يتعارك اليمنيون في كل مكان داخل بلادهم التي باتت ممزقة تتصارعها إرادات محلية وقبلية وإقليمية ودولية. ويتعاركون في جنيف حيث يحاول المبعوث الدولي لليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد جمع الأطراف على طاولة واحدة وفي هذه المرة تتكلم لغة الأحذية لا السلاح. تأخر مؤتمر جنيف عن الإنعقاد بسبب تعنت كل طرف دعي له وتأكيده على حضور ممثليه كما يريد هو لا كما يريد المنظمون.
جاءت الحكومة الشرعية التي تريد الحكومة السعودية إعادتها إلى صنعاء وتشن حربا جوية منذ أكثر من شهرين بشروط تطالب بانسحاب الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها والعودة إلى معقلهم التقليدي وهو جبال صعدة. وفي الوقت نفسه جاء الحوثيون إلى جنيف لا للتحاور مع نظرائهم/ أعدائهم اليمنيين ولكن للحديث وجها لوجه مع السعوديين الذين يدعمون حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي. أما المؤسسة الأممية الراعية لمؤتمر جنيف فقد جاءت بدعوة لوقف إطلاق النار وهدنة إنسانية تعطي المدنيين الذين يعانون، فترة من الراحة وتوقف ما تتحدث عنه منظمات الإغاثة المدنية، الكارثة الإنسانية في اليمن. وكأن هذا البلد بحاجة لأزمات، فها هو تنظيم الدولة الإسلامية ينفذ تفجيرات في صنعاء وقبله تنفذ الطائرات بدون طيار الأمريكية هجوما يقتل بالصدفة زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ناصر الوحيشي الذي كان أيمن الظواهري زعيم القاعدة يعده لخلافته.
تاريخ فشل
منذ البداية كان مؤتمر جنيف محكوما عليه بالفشل. فجنيف لم تنجح بوقف الحرب في سوريا فلماذا تنجح بوقف الحرب اليمنية؟ ولاحظ تقرير في صحيفة «إندبندنت» البريطانية (17/6/2015) هذه الرؤية حيث جاء فيه إن اليمن الذي يعيش حربا أهلية بين الحوثيين والقوى المؤيدة للرئيس المعزول هادي والوجود القوي والمتزايد للجهاديين، تجعل السلام في اليمن أمرا بعيدا.
وأضافت الصحيفة «في الجو تواصل الطائرات السعودية ضربها أهدافا. وعلى الأرض الجثث ملقاة في الشوارع لا تجد من يدفنها، فيما يهرب الأطفال والنساء من النزاع ليسقطوا قتلى، وفي الميناء الجنوبي عدن الرعب كثير».
ونقلت الصحيفة عن مصدر في الأمم المتحدة قوله إن اتفاق الهدنة سيتأخر بسبب مسألة عدد أعضاء كل وفد حيث لا يسمح لكل طرف بغير 10 أشخاص. وقال المصدر «بدأت عقارب الساعة تدق ضدنا» و «ما علينا إلا الإنتظار ورؤية ما سيجري». وفي السياق نفسه اتهم رئيس وفد الحكومة في المنفى، وزير الخارجية رياض ياسين وفد الحوثيين بالجلوس في غرف الفنادق ونشر الشائعات. والمشكلة في مؤتمر جنيف أن الأطراف الرئيسية والتي تحرك الأزمة غائبة عنه ونعني هنا داعمي الحكومة في المنفى والمتمردين الحوثيين، ولنكون أوضح السعوديين والإيرانيين. فالحرب بالنسبة للرياض تعبر عن «حزم» في السياسة الخارجية.
ومنذ وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى السلطة في كانون الثاني/يناير أصبحت مواجهة إيران وطموحاتها في المنطقة أولوية له. وحاول بناء تحالف سني يجمع تركيا والباكستان. ورغم دعم البلدين للحملة إلا أنهما لا تشاركان في الجهود الحربية. وأدى امتناع الباكستان عن إرسال قوات برية لليمن إلى تحول طول أمد الحرب. فقد كان الملك سلمان ونجله الأمير محمد وزير الدفاع الذي يشرف على الحرب يأملان بانتصار سريع لم يتحقق رغم الغارات الجوية، فلا الحكومة عادت إلى صنعاء ولا تراجع الحوثيون والقوى الموالية لصالح عن مواقعهم، بل وفتحت الحرب الباب أمام التنظيمات الجهادية لتقوية مواقعها مستغلة الفراغ الأمني في البلاد. وتبدو المغامرة السعودية في اليمن حربا بلا نهاية ستترك آثارها على اليمن نفسه والسعودية، ففي حالة فشل الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع حماية الحدود من الهجمات الحوثية التي بدأت تستهدف المناطق الحدودية في نجران وجيزان ونقل الحرب إلى داخل السعودية مستلهمة في هذا دروس حزب الله في حربه ضد إسرائيل خاصة حرب عام 2006 فسيتعرض وضع الأمير للمساءلة خاصة أنه اليوم أقوى شخصية في البلاد بعد الملك. وسيتأثر بالضرورة موقع الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية وولي العهد والذي يشار إليه بالبنان نظرا لمواجهته تنظيم القاعدة. ولكن الأمير لم يقض على التنظيم في السعودية بل دفعه للهروب إلى اليمن حيث شكل مع التنظيم اليمني في عام 2009 تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
وبدأت تداعيات الحرب في سوريا والعراق تلقي بظلالها على السعودية من خلال التفجيرات التي أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عنها. وعليه فالسعودية بحاجة لتحقيق تقدم في اليمن وفي الوقت الحالي لا يمنح جنيف لها أملا في التقدم.
الجميع بحاجة للسلام
فكما أشارت مجلة «إيكونوميست» البريطانية في عدد الأسبوع الماضي فإن مفاوضات جنيف لا تحمل معها الكثير والسبب هو تردد الحوثيين بالتخلي عن مكاسبهم خاصة بعد سيطرتهم منذ خروجهم من معاقلهم في شمال اليمن العام الماضي على العاصمة صنعاء وعلى مدن يمنية أخرى وأجزاء كبيرة من الميناء الجنوبي عدن. والإنسحاب من كل هذه المناطق هو ما تطالب به حكومة هادي. وترى المجلة أن الخلافات السعودية- الإيرانية تجعل من الصعوبة بمكان تحقيق «سلام» بين المتحاربين. لكن المجلة ترى أيضا أن التوصل إلى سلام ضرروي لجميع الأطراف بدءا من الحوثيين الذين توسعوا فوق طاقتهم ويعانون من نقص الوقود والمياه. وتعلموا الدرس من خلال المواجهة الدموية أن أعداءهم في وسط وجنوب اليمن مستعدون للقتال حتى آخر رصاصة لديهم. ولأجل هذا قامت بعض القبائل المعادية للحوثيين بعقد تحالف مصلحة مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وفي الوقت نفسه لم تستطع هذه القبائل إعادة هادي الذي تقول المجلة إنه يشرب الشاي في الرياض وينتقل إلى اليمن. أما السعودية فالحرب الجوية لن تحقق أهدافها في ظل ترددها في إرسال قوات برية خوفا من الوقوع في مستنقع اليمن. ولم يؤد حصارها لليمن إلا لزيادة الكارثة الإنسانية. وأصبح 20 مليون شخص أي نسبة 80 في المئة بحاجة ماسة للمساعدة الإنسانية. وتقلل المجلة من أهمية ما يمكن ان يحققه جنيف أكثر من التوصل لاتفاق مبدئي يخفف المعاناة ويفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية.
وتؤكد «إيكونوميست» على أهمية تحقيق صيغة تشاركية في السلطة قبل تحديد موعد انتخابات. وكل هذا يظل رهنا باستبعاد أي دور لكل من هادي والرئيس السابق علي عبدالله صالح وتؤكد في الوقت نفسه على الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه خالد بحاح، رئيس الوزراء الحالي. وفي النهاية تقول إن الحرب لن تتوقف حتى في ظل اتفاق. وربما تراجع الحنق الطائفي بعد أي اتفاق في جنيف لكن الجهوية ستستمر خاصة أن الحراك الجنوبي ليس ممثلا في المحادثات.
إنشغال بإيران
وعلى العموم فالمسألة اليمنية تظل رهنا بالخلاف بين السعودية وإيران. فقد قررت الرياض شن غارات جوية ضد الحوثيين عندما اكتشفت أن إيران اقتربت من حديقتها الخلفية، وصعدت إيران من لهجتها المتحدية من جهة أخرى عندما قالت إنها تسيطر على أربع عواصم عربية من بغداد مرورا بدمشق وبيروت وصنعاء. وترى بعض التحليلات أن التدخل الإيراني في اليمن عبر بوابة الحوثيين يهدف منه القيام بلعبة مقايضة مع السعودية تتخلى فيها الأخيرة عن مصالحها في سوريا بشكل يطلق يد طهران هناك مقابل التخلي عن اليمن. وهذه المقايضة لن تحصل خاصة أن الخريطة العسكرية في سوريا بدأت بالتغير وهناك ملامح لترنح النظام السوري. لكن المتابع للأزمة اليمنية يرى أن المقصود فيها هي إيران. ومثلما يقول المبعوث الخاص للشرق الأوسط السابق دينيس روس «الإنشغال الرئيسي للسعودية في ظل سلمان هي إيران».
ونقلت عنه «كريستيان ساينس مونيتور» قوله إن «الإنشغال بإيران يعني أنه عندما تتعامل الولايات المتحدة مع سوريا من منظور محدود فسنرى السعوديين وقد تبنوا موقفا يقول: سنقوم بعمل أكبر واعتمادا على أنفسنا». وهذا يفسر الموقف الحازم الذي أبدته السعودية في اليمن وسوريا. وتظل استحقاقات الحملة في اليمن أخطر لأنها تمس بالأمن القومي السعودي وكلما طال أمد الحرب وزاد سقوط المدنيين كلما زاد قلق الرأي العام السعودي وزاد حنق اليمنيين. ولأن الولايات المتحدة التي تدعم الجهود الحربية ضد الحوثيين لوجستيا وأمنيا لن تسهم كما تفعل في العراق بغارات جوية أو حتى مستشارين عسكريين، فالسعودية والدول المتحالفة معها في اليمن بحاجة لتفكير جديد ونوعي يجمع بين البحث عن خيارات عسكرية مثل إنزال عسكري لتأمين المدن المهمة وبدون انتظار دعم الحليف الأمريكي ولا حتى الباكستاني بل من خلال قوة عربية مشتركة. ويبدو هذا الخيار مغريا لو افترضنا أن القوة العربية جاهزة. وقد تجد السعودية نفسها أمام خيار التفاوض وتقديم تنازلات.
والسؤال هل إيران التي تحضر للخروج من العقوبات في مزاج التفاوض وتنازلات؟ لن يجيب على هذا مؤتمر جنيف الحالي طالما غاب عنه طرفا الصراع الحقيقيان. فكما في سوريا التي لم يعد فيها النزاع بين سوريين لم يعد لليمنيين سلطة على مصيرهم.
إبراهيم درويش