الجزائر ومعوقات الإصلاح والتغيير..قراءة بعيون عربية

حجم الخط
0

علي الشرياوي ارتبطت الجزائر في الوجدان العربي بمجموعة من الصور التي طغت على ما سواها، ليست أولها أنها بلد المليون ونصف المليون شهيد في رحلة الاستقلال من الاحتلال الفرنسي الذي نالته في منتصف عام 1962م، أو أنها كانت منبرا للنماذج الفكــــرية الفذة التي أنتجتها الساحة الثقافية الجــزائرية كالمفكر مالك بن نبي والمفكر محمد أركون، ولن تكون آخر الصورة المجازر التي تلت نتائج الانتخابات سنة 1991م . الجزائر التي تحتل المركز الأول كأكبر مساحة في العالم العربي وأفريقيا ولها وفرة من الثروات والخيرات الطبيعية والزراعية والصناعية تضعها كثاني أكبر اقتصاديات أفريقيا، وحجم مديونية خارجية تصل إلى الصفر، تعد أيضا من الدول الرئيسة في منظمة الأوبك ولديها احتياطي لا يستهان به من النفط والغاز، وعلاوة على ذلك امتلاكها ثروة من العقول والموارد البشرية في كافة المجالات والتخصصات التي يعتبر بعضها نادرا على المستوى العالمي وليس المحلي، وكذلك تميزهم بوعي عال واهتمام ملحوظ بما يجري في وطنهم وبالأحداث من حولهم، وعدد كبير من الجامعات والمعاهد العالية التي تغطي المساحة الجغرافية للقطر، وتزود سوق العمل بما يغطي احتياجاته وأكثر.الجزائر ذات الإرث التاريخي الغزير الذي يمتد لأكثر من 12 آلاف سنة لا يتناسب مع ماهي عليه الآن، لتقف غصة على أبواب الحناجر، ما الذي يعطل الجزائر أن تقوم بدورها السياسي والثقافي والاقتصادي؟، لماذا يقف أبناء الجزائر على أبواب السفارات طلبا لهجر بلدهم؟ وأين التنمية الاقتصادية التي أنتجها التحرير وجبهته والتي تتناسب مع ثروات وإمكانات الجزائر الحبيبة؟، وما هو المتحقق الفعلي من مشاريع تقارب بين الجزائر ومحيطها الجغرافي في الجنوب الأوروبي؟.العزلة الجزائرية فرضتها مجموعة من القيود، منعت الجزائر وعضلتها من ممارسة دورها في العالم العربي وفي إطارها الإقليمي، ومنعها من أداء دورها كرابط مقبول بين الشرق والغرب، من أكثر تلك القيود وأوضحها القطيعة الإعلامية التي منعت الأقنية التلفزية والصحفية من ممارسة نشاطها على الأراضي الجزائرية، وحرصت السلطة خلال فترة طويلة من تاريخها ان لا يرْشَح إعلاميا إلا رأي وحيد هو رأي ووجهة نظـــــر السلطة، وهو ما اتضحت معالمه فيما تلى إلغاء انتخابات 1991م من مجازر وتصفيات واعتقــــالات، فالإعلام هو ما صور لنا مجازر تسعينيات القرن الماضي على أن من يقــوم بها فقط الجماعات الإسلامية المتطـــــرفة، وبرأت تلك الأجهزة الإعلامية الرسمية السلطة من التصفيات التي يرجع معظـــــمها كثير من الجـــــزائريين إلى أجهزة الأمن من غير أن يمنحوا صك بـــراءة للجماعات المتطرفة التي شاركت في القتل والإرهاب بصورة لا يستهان بها، تلك الانتخابات التي كانت كفيلة حسب بعض المراقبين أن يكون لها تأثير الثورة التونسية في الربيع العربي، وأن تكون ملهمة للتغيير خاصة وأنها تزامنت مع انهيار المعسكر الشرقي وبداية عصر جديد من الحرية والديمقراطية في دول لم تكن ببعيدة عن التركيبة السياسية والاقتصادية للجزائر.