د. حسن عبد ربه المصري إختلف التوقع كثيراً بعد متابعة حديث الرئيس محمد مرسي مع التلفزيون المصري، ومن ثم تضاءل الأمل وخَفُت الحماس عند الغالبية لأنه أي الرئيس لم يتحدث عن خطة أو برنامج للنهضة أو حتى عن جدول زمني لمتابعة التطوير الجزئي لبرنامجه الإنتخابي وفق منهج شعبي لمحاسبة المقصرين في حق الشعب. وأزعم أن مطالبة بعض الأنصار والمؤيدين، على إمتداد الاسابيع الماضية منذ آلت إليه المسؤولية في 30 حزيران الماضي بضرورة منح ‘أول رئيس مصري منتخب’ الفرصة الكافية للتعرف على ‘الإحتياجات وترتيب الألويات’ أصبح غير ذي جدوى، لأن الرئيس قلب’ الحسبة العددية ‘ للمائة يوم الأولى من حكمه إلى ‘حسبة نوعية’ قد لا يتفق إثنان على مفردات تشكيلها مما يجعلنا نستعد لسماع إقتراح مدها إلى مائتين لكي تؤتي بثمارها.توقعت الغالبية أن يأتي الحديث مباشراً من عقل وتفكير الرئيس إلى عقولهم وتفكيرهم، ولكنه بُث اليهم مسجلاً .. وتوقعوا أن يجري الحوار حول ما يتحدث به الناس في شواع العاصمة ومدن الوطن الكبرى وفي داخل القرى والنجوع، ولكنهم إكتشفوا من البداية أن أسئلة الحوار لا تمت لما انتظروه بصلة. كلاهما ظهر حافظاً لما سيدلي به، المحاور والرئيس .. كلاهما أسلم صوته وصورته لعملية المونتاج، التي أعقبت التسجيل .. كلاهما ساهم في مضاعفة المسافة الفاصلة بين الرئيس وشعبه، فلا الاسئلة كانت في العمق ولا الإجابات جاءت شافية .. لم نسمع من الرئيس رؤية مستقبلية واضحة ومحددة، حول:أولاً .. مشروع النهضة التي إرتكزت عليه حملته الإنتخابية بعد أن آل إليه بالميراث من خيرت الشاطر .. كيف سيوضع موضع التنفيذ؟ كيف ستشارك فيه القوى الشعبية؟ هل سيُترك الإستثمار فيه لأصحاب رأس المال من كوادر جماعة الاخوان المسلمين؟ أم سيفتح الباب لرأس المال الوطني ان يساهم فيه على مستوى الخبرة والتمويل؟ ما هي المجالات التي سيهتم بها على المستوى الصناعي والزراعي والإنتاجي؟. كنا نتوقع أن يزيل الرئيس بكلمات قاطعة هالات الغموض التي أحاطت بالمشروع على أثر التصريحات التي جرت على لسان العديد من المتحدثين بأسم الجماعة من عينة:أن المشروع سيطرح على الشعب لكي يقول رأيه فيه. أن المشروع في دور التشكيل والبلورة.أن المشروع سيأخذ دوره في اولويات الإهتمام الرئاسي في الوقت المناسب. لا بد من إعادة تأهيل البنية التحتية لمصر لكي تتناسب مع إحتياجات المشروع.ويضيق الحيز عن أن نشير للعديد من هذه الأقاويل التي تركت صدمة وحسرة في نفوس الغالبية ممن توقعوا الخير العميم لمصر في ضوء ما لهجت به الألسن دعاية وترويجاً لهذا المشروع طوال أشهر الحملة الإنتخابية الرئاسية. ثانيا .. مستقبل تطوير الخدمة التعليمية بكل مشتملات منظومتها، لم يشر الرئيس إلى خطة أو مشــــروع برنامج احــيل للمختصين لدراسته .. لم يشر إلى خطوط عريضة تُحدد ملامح مستقبل ملايين الدارسين المنخرطين في دور التعليم من بداية السلم إلى أعلاه .. لم يتعرض حتى لخطة تطوير تغطي الثلاث سنوات القادمة، تقوم على تنويع النسق التعليمي الذي يوفر للسوق المحلية إحتياجاتها من اليد العاملة. كل ما ركز عليه الرئيس وكرره أكثر من مرة هو ما توفره الدولة لميزانية التعليم وما تقدمه القطاعات الأخرى في العام المالي الحالي، وإحتياجات الميزانية في العام القادم دون أن يحدد بشكل قريب من الواقع من أين ستأتي حكومة البلاد بهذه الزيادة المطلوبة، وهي بمليارات الجنيهات؟. ثالثاً .. مستقبل تحسين الخدمة العلاجية التي يعاني من تدهورها القطاع الأكبر من المواطنين الذين صوتت الغالبية العظمى منهم له في المرتين الأولى والثانية، بالرغم من أنه أشار في أكثر من مؤتمر جماهيري عقدته حملته الانتخابية على مستوى محافظات الوطن إلى فساد سياسات النظام السابق في هذا الميدان، وإلى ضرورة أن توفر الدولة للمواطن المصري البسيط وأسرته سبل العلاج المدعوم. وكنا نتوقع منه كبداية أن يبشرنا بنقل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في هذا القطاع إلى المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية وأن يعدنا بضخ بعض إستثمارات ‘الرأسماليين من كوادرها’ لتشغيل ما يسمى ‘بالعيادات الشعبية’ التي تقوم على خدمة المحتاجين للعلاج والرعاية بأقل نفقات وأن يعلن تكليفه لوزارة الصحة أن تُفعل رقابتها للمستشفيات التابعة لها بحيث يتوفر لمن يترددون عليها الحد المعقول من الخدمة التي هم في حاجة ماسة إليها والتي طالما إنتقدها هو على وجه التحديد خلال عضويته لمجلس الشعب في دورة عام 2005. رابعاً .. وخامساً .. وسادساً .. الخ .. لم يكن هناك حوار مثمر حول العشوائيات التي يقال ان سكانها بلغوا نحو 15 مليون نسمة، سواء منهم من هو ملتصق بعاصمة البلاد أو قريب من مدن الجمهورية الكبرى أو يستوطن الفضاء البيئي لعدد من محافظاتها. ولا كان هناك حوار حول المزارع المصري ومشاكله التي تتنوع من توزيع المياه ونوعية المحاصيل وسلفياته من البنوك وتسعيرة الحاصلات والتأمين المجدي على انتاجه الزراعي والحيواني، وحاجته الماسة إلى العون الإجتماعي . ولم نسمع حواراً حول الأمور الحياتية للمواطن المصري الذي يعاني الأمرين من إحتياجات ليست بخافية لا على الرئيس ولا على طاقم مستشاريه ولا أعضاء وزارته. أسعار حاجياته التي ترتفع كل صباح مستلزمات أسرته التي تختفي من الأسواق الأمن والأمان الذي أصبح لا يستشعره إلا فيما ندر تلال القمامة التى تضر ابلغ الضرر بصحة الشعب بكل فئاته انسداد فرص العمل، بسبب توقف المراكز عن الإنتاج وتراجع حجم الاستثمار فيما هم جديد وواعد تدني الأجور والعوائد المادية تضاعف أزمة الأسكان الأعطال التي يعاني منها بسبب الإضرابات والإعتصامات القلق الذي يسود يومه وليله بسبب التظاهرات فقدان الثقة في حلول فورية عاجلة او تدريجية متأنية لما يعيش فيه من ضبابية سياسية وإجتماعية طال أمدها تلاشي قدرته على الصبرتآكل إمكانياته على مواجهة الغد لم يكن هناك حوار .. ولم نسمع عن نية تشكيل لجنة أو لجان لتبادل الرأي وتدارس الحلول العاجلة ومتوسطة الأجل للمشاكل ‘المُستَنزفة لطاقات المجتمع’ والتي يكتفي من يتصدرون الصفوف اليوم بالإشارة إليها كـ’إرث’ تركه خلفه النظام السابق بعد أن نهب خيرات البلاد على إمتداد الثلاثين عاما دون أن يُجهدوا أنفسهم ‘وهم الأمناء على الثورة’ في إيجاد حلول غير تقليدية لها .. سيقول البعض أن مثل هذه الإنتقادات تعكس تسرعا في الحكم على الأشياء. وسيرى البعض الآخر أنها تشاؤمية أكثر مما يجب .. وسيميل فريق ثالث إلى تصنيفها ضمن خانة (الناقمون) على التيار السياسي الإسلامي بعامة وجماعة الإخوان المسلمين خاصة. وربما تفتح الباب على مصراعيه لفريق رابع وخامس وسادس .. الخ .. لكي يصفها بأنها لم تر سوى نصف الكوب الفارغ.والحقيقة غير ذلك تماماً .. فعلى قدر إحترامنا للظروف الداخلية والخارجية التي أحاطت بفوز الرئيس محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية في أول إنتخابات شعبية نزيهه وشفافية، فإننا عبرنا كما فعل غيرنا عن شعور الغالبية العظمى من المصريين الذين اصبح رئيساً لهم سواء الذين إختاروه أو الذين لم يختاروه. وعلى قدر معرفتنا بحجم العبء الذي على كاهله وثقل المسؤولية التي تسلمها، جاء عرضنا لإبعاد وإطار النظرة الشاملة التي كانت هذه الغالبية تتوقع ان تتعرف عليها وهي تستمع إلى الرئيس في حواره الأول مع تلفزيون الدولة.وعلى قدر متابعتنا اللصيقة لكلمات الرئيس محمد مرسي الجماهيرية منذ منتصف ايارالماضي وحتى تسلمه المسؤولية، وكذا خطاباته الرسمية بدءاً من يوم 30 حزيران، على قدر ما كنا ننتظر مع جموع الشعب أن يأتي حواره التلفزيوني هذا معبراً عن وضع أولويات عملية لمشكلات المواطن الرئيسية ومن ثم إستنباط خطط ومقترحات ليست إعتيادية لحلها، وتكليفات محددة للجهات التنفيذية للبدء فوراً في القيام بها، وتشكيل للجان شعبية مستقلة للمتابعة ولتقصي الحقائق بحيث تكون حكماً عدلاً بين الطرفين الجهاز التنفيذي والمواطنين، وتعُهد مُلزم بمحاسبة الفريق الرئاسي ومجلس الوزراء إن لم يعملوا كمجموعة واحدة متعاونة من أجل تنفيذ أجندة هذه الاولويات وتلك الخطط والإلتزام ببرامجها الزمنية. إننا لا نتعجل الأمور .. ولكننا ننظر إليها من نفس المنظار الذي أكد ان صندوق الإنتخاب أتى بالمرشح محمد مرسي رئيساً للجمورية لكي يحقق أهداف الثورة .. ونتساءل .. إذا كان أملنا قد خاب هذه المرة فهل ينبلج عن تحقيقه صبح قريب؟. ‘ استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا