عناية جابرإذا كنت مثلي، عزيزي القارئ، مهووس بالنتائج وعلاقتها بالمقدمات، فإنك مثلي تعشق الجردات. والجردات هي التوقف لحظة بين الأحداث المتلاحقة للتساؤل حول ما وصلنا إليه بناء على ما توقعناه في البداية أو على ما رسمناه كأهداف. والجردة تكون في الأشياء البسيطة كما في الأشياء العظيمة، تصبح لدى المرء عادة أو منهجا في الحياة يميزنا عن الذي يسير فقط، غير مبال إلى أين أو أين وصل بالنسبة للهدف المحدد أساسا. الجردة منهج يعتمده الأفراد في حياتهم الخاصة وكذلك المجموعات والشعوب أيضا في حياتهم العامة.كلنا في هذه الحياة نحلم بأهداف معينة ونسعى لتحقيق أحلامنا عبر وضع خطط وأساليب تسهل علينا تحقيقها بأقل الأكلاف الممكنة، إذا أمكن. وغالبا ما يكون الحلم هدفا قابلا للتحقيق أي من النوع الواقعي. وفي الغالب الأعم وفيما يخص الشعوب فإن الحلم والأهداف يكونون من النوع الواقعي لأنهم يرتكزون إلى حاجات ملحة تثير هي الحلم بإيجاد حل لها.في جردة أولية لواقعنا العربي اليوم بعد عام ونصف على انطلاق الانتفاضات العربية للشباب العربي الثائر كما ظهر من التحرك والأدبيات السياسية للأطراف كافة هل اقتربنا من تحقيق الأهداف المرجوة؟ وهل نحن، اقله، على طريق تحقيقها؟ وهل تتطابق الأهداف مع النتائج المسجلة؟ قيل الكثير طبعا عن الربيع العربي الأعمى والعفوي والعاطفي. قيل الكثير عن آثار الاستبداد الطويل على تغييب البدائل الفكرية والتنظيمية والسياسية. مع ذلك استطعنا أن نلمح عند ممثلي الربيع العربي مجموعة من الأهداف تتلخص بإسقاط النظام وإقامة نظام حر، وأحيانا ديمقراطي، ودولة مدنية، تمييزا لها عن الدولة العلمانية، ودولة نزيهة غير فاسدة.إذا تركنا المسألة السورية جانبا، نظرا للعنف الأهلي الذي يميزها حاليا، وتطرقنا إلى بقية الدول العربية التي توجت ثورتها حتى الان بانتخابات حرة وشفافة أوصلت الأكثرية الجديدة إلى سدة الحكم. ما هو وضعها اليوم؟ هل أدى إسقاط الأنظمة القمعية القديمة إلى تقريبنا من أهداف الثورة في الحرية والديمقراطية والنزاهة والمدنية ؟ نظرة سريعة على النتائج تعطي للأسف انطباعا مغايرا. ففي اليمن ‘تسوية’ بين القبائل، غير ديمقراطية طبعا، ولم تصل إلى بلورة قوى اجتماعية معاصرة من أنصار الدولة الحديثة، وهي تسوية ركيكة وهشة ولم تحسم مسألة. الاستقرار الأهلي لا في شمال اليمن ولا في جنوبه ولا في الوسط. وفي ليبيا أيضا، وبالرغم من إجراء انتخابات نزيهة، تمت ‘تسوية’ بين بعض القبائل حول قبيلة الوارفلّة في الوسط لبناء حكم ما يزال لا يتمتع بإجماع كافة القبائل المكونة لجهات ليبيا. الاستقرار الأمني على المحك هنا أيضا.والديمقراطية بقيت حرية الجماعة الأقوى عددا من الناحية القرابية لا حرية الأفراد المواطنين.أما في مصر فنتائج الانتخابات الحرة لم تؤدي إلى نتائج أفضل إذ تتوجت بنجاح حزب الإخوان المسلمين الذين يثيرون في شكل حكمهم ومضمونه أسئلة أكثر مما يعطون من أجوبة. المسألة الطائفية انفجرت من بابها الواسع مع الأقباط كما مع بقية الاتجاهات الإسلامية أيضا من تكفيريين وسلفيين وصوفيين. النسيج الاجتماعي الأكثر تماسكا وانسجاما في العالم العربي حتى الان بدأ يعطي الانطباع بأنه يتجه على طريق التفكك والصراع الأهلي بشكله الديني. أما اجتماع الرئيس مع الفنانين والمثقفين المصريين لتطمينهم ليس اجتماعا من النوع الذي يطمئن على الحريات الفكرية والإبداعية الحرة في مصر، خصوصا وانه انتهى بهجوم للشرطة على كتب شارع النبي دانيال في الإسكندرية .في سوريا الحرب الأهلية المدمرة المجنونة تتزايد الدعوات من هنا وهناك إلى عقد ‘طائف’ سوري بين العلويين والسنة والمسيحيين والأكراد تيمنا بالاتفاق السياسي ‘الناجح’ الذي عقدته الطوائف اللبنانية في تسعينات القرن الماضي في السعودية. بالمختصر نسير هنا أيضا وبخطى أكثر من ثابتة إلى نظام طوائفي محاصصي و’ديمقراطي توافقي’، كما يقال. يضاف إلى هذه اللائحة دولة العراق التي سبقت الجميع بعد لبنان طبعا إلى إقامة نظام حكم محاصصي طائفي وديمقراطية توافقية تثير، كما تبين، حروبا أهلية باردة أكثر ما تنجح في صياغة نسيج اجتماعي وطني موحد.وعلينا ألا ننسى أيضا تجربة الجزائر في أواخر القرن الماضي مع الانتخابات الديمقراطية التي انبثق عنها حرب أهلية لم تنته جروحها تماما بعد. أضف طبعا التجربة الانتخابية الفلسطينية التي انتهت إلى كارثة وطنية تمثلت بتقسيم نصف الشعب الفلسطيني الباقي إلى ربعين جديدين، واحد في الضفة وآخر في غزة، طبعا بعد ربع الشتات وربع الداخل.تجربتنا مع شعارات الديمقراطية والدولة المدنية في عالمنا العربي حسب النتائج مريعة وكارثية فإذا لم تقد إلى إشعال حروب أهلية حامية ومفتوحة فإنها تقود إلى ما يشبه الكانتونات المتصارعة على كل شيء، على الملك والجغرافيا والاقتصاد والثروات والثقافة والتوزيع والهوية. هذا طبعا إذا لم تقد فورا إلى تقسيم حقوقي للبلاد كما جرى في السودان وفلسطين. هكذا نتائج ألا تستدعي التوقف برهة واحدة والتساؤل حول أهمية الأهداف التي نطرحها على أنفسنا وحول مدى صحتها؟ هل هو تسرع من قبلنا في الحكم على النتائج؟ هل أن ما نراه اليوم عبارة عن ممر إجباري للخروج من الماضي؟ البعض يؤكد ذلك انطلاقا من قناعة راسخة بان دروب الديمقراطية متعرجة وطويلة. مع ذلك نتساءل هل يمكن بناء الديمقراطية في مجتمع فسيفسائي النسيج الاجتماعي، وقبل بناء الدولة ذاتها؟