واشنطن ـ «القدس العربي»: ابتعدت الأوليات الأمريكية في الشأن اليمني عن مفاوضات جنيف رغم أهميتها وبدلا من ذلك واصلت الطائرات الأمريكية بلا طيار مهمة اصطياد قائمة من قادة تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب بما في ذلك الهجوم على ناصر الوحيشي .
وتحاول إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما صنع انتصارات صغيرة في حرب طويلة عبرعمليات قتل قادة الجماعات المتطرفة ولكنها بالتأكيد غير قادرة وفقا لاستنتاجات الخبراء وقراءة سريعة للواقع على وقف الفوضى المدمرة في المشهد اليمني رغم الآمال بان خلق نظام ديمقراطي جديد بعد سقوط الطغاة قد يخفف من صعوبة تحقيق الأهداف المرجوة.
وتبدو الاستراتيجية الأمريكية في اليمن وطريقة تعامل الولايات المتحدة مع محادثات جنيف وغيرها من محاولات التفاوض كمن يحاول وضع عربة أمام حصان. حيث تحدث المسؤولون الأمريكيون مرارا عن التنمية الاقتصادية وتحسين إمدادات المياه وإعادة بناء المجتمع المدني وعادوا في نهاية المطاف للتركيز على عمليات مكافحة الإرهاب بدلا من القيام بمحاولة جادة لإنهاء الفوضى ووقف الحرب الأهلية في البلاد أو القيام بجهود حقيقية لعقد اتفاق بين جماعة الحوثي والحكومة الشرعية بمشاركة من الأطراف الإقليمية.
احتفل الأمريكيون بمقتل الوحيشي الذي يعد الرجل الثاني في قيادة تنظيم القاعدة واعتبروا وفاته بمثابة تعطيل لعمليات القاعدة في جميع أنحاء المنطقة. ووفقا لقول نيد برايز، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، فان مقتل الوحيشي يعد ضربة قوية للتنظيم وانه يزيل من الساحة زعيما إرهابيا من ذوي الخبرة ويقرب الولايات المتحدة من إهانة وهزيمة الجماعات المتطرفة.
هذا الاحتفال كان مخادعا إلى حد كبير، حيث ما زالت تدب الفوضى في اليمن كما تصاعدت الحرب الأهلية الشاملة التي بدأت في العام الماضي اثر استيلاء جماعة الحوثي على مقاليد السلطة في العاصمة، وفي الواقع كسب تنظيم القاعدة كثيرا من هذه الفوضى حيث أقام تحالفات جديدة مع العشائر السنية لمحاربة الحوثيين وتمكنوا من الاستيلاء على ملايين الدولارات من خزائن البنك المركزي في المكلا خامس أكبر مدينة في اليمن.
يعلم الأمريكيون جيدا ان خياراتهم محدودة جدا في اليمن، ومن الصعب العثور في كثير من الأحيان على المنطق في السلوك الأمريكي في المنطقة، حيث وضعت الولايات المتحدة نفسها في موقف غريب عندما دعمت الحملة السعودية الجوية لطرد الحوثيين من صنعاء عبر الدعم اللوجستي والاستخباري وهكذا بدأت واشنطن في مهاجمة الحوثيين والقاعدة في الوقت نفسه، وكما قال ستيفن سيشن السفير الأمريكي السابق في اليمن، فان قدرة الولايات المتحدة على التخفيف من العنف والمأزق السياسي كانت محدودة ولذا لاخيار لها سوى التركيز على مهمة ضيقة هي عمليات مكافحة الإرهاب.
إدراك هذه المعطيات سيفسر لنا بالتأكيد سر الفتور الأمريكي تجاه محادثات جنيف ومن غير المغالاة استخدام تعليقات قادة الحزب الجمهوري تجاه نهج اوباما في اليمن حينما قالوا انه يقود من الخلف مع الإشارة إلى اشادة اوباما مرارا بنجاح الحملات الجوية في محاولة واهمة للاستعاضة عن تحقيق تقدم سلمي، وإذا عدنا بالذاكرة كما يقول دانيال بايمان من جامعة جورج تاون ومدير أبحاث الشرق الأوسط في معهد بروكينغز فان اوباما كان ينتقد بشدة الرئيس السابق جورج بوش لفشله في التخطيط لمرحلة ما بعد سقوط صدام حسين والآن يواجه اوباما انتقادات مماثلة في اليمن وليبيا.
وعلى أي حال، فان تطاير الأحذية وتراشق الكلمات في محادثات جنيف التى يمكن التنبؤ بفشلها في التوصل لحل سلمي جاد لا تقارن إلى جوار تشقق احتمالات السلام بسبب الصراع على السلطة من القوى القبلية والايديولوجية والجغرافية كما ابتعدت الآمال الأمريكية في العمل مع الحلفاء والجماعات المحلية للحد من الفوضى.
وأدرك الأمريكيون باستثناء إدارة اوباما ان فرصة التخطيط السليم للأحداث في المنطقة قد انتهت فعلا وان هنالك صعوبة في قدرة أي قائد على توجيه الامور نظرا للتغيرات الواسعة في العالم العربي بعد الربيع العربي. وأشار البعض إلى الدروس المستفادة من العراق وافغانستان حيث فقد الكثير من الأمريكيين أرواحهم وانفقت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات بدون جدوى فبقيت تلك الدول غارقة في الفوضى وهو ما تشير إليه بوصلة الأحداث بالفعل في اليمن.
هنالك آمال أمريكية مفرطة بالتفاؤل دون مبرر بان محادثات جنيف التي توسطت فيها الأمم المتحدة قد تساعد في حل الصراع وان مناقشة الأمور وجها لوجه بين الكتل السياسية المتناحرة قد تسفر عن نتائج خاصة وان كل الجماعات اليمنية تدعم قرار الأمم المتحدة رقم 2216. ولكن المحادثات تعثرت بالفعل حينما تبادلت وفود حكومة المنفى وجماعة الحوثي اتهامات بعدم احراز أي تقدم وتخريب عملية السلام كما ان هدف المفاوضات في تحقيق هدنة إنسانية بين الفصائل المتحاربة قد يبدو أمرا لا يمكن الاتكاء عليه للإستنتاج بان هنالك رغبة فعلية في حل النزاع.
وترى واشنطن ان إنهاء الأزمة الأمنية سيبدأ عندما تجلس الأطراف المتنازعة معا حول طاولة المفاوضات وكان هدف الدعم الأمريكي للضربات الجوية السعودية هو اجبار جماعة الحوثي على العودة للمحادثات من منطلق القاعدة الأمريكية التي تقول انه لا حل لأي نزاع اذا اعتقدت جميع الأطراف المتناحرة انها ستنتصر في نهاية المعركة. وقد أشاد موقع السفارة الأمريكية على الفيسبوك بالمحادثات في محاولة فاترة لدعم أي اتفاق محتمل.
وتوقع محللون أمريكيون عدم وجود اختراق في محادثات جنيف وقالوا ان اسلوب المفاوضات في حد ذاته لا يبشر بخير حيث بدأت المحادثات في غرفتين منفصلتين بشكل غير مباشر كما اختفت أجواء «النوايا الطيبة دون شروط مسبقة» من جنيف كما ظهرت صعوبات في تحقيق أهداف التوصل لإتفاق على خطة لانسحاب ميليشيات الحوثي ووقف إطلاق النار.
الأمر الوحيد الذي قد تتفق عليه جميع الأطراف المتناحرة والمراقبة بما في ذلك الولايات المتحدة هو ان القتال سيمنح تنظيم القاعدة قوة أكبر من أي وقت مضى وهذا يعني عدم وجود لحظة يمكن اضاعتها على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة كي مون. ولكن تضاريس واهتمامات المعركة قد تغيرت إلى حد تجاهل الأطراف المتناحرة لهذا التهديد مما يعني ضياع الفرصة الثمينة للاتفاق على انهاء الحرب الأهلية.
وقد حاولت إدارة اوباما التأثير على مسار مفاوضات جنيف بعيدا عن صخب المناقشات في سويسرا حيث طلب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري من نظيره الإيراني ظريف بشكل غير مباشر المساعدة في الأزمة اليمنية وذلك قبل مؤتمر صحافي مشترك في نيويورك حيث قال كيري :»ان هنالك حاجة لجميع الأطراف للمشاركة في عملية التفاوض السياسية وان أي شخص يمكن ان يساعد للحصول على هذه العملية هو عمل يمكن ان يكون جيدا «. ووفقا لتفسير المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هاريف لـ «القدس العربي» فانه من الواضح ان للإيرانيين قدر كبير من النفوذ على الحوثيين، ومن الواضح بالتالي ان أي أمر يمكن القيام به من جهة إيران لجعل جماعة الحوثي أقرب لطاولة المفاوضات هو أمر مفيد.
رائد صالحة