بعد المعارك «حب وحرب ع السطح» بين جبل محسن وباب التبانة: «مارش» وبو رجيلي ينجحان في علاج الحقد عبر المسرح والتهديدات تنهال

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: بعد كثير من التحريض السياسي على التقاتل والذي أسفر عن مئات الضحايا بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة في طرابلس ـ شمالي لبنان، قدمت جمعية «مارش» عرضا مسرحيا يُحرّض على المواطنة. المفاجأة السارة أن الممثلين هم شباب وشابات من المنطقتين المنكوبتين اقتصادياً واجتماعياً. العرض الأول كان في طرابلس لمواطنين من المنطقتين، وعرض ثان في بيروت كانت مفاجأته حضور سياسيين عملوا لإذكاء نار الفتنة، وحشد من المهتمين. عرض مجاني ترك للجمهور حرية التبرع في صناديق وضعت على مداخل مسرح المدينة. والحصيلة تعود للممثلين العاطلين عن العمل.
عرض رائع، عصبه كوميدي، شكّل خلاله المخرج المفترض «خضر» حالة مميزة. هو شاب ديناميكي في حركته، عفوي في كلمته. أما النص الذي تمت حياكته من خلال تفاعل المخرج لوسيان بو رجيلي مع الشباب حاز صفة الإحتراف. سخر الشباب من منطقتيهما، ومن نواب لبنان، ووصفوهم بـ «128 حرامي» وبحضور بعضهم.
في ختام العرض وقف الممثلون على الخشبة متكاتفين، يسمعون ويرون التصفيق والترحيب الذي استمر لدقائق. فعلاً قدموا عملاً مميزاً بلغته وتقديمه.
ماذا يقول المخرج لوسيان بو رجيلي عن رحلته الناجحة مع هؤلاء الشباب؟

○ صاحب مسرحية «بتقطع أو ما بتقطع» يوقع اليوم مسرحية «حب وحرب ع السطح» مع شبان من التبانة وجبل محسن في طرابلس. كيف؟
• ثمة شبه بين المسرحيتين. «بتقطع أو ما بتقطع» مسرحية اجتماعية وبالتأكيد سياسية، لأنها تتناول موضوع الرقابة السياسية بامتياز. المسرحيتان معاً تهدفان للتغيير الإيجابي في المجتمع، وهذا ما نحتاجه. قد يكون الفن للفن وهذا ما أقوم به أحياناً. وإن ابتعدت عن المسرح الاجتماعي أشعر بأني لا أقوم بالمساهمة المطلوبة مني نحو المجتمع الذي أنتمي إليه، بحيث أكون عضواً فعّالاً. لا شك في أني ناشط اجتماعي في وطني، وكنت أتمنى لو أكون ناشطاً سياسياً، إنما هذا ممنوع في لبنان. فقد اخبرتني الزميلة خلود سكرية أن أياً من تلامذتها لا يصرّح برغبة العمل في الشأن العام. هم يعرفون سلفاً أن المواقع الكبرى في وطننا محتكرة لعدد من العائلات، وبخاصة المقاعد النيابية والوزارية. وهم بدورهم يورثونها لأبنائهم. ولأن الأفق مقفل أمامنا كشباب، فالسبيل الوحيد للتعبير عن الرأي عبر الفن، الصحافة، الغرافيتي أو التدوين.
○ ما الذي جذبك إلى «حب وحرب ع السطح»؟
• تهدف المسرحية لجمع شبان من التبانة وجبل محسن في مكان واحد. يلي ذلك البحث عن خلق ابداعي يعبر عن واقعهم. هو نشاط مسرحي اجتماعي يمكن تصنيفه في خانة الدراما العلاجية. ما توصلنا إليه مع هؤلاء الشبان، ليس دراما أو تراجيديا بل ينتمي للكوميديا. الأمور التي تتناقض بين هؤلاء الشبان كثيرة، لكنهم يجتمعون على الضحك والتسلية. الترفيه عن الذات أفضل من استعراض المآسي. ولنا أن نضحك على المآسي وفي الوقت عينه نتعلم منها.
○ الذين قتلوا المواطنين في الحرب الأهلية مازالوا يحكمونهم أليست هذه المسرحية في السياق نفسه حيث المصالحة الحقيقية لم تقم بعد؟
•  في أهمية المسرحية أنه خلال التحضير لها وتغطيتها اعلاميا بشكل واسع وخصوصا من الاعلام المرئي وظهور عناصرها على الشاشات فقد تلقوا وفي خلال عودتهم إلى منازلهم سيلاً من التهديدات. تلك التهديدات جاءت من المتضررين من المصالحة وهم قياديون في المنطقتين، وقد يكونوا سياسيين كذلك. هناك شك أن السياسيين ضغطوا على من كانوا قادة في حروب جبل محسن وباب التبانة، لتهديد الشباب المشاركين في المسرحية. ابلغوهم أن هذا الآخر الذي تلتقون به عدو. وذلك طبعاً بعد أن صرّح هؤلاء الشباب عبر شاشات التلفزيون بأنهم يلتقون كإخوة. قال المهددون بالحرف: «هيدا خيك؟ بدي فرجيك مين خيك». وهذا قليل من التهديدات التي ترافقت مع السُباب، وصولاً إلى التهديد بالقتل. في رأيي هذه المسرحية خطرة على من يرفض المصالحة، ولهذا كانت التهديدات. فهناك أشخاص يعيشون من عدم الوفاق. فقد كتب «ماكيافيلي» فرق تسد، وهذا ما يعمل به الكثير من السياسيين في وطننا. يعرف السياسيون المتضررون أن لقاء جبل محسن وباب التبانة معاً سيمكنهما من تحصيل حقوقهما. كما بإمكانهم الوصول إلى السلطة، وتالياً رمي من يبعدهم عن المصالحة. وبالتالي هم بذاتهم يجدون فرص عملهم، وأن تكون السلطة بيدهم، لا أن يكونوا أحجار شطرنج بيد من لهم مآرب غير وطنية. الشباب الذين تواصلنا معهم لتنفيذ العمل المسرحي باتوا في وعي تام بأن هناك من استعملهم. وبمجرد اكتشافهم للآخر تبدلت الصورة لديهم.
○ ألم تخفهم التهديدات؟
• قد تفاجئين بأن حبهم للمسرح، وللتعاون والعمل فيما بينهم، جعلهم يقولون لنا: نحن مستعدون للمتابعة رغم كل التهديدات. هؤلاء الشباب أحبوا وجودهم على خشبة المسرح. أحبوا الجمهور الذي رحب بهم. كان كل شيء جديدا. بالنسبة لي أنا مغروم بالمسرح ولهذا أعمل فيه. مشاعر مميزة جداً تنتاب كل من يقف على خشبة المسرح وأمام جمهور. تلك المشاعر التي أحسوا بها لم يكن سهلاً التخلّي عنها بسهولة. ربما هم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل هذا العمل المسرحي. وأنا بدوري مستعد للأمر نفسه.
○ هل أنت متأكد من قولك هذا؟
• أكيد. إن قال لي أحدهم أخيرك بين حياتك وعدم الصعود إلى المسرح، أكيد أفضل الموت. ليس لي ما أقوم به في هذه الحياة سوى المسرح. فحياتي هي المسرح.
○ وضعت هؤلاء الشباب أمام شغف المسرح فبعد لحظة النهاية ألن تصيبهم الصدمة؟
• للأمور بداية ونهاية. إنما نهاية العرض المسرحي لهؤلاء الشباب هي بداية جديدة، ثمة فرص ستفتح في حياتهم. وفي عرض بيروت حضر عدد من المخرجين والكتاب، من بينهم نادين لبكي وجورج خباز، وربما آخرون أيضاً.
○ هل سيختارون ممثلين من بينهم لأعمالهم؟
• هذا ممكن أكيد. وأنا كمخرج لي فيلم سينطلق تصويره خلال الصيف، وفي عملي معهم نوع من «كاستينغ» واخترت بعضهم. وأنا في بحث دائم عن نقاط القوة لدى كل منهم. من بينهم من يمتلك طاقة ليست بسيطة. شعرت أن الفرق بين هؤلاء الشباب وآخرين لديهم وضع اجتماعي مختلف، أنهم يمتلكون وضوحاً في مشاعرهم وأفكارهم. بينما نحن كأشخاص نتحفظ على مشاعرنا وأفكارنا. حتى أننا أحياناً نرتدي قناعاً. مجموعة الشباب من باب التبانة وجبل محسن لا يرتدون الـ»القناع». وهذه من أساسيات تكوين الممثل، فعليه خلع القناع تماماً، بهدف أن يراه الجمهور على حقيقته، ويتفاعل مع حقيقة مشاعره. هؤلاء الشباب لا يرتدون القناع في الحياة الأمر الذي سهّل لهم عدم ارتدائه على المسرح.
○ كيف تمّ اختيار الممثلين؟
• هم 16 ممثلا اختيروا من مجموع 70 لبوا دعوة جمعية «مارش» المنتجة للعرض. شبان وشابات لكل منهم صلة ما بالمعارك التي كانت تندلع بين المنطقتين. الفتيات لم يشاركن في المعارك، إنما لهن ضحايا سقطوا بفعلها، أو لهن آباء وإخوة شاركوا أو كانوا ضحايا.
○ كما هـو واضــح من بين المدعوين الرسـميـين من شــارك بتـمـويل أو تأجـيـج نار تلك المعارك أقله كلامياً. أليست مفارقة؟
• كل من لديه مِسلّة تحت إبطه «ستنعره». ومن سيتململ خجلاً في كرسيه فهو ليس من المرحبين بتصفية القلوب بين هؤلاء الشباب. وأظنهم سيتبرعون لهؤلاء الشباب في الصناديق الموزعة على مداخل المسرح. خاصة وأنها ذات زجاج شفاف والناس سترى السخاء. في الأساس ما يحدث على المسرح كاف وفي مشهد وحيد من ايصال الرسالة. بمجرد خروج الصورة إلى الإعلام جامعة بين شباب من منطقتين متقاتلتين لزمن طويل، فالرسالة ستصل. هي فكرة تتغير، ولم يعد ممكناً إيقاف الفكرة. تقول الفكرة بعدم وجود مشاكل بين شباب جبل محسن وباب التبانة، إن لم يكن التحريض كبيراً وممنهجاً لحصول تلك المشاكل.
○ ما هي أعمار هؤلاء الشباب؟
• تتراوح بين 16 و25 عاما.
○ جميعهم عاطل عن العمل؟
• نعم جميعهم.
○ هل بينهم تلامذة مدرسة؟
• البعض القليل. واثنان منهم لا يعرفان القراءة ولا الكتابة، وهما الأكبر من بين المجموعة التي قدّمت العرض المسرحي.
○ هل واجهتك مصاعب خلال التمارين؟
• أن يكون اثنان من الفريق لا يقرآن فهذه صعوبة تتمثل في حفظ الدور. الصعوبة الأخرى تمثلت في الإنضباط.