والملاحَظ أن الذي حال بين الجزائر وانطلاقتها نحو النمو والرفاهية الكثير من المعوقات منها :1. تولي العسكر قيادة البلاد خلال الخمسين سنة الماضية، وحكموا البلاد كأي نظام عسكري، وبعقلية أولوية النظام وخدمته وأن الثروات ينبغي أن تصرف على حماية الدولة وأمنها وتسليح جيشها وتقويته، فيما ينظر البعض بعين الريبة والشك في هذه الطغمة العسكرية كونها ورثت حكم الجزائر من المستعمر وأنها خليفته على مصالحه واستمراراً لسلطانه تأتمر بأمره وتحقق مصالحه وخروجه كجيش مستعمر وحضوره كشركات ومؤسسات اقتصادية واستشارية.2. الفساد الإداري والمالي الذي استشرى في جسد الدولة نتيجة البيروقراطية التي حكمت الدولة من قبل العسكر والنظام الاشتراكي الذي شكل هيكل الدولة، صنع منه البعض غطاء ثوريا لسرقة الدولة ومحاصصة ثرواتها ونهب خيراتها بأشكال مباشرة واختلاس المال العام أو من خلال المشاريع الوهمية أو المبالغ في تكاليفها، إضافة إلى الفساد الإداري من تفشي المحسوبية واستغلال النفوذ وغيرها من الصور.3. غياب التنظيمات الاجتماعية والسياسية القادرة على إحداث تغيير في الواقع الجزائري، فعندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني وعلي بالحاج بانتخابات 1991م، انتفض العسكر في ثكناتهم واعادوا لأنفسهم السلطة وانقلبوا على الانتخابات ولم يسمح للجبهة الإسلامية للإنقاذ بإكمال تجربتها الوليدة، وكلف هذا الانقلاب الجزائر مئات الآلاف من الضحايا والمهجرين والمهاجرين، ورغم الكفاءات الفردية والقدرات المتميزة لأفراد المجتمع الجزائري، لكن ذلك لم ينعكس بصورة إيجابية على الأحزاب والمنظمات السياسية والتكتلات الاجتماعية التي لم تستطع الوقوف في وجه المؤسسة العسكرية وإعادة الأمور إلى نصابها، وربما الاستثناء كانت المؤسسات التعليمية والأكاديمية التي استطاعت أن تتماسك ولم تدخل في محاصصة اللعبة السياسية.4. هيمنة الجهاز الأمني البوليسي على المشهد الجزائري شأنه شــــأن جمــــيع الدول القمعية في العالم العربي مستمدا سطـــــوته وسلطـــته من النظام السياسي الحاكم الذي يغدق عليه بالعطايا المادية وتستر سوءاته بالغـــطاء القانوني والسياسي، وسجونها ومعتقلاتها لا تختلف عن غيرها من البلدان العربية والتي تتميز بآخر ما توصلت له آلة القمع العالمية وتنال أفضل تقنيات التعذيب ورث بعضهم ذلك من إرث المعسكر الشرقي وبعض خبرائه.الجزائر حالها حال غيرها من البلاد العربية الأخرى التي مازالت تتمنع التغيير الاختياري الذي يقيها تبعات التغيير الناتج عن ‘ثورات الربيع العربي’ التي أصابت بعض جيرانها، نزعت إلى التخلص تماما والقطيعة النهائية مع أنظمتها السابقة، وتستبدلها بأخرى في كثير من الأماكن بأردأ منها أو تشابهها مع اختلاف المسميات وتغيير العنوانين، الجزائر كما غيرها من الدول المتصلبة في وجه التغيير عليها أن تعي مخاطر التصلب والتعنت وأن فاتورة تغيير تحدثه وترعاه أقل بكثير جداً من تغيير يداهمها كموجات تسونامي لا يمكن التكهن بالخسائر المترتبة عليه . التاريخ وقراءته تضع الجزائر على عتبة التغيير الذي سوف ينال من النظام السياسي والاقتصادي وربما من العقيدة العسكرية، هذا التغيير الذي نتمنى أن يصب في مصلحة الشعب الجزائري ليحقق دوره الإقليمي والقومي والقاري.’ كاتب سعودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية