تونس وكتابة التاريخ

حجم الخط
0

جلال العكاري كثر الحديث في المدة الأخيرة عن التاريخ التونسي وكتابته. لذا إنتهزت زيارتي الثانية إلى تونس بعد الثورة لكي أستمع لأناس كانوا شهود عيان على ما جرى من أحداث مؤسفة إنطلاقاً من الحقبة البورقيبية مروراً بمحرقة بن علي إلى إندلاع الثورة.الصراع في تونس لم يكن بين بورقيبة والشهيد صالح بن يوسف بل كانت هناك أطراف أخرى لابد أن تأخذ حقها كعلماء الزيتونة الذي فعل بهم بورقيبة ما فعل. نذكر منهم الشيخ المرحوم محمد صالح النيفر الذي جمعتني به جلسات خاصة في نهاية الثمانينيات، والذي شرفني أن جاء إلى بيتي بدار سويقي في رمضان وروى للحاضرين تلك الحقبة المظلمة التي عاشها الزيتونيون في الستينيات بعد إغلاق منارتهم العلمية مما جعل العديد منهم يصاب بالجنون إضافة إلى نفي البعض منهم مما جعل تلك الفترة لم تعرف سوى التصحر في ميدان التأليف بإستثناء بعض الوجوه المألوفة. وكان للشيخ النيفر صراع مرير مع الإستعمار الفرنسي من خلال المقاومة المسلحة والمقاومة العلمية، ولكن المتطفلين من المحسوبين زوراً على التاريخ لم يعطو للزيتونيين ولا للشيخ النيفر حقهم الإعلامي في تاريخ تونس، بل كان جزاؤه أن اختار المنفى صحبة إبنه إبراهيم بعد أن ضيق عليه بالبلاد، هل يعقل أن يجازى هذا الشيخ على دفاعه عن الوطن ضد فرنسا بهذا الأسلوب المشين وكنت زمن المنفى أول من شرع في كتابة فصل عن تاريخ هذا الشيخ وعن الزيتونة وقد اطلع الشيخ راشد الغنوشي على المقدمة التي كتبتها عن الشيخ في تسعينيات القرن الماضي زمن المنفى. وكان من جملة الحاضرين في تلك الجلسة الإخوة وزير الخارجية التونسي الحالي الرفيق عبدالسلام والمستشار السياسي للحكومة الحالية لطفي زيتون. وكان من المفترض أن اواصل الكتابة عن هذا المعلم الخالد، الشيخ النيفر لكن حالت دون ذلك ظروفا قاسية لا داعي لذكرها الآن. هذا، لا يعني أنني خصصت له ولبعض علماء الزيتونة بحثاً علمياً حول دورهم في الحداثة التي عرفتها تونس منذ بداية القرن التاسع عشر وكنت كثير التعريف بعلماء الزيتونة من خلال البرامج المباشرة من خلال الفضائيات حتى يعرف العالم أن منارة الزيتونة هي التي اخرجت إبن خلدون وشيخ الأزهر الخضر حسين ومحمد العربي الكبادي وشيخ مشايخ المذهب المالكي محمد الأخوة رحمه الله الذي حوصر وعومل بقسوة من قبل المخلوع جزار الشعب الفار من العدالة علما بأن الشيخ محمد الأخوة العدو اللدود للمخلوع من خلال خطب الجمعة ودروسه الليلية فجامع صاحب الطابع بالحلفاوين وجامع سيدي البشير، كانت تشهد بمكانة الشيخ في المجتمع التونسي لذا ضيق عليه فالتزم بيته إضافة إلى دروسه الصيفية بمنطقة المرسى هذه عينات صغيرة من تاريخ بعض ندوم الزيتونة الذين حاول النظام البورقيبي والنظام المخلوع من بعده أن يهمش دور الزيتونيين داخل الحركة الوطنية لكن هيهات هيهات والكل يتذكر ذلك الصراع الدموي الذي دار بين منظمة الطالب الزيتوني وجماعة حزب بورقيبة وراح ضحيته بعض شهداء الطلبة الزيتونيين من القرن الماضي. وهنا لابد أن أذكر فأشكر تلك المرأة الفاضلة التي لاقت ما لاقت من رجال بن علي، وكانت تكن كل الإحترام إلى الشيخ المرحوم محمد صالح النيفر والتي شجعتني على الكتابة في هذا الموضوع وهي تعيش ألآن بشمال المانيا ولقد أهديت لها نسخة عن حياة الشيخ النيفر التي ألفته إبنته أروى النيفر، وهنا أثني ما قاله رئيس الجمهورية السيد محمد منصف المرزوقي أنه لابد من فتح كل الملفات من فجر الإستقلال إلى يوم الثورة.المرأة وتاريخ تونسهذه النقطة جد حساسة لأن الكثير من الناس يظنون ان حرية المرأة التونسية جيئت من قبل بورقيبة ومجلة ألأحوال الشخصية، وهذا غير صحيح فالتاريخ عرفنا بفاطمة الفهرية وأختها من مدينة القيروان ضربا الأخماس في الأسداس وأسسا نهضة علمية ثقافية بمدينة فاس بالمغرب الأقصى. والغريب في ألأمر ان التاريخ التونسي كله إلا ما رحم ربي يجهل هذه النقطة.والسيدة عزيزة عثمانة جاءت قبل مجلة ألأحوال الشخصية ومعركة الزلاج في بداية القرن التاسع عشر ضد الإطاليين كانت بطلتها إمرأة ترتدي السفساري ألأبيض الزي التونسي التقليدي وكانت تحث الناس على الجهاد من أجل الدفاع عن تونس وتربيتها المقدسة.زوجة الشيخ المرحوم محمد صالح النيفر أسست جمعية خاصة بالنساء المسلمات في الثلاثينيات من القرن الماضي.نساء تونس عرفن الحداثة والإبداع في الشعر والشريعة واللغات الحية قبل ولادة الرئيس بورقيبة. ان المرأة التونسية لم تعرف الظلم والإقصاء السياسي إلا من خلال تدخل الغير في أمورها الشخصية كاللباس والمعتقد والكل يتذكر ما حدث مع السيدة هند شلبي إبنة نهج الباشا مع الرئيس بورقيبة في أحد النقاشات السياسية.علماً عندما طلبت من السيدة الممثلة المصرية عفاف شعيب من خلال أحد القنوات التلفازية على الهواء مباشرة في التسعينيات من القرن الماضي تكوين لجنة حقوقية دولية تشرف عليها الفنانات والممثلات المحجبات للدفاع عما تتعرض له محجبات تونس، فوافقت على هذه الفكرة، علماً وأني مازلت أحتفظ بتسجيل من هذه الحلقة.المرأة في تونس مثقفة بإمتياز مما جعل بعض العارفات بالثقافات واللغات الأخرى تسمي أختها بإسم الشاعر المبدع إقبال، هذه السيدة التي منعت من إرتداء الحجاب في تونس زمن محرقة بن علي للحريات العامة، تشغل ألآن منصبا مرموقا في إحدى أكبر الشركات الدولية في العالم. فالمرأة لم تجد من يقف إلى جنبها مما جعلها عرضة للإقصاء من الساحة وملاحقتها حتى في مورد رزقها ومنعها من الرقي العلمي، وسكان منطقة باب السويقة بقلب العاصمة يعرفون ما حدث للسيدة المحترمة أم أنيس من تتبعات إجرامية في أكثر من مركز أمني بسبب حجابها وتربيتها للجيل الصالح وهي التي كانت تحث نفسها على ما آلت له الأمور بجامع سبحان الله. هذا المسجد المبارك الذي كان منارة للإسلام منذ ثمانية قرون إلى بداية التسعينيات زمن باية تجفيف الينابيع. فالشيخ محمد الناصر والشيخ محمد الكلبوسي والشيخ محمد العربي الكبادي والشيخ إسماعيل التهامي المالكي والرجل الصالح سيدي مصطفى، هؤلاء الجبال الرواسي الذين حزنت لفراقهم الحاجة أم أنيس لابد للجيل الصاعد أن يعرف هذه اللمسات التاريخية الخالدة من خلال هذه ألأسماء التي لابد أن تكتب بأحرف من ذهب في سجل تاريخ تونس. فبلادنا لايمكن لها أن يكتب تاريخها بإسم فرد أو جماعة لقد إنتهى زمن نحت ألأصنام فالكل شارك في معركة التحرير ضد الإستعمار: علماء نقابيون سياسيون نساءأ ورجالاً، فالذي قدمهم جامع صاحب الطابع من شهداء هو ما قدمته مدينة قابس وبنزرت وغار دماء، فأم نبيل بنت منطقة القالالين ما قدمته من تضحيات هو نفسه ما قدمته أمهات المغتربين الفارين من جحيم بن على قبل الثورة وبطولة المرحوم المناضل عبدالمجيد غرس الله، إبن القالالين لاتختلف عن تضحيات أي مجاهد أخر ضد فرنسا. هذه الشخصيات المخلصة الوطنية الشريفة لابد أن يعاد لها الإعتبار، كفاها نسيان وتناسيا ومظلمة طيلة ستين عاماً، فالشهيد فرحات حشاد ومحمد البوعزيزي وحلمي المناعي وشهيد أحداث النقابة عام ثمانية وسبعون من القرن الماضي إبن نهج مارس، الذي تعبت أخته كثيراً من أجل حجابها هؤلاء جميعاً إضافة إلى كل شهداء تونس نساءً ورجالاً هؤلاء لابد أن نعرف قدرهم إضافة إلى شهداء الحرم الجامعي في التسعينيات، فيصل بركات وحمدة بن هنية وفتحي الخياري مروراً بشهداء الرقاب بسيدي أبوزيد ومنزل بوزيان شوقي الحيدري ومنال البوعلاقي وحسين ناجي. هذا المطلوب من الجميع أن يؤلف عليهم الكتب وأن يضع ممن بقى منهم على قيد الحياة في المناصب التي تخدم تونس ومستقبلها وأن يكرم بناتها المتفوقات بالخارج وأن يضعهم في ألأماكن التي تليق بهن فالسيدة المتواجدة بشمال المانيا وتريد أن تنشئ جمعية خيرية لمساعدة أيتام تونس هي التي لابد أن نعطيها منصبا في الحكومة عكس المخلوع بن علي الذي أسس هو ومخلوعته ليلى الطرابلسي عدة جمعيات ومؤسسات وهمية إستولى من خلالها على المليارات وأودعاها في البنوك العربية والغربية، وأخيراً أنا لاأقول كما قال مظفر نواب الشاعر العراقي:(وطني علمني أن أعرف التاريخ مزورا ما ان لم تلطخ بالدماء)ولكنني أقول تونس قلبها على العالم والعالم قلبه على حجر في إنتظار تسليم المخلوع من السعودية وإسترداد ألأموال المنهوبة وإعادة المكانة المرموقة لجامعة الزيتونة، وأخيراً ما قاله الشاعر الباكستاني المرحوم محمد إقبال:تكاد صرخة قلبي عند حنجرتي تشق من كتمها قلبي وتنطلقومن لم يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.. أبو القاسم الشابي، (من أغاني الحياة)..’ كاتب تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية