تونس ـ «القدس العربي»:توقع جل الخبراء والمحللين التونسيين والأجانب أن حرب الخضراء على الإرهاب ستكون طويلة الأمد وربما ستمتد على سنوات لا يعرف عددها. ونصح معظمهم الدولة التونسية بالاستعداد الجيد لهذه الحرب خاصة وأن القوى الإقليمية والدولية يسيل لعابها على ما تمتلكه البلاد المغاربية بمعية تخومها من ثروات طبيعية (نفط، غاز، فوسفات، يورانيوم..) بالإضافة إلى الموقع الطبيعي الاستراتيجي الفاصل بين قارتين والمطل على الطريق التجارية الدولية بين قناة السويس ومضيق جبل طارق.
والحقيقة أن وتيرة الأعمال الإرهابية قد زادت في تونس بعد ثورة 14 كانون ثاني/يناير 2011 وبشكل لافت خاصة مع تموقع الإرهابيين في عديد النقاط على غرار محمية الشعانبي وجبل سمامة وجبال ورغة غرب البلاد قرب الحدود الجزائرية. فقبل ذلك التاريخ عرفت البلاد بعض العمليات على غرار «أحداث سليمان» والهجوم على موقع سندس الحدودي مع الجزائر وغيرها، لكن الأمور كانت تعالج بسرعة قياسية ولم تكن البلاد مخترقة من هذه الجماعات التكفيرية كما هو الحال في الوقت الحاضر.
شهر رمضان
وقد أفسد الإرهاب على التونسيين في السنوات الأخيرة فرحتهم باستقبال شهر رمضان المعظم حيث تستغل الجماعات التكفيرية هذا الشهر الكريم لاستهداف أكبر عدد ممكن من العسكريين والأمنيين مستغلة التعب والإجهاد وضعف التركيز الذي يصيب هؤلاء نتيجة الصوم خصوصا في الساعات والدقائق الأخيرة التي تسبق موعد الإفطار. كما تعتقد هذه الجماعات المتكونة من شباب مغرر به بأنها تتقرب من خالقها بارتكاب هذه الأعمال الإجرامية من خلال استهداف من تسميهم «الطاغوت» (الجيش والشرطة) وذلك بمناسبة ذكرى معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان.
وتبقى عملية «هنشير التلة» التي أعلن منفذوها أنهم قاموا بها إحياء لذكرى معركة بدر في صيف 2014 وفي شهر رمضان من بين الحوادث الإرهابية الأكثر إيلاما للتونسيين. حيث هاجم الإرهابيون موقعين عسكريين في جبل الشعانبي قبيل الإفطار وقتل نتيجة لهذه العملية الغادرة 14 من عناصر الجيش التونسي وجرح منهم 18 عسكريا في حادثة قضت المضاجع وأشعرت الجميع بمرارة لا يمكن وصفها خاصة أن العائلات التونسية كانت تتجمع وقتها حول موائد الإفطار انتظارا لآذان المغرب.
توقعات
لذلك فقد استقبل التونسيون رمضان هذا العام بالفرح لكن مع الخشية من حصول عمليات إرهابية جديدة حذر من وقوعها الخبراء وحتى بعض المسؤولين السياسيين والأمنيين. فالجماعات التكفيرية لا تقاتل قتال الجيوش النظامية ولا تواجه عناصر الجيش بصورة مباشرة إلا إذا اضطرتها ظروف الميدان إلى ذلك، وإنما تجنح إلى زرع العبوات ونصب الكمائن والتخفي في الأكمات والأحراش وشعاب الجبال واستغلال نقاط ضعف الخصم.
ولعل العمليتين الأخيرتين اللتين حصلتا في كل من جندوبة شمال غربي البلاد وسيدي بوزيد وسط البلاد قبيل أيام من شهر رمضان، أصدق دليل على أن هذه الجماعات التكفيرية لن تتورع عن ارتكاب المزيد من الأعمال الإجرامية بحق عناصر الأمن والجيش. وأن ما تلقته من ضربات في الآونة الأخيرة باستهداف قياديين بارزين فيها على غرار المدعو لقمان أبو صخر من قبل الأجهزة الأمنية لن يؤثر كثيرا على أدائها وعلى معنوياتها وهو ما يدركه على ما يبدو المسؤولون الذين تلتقي تصريحاتهم حول ضرورة الإستعداد الجيد خلال شهر رمضان وتوقع غدر هؤلاء في أي لحظة.
تحول نوعي
ويشار إلى أن أجهزة الأمن والجيش في تونس تحسن أداؤها كثيرا في الحرب على الإرهاب مقارنة بما كان عليه الحال خلال سنتي 2011 و2012 فقد باتت هذه الأجهزة تعتمد بشكل كبير على العمل الاستخباراتي من خلال اختراق الجماعات التكفيرية من الداخل. وقد تجسد هذا في العملية الأخيرة التي عرفتها معتمدية سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد والتي وصلت خلالها معلومات لأجهزة الإستخبارات التونسية بأن عناصر إرهابية ستغادر معاقلها بجبل السلوم من ولاية القصرين وستتجه صوب بئر الحفي ومناطق تابعة لولاية سيدي بوزيد، وهو ما تم فعلا ورصدت هذه الجماعة وتم نصب كمين لها واشتبكت معها قوات الأمن وأحبطت ما كانت تخطط له رغم وقوع خسائر في صفوف عناصر الحرس الوطني.
كما باتت الأجهزة الأمنية التونسية قادرة على التدخل الفوري والسريع عند حصول عملية ما، بخلاف ما كان عليه الوضع في السابق، وهو ما تجسد في العملية الأخيرة التي عرفتها ولاية جندوبة والتي استهدف من خلالها الإرهابيون مركزا أمنيا حدوديا في معتمدية غار الدماء لكنهم لم يتمكنوا من إتمام مهمتهم. حيث جاءت التعزيزات بشكل سريع ولافت وتم إحباط العملية رغم وقوع خسائر تمثلت في استشهاد عنصر من الحرس الوطني وإصابة أربعة آخرين بجروح، وفي هذا الإطار صرح وزير الداخلية التونسي لوسائل الإعلام قائلا: «لم يفلحوا هذه المرة في إكمال عمليتهم وتم القضاء عليهم”.
تكفيريون تونسيون
وتنشط في البلاد عدة جماعات تكفيرية لعل أهمها كتيبة عقبة بن نافع التي تعتبر فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالإضافة إلى تنظيمات أخرى أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة ولزعيمها أبو بكر البغدادي. كما أن ليبيا تضم عددا كبيرا من التكفيريين التونسيين اختلفت الأرقام حول تعدادهم لكن اتفقت جل الروايات على أنهم يتبوؤون مناصب قيادية في هذه التنظيمات ويتحينون الفرصة للهجوم على بلادهم وضمها إلى دولة خلافتهم المزعومة.
ويزيد تمدد تنظيم الدولة داخل الأراضي الليبية من مخاوف التونسيين من الأخطار الإرهابية التي تتهدد بلادهم ومنطقتهم المغاربية عموما وذلك بالرغم من استهداف الأمريكان للقيادي الجزائري التكفيري الشهير مختار بلمختار (شهر الأعور) في غارة جوية شنتها بطائرة من دون طيار داخل الأراضي الليبية. كما أن عدم وجود حل حقيقي في الملف السياسي الليبي يزيد الطين بلة ويزيد من حالة القلق التي تنتاب الشارع التونسي جراء ما يحصل في ليبيا المجاورة والواقعة في مرمى البصر.
وفي هذا الإطار يؤكد الباحث السياسي محمد درغام المختص في شؤون الجماعات الإرهابية لـ«القدس العربي» أن «الحذر خلال شهر رمضان واجب على الأجهزة الأمنية التونسية، فالمخاطر مضاعفة للأسباب التالية، أولا لأن عناصر الأمن والجيش ليسوا في حالة اعتيادية وهم منهكون بسبب الصيام والعمل خصوصا آخر النهار وقبيل الإفطار، ثانيا لأن هذه التنظيمات لديها عقيدة ساهمت في صياغتها أجهزة إستخبارات الدول التي صنعتها وتتحكم فيها ومفادها أن من يعملون في أجهزة الدول التي لا تنتمي إلى مشروعهم (الخلافة) هم مجرد كفرة أو طاغوت خادم للحاكم الظالم الذي لا يحكم بشرع الله وبالتالي وجب تحين الفرص لاستهدافهم خصوصا في شهر العبادة وبمناسبة غزوة بدر تقربا في أذهانهم إلى الله، وثالثا لأنه تم استهداف بعض القيادات التابعة لهذه التنظيمات وهي بحاجة لتنفيذ عملية ضخمة تثأر من خلالها لقادتها وعلى رأسهم لقمان أبو صخر وبلمختار الأعور وآخرين وترفع من خلالها من معنويات عناصرها من الشباب المغرر به.
ويضيف قائلا: «كما يمكن لهذه الجماعات أن يدفعها تقدم التنظيمات الليبية التابعة لتنظيم الدولة وكسبها المزيد من الأراضي وسط ليبيا، إلى العمل على زعزعة استقرار تونس لتوفير الأرضية الخصبة التي تسهل عبور التكفيريين التونسيين وغير التونسيين المقيمين في ليبيا إلى الداخل التونسي. فالحذر واجب في شهر رمضان وحتى بعده».
روعة قاسم