي لا مادي»، تمت مقاربته من خلال تخصيص مجموعة من الندوات الفكرية والعلمية.
أكد المشاركون في الندوة أنه لا ينبغي أن يُنظر إلى الصحراء كمجرد فضاء جاف وعار أو أرض موات لا حياه فيها؛ فأدبها ينبض ولا يزال بالحياة والخصوبة المتنوعة، ويكرس خصوصيات ثقافية وثيمات وملامح محلية، تثبت أن الأديب في الصحراء قارئ بامتياز لبيئة الواحة ومجالها، بل أن هذا الأديب نفسه علامة شاهدة على خصوبة الواحة وإشراقاتها.
وأبانت مداخلات الندوات العلمية أن الأدب ينظر إلى هذه الواحات على أنها رمز للحياة والماء وراحة البال. وظلت على الدوام تتميز بخاصيات ثقافية ضمنت لها الاستقرار في محيط صحراوي متموج ومتحرك باستمرار، نظرا لأن العوامل الطبيعية والظروف الجغرافية للواحات تلعب دورا مهما في تشكيل حياة الناس والتأثير على أفكارهم. راهن الملتقى على إبراز الأدب المكتوب في الواحة، مؤكدا على خصوصياته، باعتباره تراثا إنسانيا لا ماديا، لم ينل حظه من العناية والدرس والاهتمام، لذلك كان الإصرار على تنويع المداخلات وتعددها، حيث كانت المادة العلمية التي أثرى بها الباحثون ندوات النقاش غزيرة ومتنوعة، لكنها تقاطعت كلها في الدعوة إلى العمل على صيانة وحفظ الأدب المكتوب في الصحراء، من خلال الاطلاع على تجارب الدول العربية الأخرى. وبهذا الخصوص، تحدث منير الركي من تونس عن تجليات أدب الواحة في شعر كتابها ومبدعيها، معتمدا على نماذج منها، بينما أثار محمد أزلماط من المغرب سؤال الخصوصية والتنوع في الثقافة الشعرية في الواحات الصحراوية. كما تحدث الباحث المغربي سيداتي بوغمبور والباحث الموريتاني أحمد حاروت عن الأدب باعتباره أساسا للتنمية المستدامة داخل الواحات انطلاقا من الأدوار التي تؤديها نماذج من هذا الادب كأدب «الكيطنة» مثلا. وتناول الباحث والأستاذ الجامعي المغربي مولاي أحمد الكامون موضوع الواحة كفضاء روحي في الآداب الغربية، فيما كانت ورقة الخبير اللغوي إسماعيل هموني شهادة حية ودالة على ارتباط الأديب بواحته ورؤيته إليها، حيث قدم نوستالجيا مؤثرة عن علاقته بواحة «تيغمرت» مسقط رأسه عنونها بـ»الصعود إلى التفاح» أبهرت الحاضرين بعمقها وبلاغتها وصدقها الفني ورمزيتها الجمالية التي لامست عمق الشعار في بعده الدلالي.
في الجلسة العلمية الثانية، قدم محمد الإمام ماء العينين عرضا مركزا حول سبل تثمين التراث الثقافي اللامادي في المغرب، بينما تناولت مداخلة سليمان القرشي الباحث المغربي الرصين علاقات العلامة الكبير ماء العينين بواحات أدرار في أواخر القرن19. وخلال الندوة العلمية الثالثة، انصبت مداخلتان على إبراز دور الزوايا بالواحات الجنوبية وحجم إسهامها في تأثيث الأبعاد الروحية في الإبداع الواحاتي، من خلال نموذج زاوية أهل الزريبة التي بحثت فيها الزهرة فعراس من مدينة بوجدور، ومداخلة الأستاذ مصطفى حاضية في موضوع الزوايا وعلاقتها بالتصوف انطلاقا من نموذج زاوية «سيدي أحمد بوغمبور» الذي تحمل الدورة اسمه.
ولم تغفل هذه الندوة العلمية أيضا استحضار مظاهر الفرجة، في واحات الجنوب وسماتها المؤثرة على الحياة الاجتماعية في المجتمع الحساني، من خلال مداخلتي الأستاذ أحمد مولود ولد إيدة الله من موريتانيا وأسامة خضراوي من المغرب.
حضر الشعر في برنامج الدورة والتمعتْ حناجر الشعراء وصدحت في فضاء قاعة المؤتمرات، وأترعت ضيوف العيون والجمهور الذي واكب أعمال الملتقى بمشاركة ثلة من الشعراء العرب (حيدر جعفر من العراق، مصطفى المعطاوي ومحمد شيكي من المغرب، بغداد سايح وأحمد بوكلوة من الجزائر، ومنير الركي ومعز جعفر من تونس وأسماء محلية أخرى…) وكان فضاء قصر المؤتمرات بالعيون شهد خلال فعاليات هذه الدورة تكريم أسماء تحظى بحضور وازن في المشهد الثقافي والأدبي والبحث العلمي، حيث تم تكريم إدريس الناقوري وسيد أحمد ساريد والشاعر أبا محمد ارويجل، في جو احتفالي بهيج تقديرا وإكراما لإسهاماتهم الفكرية والنقدية والإبداعية. إلى جانب توقيع خمسة إصدارات جديدة تمثلت في كتاب «الصحراء وسوس العلاقات والامتداد» الذي يضم توثيقا جميلا عن أعمال النسخة الخامسة لملتقى عيون الأدب العربي، وكتاب «المجتمع الصحراوي ومسألة تدبير الماء في منطقة بوجدور قبيلة أولاد تيدرارين نموذجا» لزهرة فعراس، ثم ديوان «حفيف الصنوبر» للشاعر مصطفى المعطاوي.
وعلى إيقاع التسيير المقتدر للحظات مواد الملتقى الذي قاده باقتدار اسماعيل هموني ومحمد قرقزان والأساتذة: خونا ماء العينين رئيس جمعية النجاح ومحمد سالم لكهل والحبيب عيديد؛ اختتمت الدورة أعمالها على إيقاعات الموسيقى الحسانية ورقصاتها المتميزة، في ليلة صحراوية باذخة تشهد على غنى وتنوع موروثنا الثقافي الفني في صحراء وطننا العزيز، كما تشهد على نجاح الدورة السادسة لملتقى عيون الشعر العربي نجاحا عجّل بالمنظمين إلى الإعلان عن موعد الدورة السابعة زمنا وموضوعا وإصرارا على دورة أخرى ترقى بطموح جمعية النجاح الى آفاق البحث في التراث اللامادي ومميزاته في صحراء المملكة المغربية.