○ نسأل ليا بارودي رئيسة جمعية «مارش» والعضو المؤسس، لماذا تلك الجمعية في حين نعرف أن التعبير عسكري؟
• نعم «مارش» هي دعوة العسكر للسير نحو الأمام. وكذلك يمكن للمجموعة أياً كانت السير نحو الأمام. نحن نهدف من الاسم ومن الجمعية العمل معاً للسير نحو مستقبل أفضل. أعضاء الجمعية ناشطون في المجتمع المدني، ومن بيننا مدونون، كتاب ومسرحيون. نحن معنيون بموضوع الحريات في الفن والثقافة بشكل عام. فعبرهما يمكن الوصول إلى السلام، وإلى مجتمع منفتح يتقبل الآخر. وهذا كان شعارنا في تجربة العمل مع شباب من باب التبانة وجبل محسن. شكل الفن وسيلة لتقريب القلوب من بعضها، وحل النزاع.
○ هـل كـان سـهـلاً القـيـام بهذه الخطوة؟
• استعملنا كامل جرأتنا للدخول إلى هذا المشروع. كثيرون قالوا لنا أننا نعمل بما هو مستحيل. واننا حيال عمل فاشل من بدايته حيث يستحيل تقريب مواطنين من تلك المنطقتين من بعضهما البعض. منذ زمن والمشروع في بالي. وبما أننا نتعاون مع لوسيان بو رجيلي في موضوع الحريات، طرحنا معه فكرة جمع جبل محسن مع باب التبانة من خلال الفن. وسبق اللقاء مع لوسيان زيارات متعددة من قبلنا للمنطقتين. تعارفنا مع الناس. التقينا جمعيات محلية وهي التي ساعدتنا للوصول إلى النجاح. بدون تلك الجمعيات لما حققنا أي نتيجة. تلك الجمعيات شجعت الشباب للتعاون معنا. جميعهم كان في البداية رافضاً أي لقاء مع الطرف الآخر. سنعمل في وقت لاحق اعمالاً فنية مع كافة المناطق اللبنانية، كي تكون رسالة للجميع.
○ كيف تصفين اللقاء الأول بين شباب جبل محسن وباب التبانة؟
• كانوا ديوكاً على بعضهم البعض. إنما وجود المسؤولين في الجمعيات إلى جانبهم، وكذلك وجودنا ترك اللقاء الأول مقتصراً على نظرات فيها الكثير من المشاعر والأسئلة ولم يحدث احتكاك. لم يطل الوقت حتى انقلبت المشاعر لإيجابية. استغربنا هذا الاندماج السريع. البداية كانت باستدراجهم كي يخبرونا قصصهم. لاحظوا بأنفسهم تشابه تلك القصص. ولاحظوا تشاركهم في المآسي نفسها. وطريقة العيش نفسها. يحبون ويزعلون بالطريقة نفسها. جميعهم فقد أحبة وأقرباء خلال المعارك. وأهم اكتشاف لهم أن المشكلة التي تقاتلوا عليها ليست بينهم، بل في مكان آخر. وهذا ما شكل السبب الأول في بناء الصداقات فيما بينهم، وسريعاً.
○ هل قبّل أحدهم الآخر؟
• بكل تأكيد. علي وخضر هما من أعز الأصدقاء الآن. عندما اتصل بخضر لأبلغه موعد التدريب يبلغني فورا علي معي على البحر وانا أبلغه. هذه الصداقات الحقيقية التي نشأت بين الشباب تفرح القلب.
○ كم مسرحية يحتاج جبل محسن وباب التبانة كي تصفى القلوب؟
• الحاجة ماسة ليجد السؤولون حلولاً للمشاكل الاقتصادية والتنموية في هاتين المنطقتين. ليس صحيحاً أن مشاكل طرابلس هي ايديولوجية وتعصب وتطرف. تكمن المشكلة في عدم وجود فرص العمل، وإنعدام الأمل. هذه مشكلة طرابلس. كانت لنا مساهمة صغيرة، لكن كم من المسرحيات سنقدم؟ وضعنا الإصبع على الجرح، ونقول للمسؤولين تفضلوا لحل المشكلة. نحن نحمل هذه الرسالة لكافة شباب لبنان لنقول لهم أن الآخر ليس «بعبعاً» بل هو مثلك ضحية الظروف التي يعيشها.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية