لم تعد ظاهرة الميليشيات المسلحة ملمحا عابرا في الخريطة السياسية الدولية عموما، والخريطة السياسية في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
بعد أن راحت الدول وجيوشها الرسمية تتنازل طوعا عن أدوارها التقليدية في مختلف الحروب والصراعات لصالح الجماعات المسلحة، وتسعى لبناء تشكيلات شبه عسكرية بديلة عنها، مهمتها تنفيذ أجندات سياسية قذرة بعيدا عن الأطر الرسمية الراعية لها، المفتقرة للشرعية القانونية والدستورية وللمنطق، والسائرة باتجاهات معاكسة لمنطق التاريخ ولمجريات الأحداث، إلى درجة يمكن اعتبارها بمثابة عمليات سطو مسلح ونصب واحتيال على الشعوب وعلى مستقبلها السياسي، تصاحبها عادة شعارات وطنية وإيديولوجية كبرى براقة تشكل ركيزة التعبئة والحشد الرئيسية الضامنة لنجاح عمليات الالتفاف على تلك الركائز المشروعة لكن المفقودة، في هذه الحالة، التي تستند إليها مختلف أنظمة الحكم في الحالات العادية.
إن لم تكن الصورة على هذا النحو، وبما أن الجماعات المسلحة شبه العسكرية تتشكل وتتولد من رحم أنظمة بعينها، لاسيما عندما تفتقر هذه الجماعات للشرعية الثورية، فإن الأنظمة التي تلجأ إلى هذا النوع من الميليشيات مطالبة بتفسير هذه الانعطافة الكبرى في سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء، وبما أنها لم ولن تقدم أي تفسير من هذا القبيل، معتمدة سياسة الإنكار دوما، فإن الغموض سيبقى سيد الموقف عندما يتعلق الأمر بمحاولة قراءة نوازع الحروب والصراعات في المنطقة والعالم، لا بل أن مراوغة الأنظمة السياسية حيال رعايتها للتشكيلات شبه العسكرية تمهد الطريق لعودتها لاحقا، ولو بصيغ وأشكال مغايرة، إلى سدة الحكم، مثلما حصل في غالبية ثورات الربيع العربي، فضلا عما يحدث في العراق، من خلال اعتماد الحكومات العراقية المتعاقبة استراتيجية الميليشيات في مواجهة خصومها، في متوالية كان فصلها الأخير تشكيل ودعم ميليشيات «الحشد الشعبي» في مواجهة ميليشيات أخرى «داعش»، تشير كل المعطيات إلى أن الأخيرة تتلقى، بدورها، الدعم من أنظمة أخرى تعتمد إستراتيجية الميليشيات ذاتها.
لكن إذا كانت أنظمة الاستبداد المهددة عروشها بالسقوط والانهيار هي المسؤولة عن بروز ظاهرة الميليشيات واتساع رقعة تأثيرها، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا توجه تلك الأنظمة دعمها لجيوشها النظامية وقواتها العسكرية الرسمية نفسها، التي باتت تعتبر ضحية الميليشيات الوليدة؟ بالطبع أن جزءا من الإجابة على هذا السؤال يذهب إلى الطبيعية الاستبدادية لتلك الأنظمة، وقناعتها بأن أدوات بقائها التقليدية قد استنفدت إمكانيات استمراريتها في اغتصاب السلطة السياسية، وبالتالي لا بد من السعي إلى استحداث صيغ بديلة تضمن لها توفير مثل تلك الامكانيات، حتى لو جاءت هذه الصيغ على حساب بناها التقليدية المعهودة، وربما هذا ما يفسر حالة الهدنة غير المعلنة القائمة بين النظام السوري وتنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، الذي يرفع النظام لواء محاربته وأشقائه في المحافل والمنابر السياسية الوطنية والاقليمية والدولية، بينما يهادنه على أرض الواقع، في الوقت الذي تنصب فيه جل جهوده العسكرية والأمنية على محاربة فصائل سورية مسلحة تتناصب العداء مع ذلك التنظيم. صحيح أن لهذه الظاهرة سوابق تاريخية عديدة في مختلف بقاع الأرض، ولا سيما في أمريكا اللاتينية وأفغانستان، لكن تلك السوابق لم ترق، كما يحدث في الشرق الأوسط اليوم، إلى مستوى تشكل منظومة سياسية وأمنية متكاملة، يعول عليها إلى هذا الحد الكبير والحاسم في رسم ملامح المستقبل السياسي لمجمل بلدان المنطقة، ففي بلد عربي كالعراق، على سبيل المثال، يمكن القول إن أقوى جيش عربي قد ذاب تماما أثناء مواجهة الاحتلال الأمريكي عام 2003 قبل أن يعود للظهور لاحقا على شكل ميليشيات، ما دفع الجيش الأمريكي وحلفاءه من العراقيين إلى تشكيل ميليشيات مماثلة في محطات سياسية عديدة أبرزها محطة «الصحوات»، وقوات الحشد الشعبي، على حساب الجيش العراقي الرسمي، الذي انكمش على نفسه، أو أريد له ذلك، عقب سلسلة من الهزائم العسكرية التي لحقت به في مواجهة نوع آخر من الميليشيا، وربما أخطر، يتمثل هذه المرة بتنظيم الدولة، الذي كرس نفسه قوة اقليمية يحسب حسابها من خلال استغلال الفجوات الكثيرة والكبيرة في جدار شرعية أنظمة الاستبداد وجيوشها الجرارة، التي تسعى بدورها إلى إشعال فتيل صراعات جانبية بين فصائل المعارضة نفسها، ظنا منها أن هذا التوجه يوفر لها أمرين رئيسيين، الأول يتعلق بغطاء شرعي مفقود أصلا يضعها في موقع الحكم المتعالي على الأحداث والبعيد عنها، والثاني له علاقة بفكرة إضعاف خصومها وشرذمة جهودهم وتفتيت قواهم.
أما الهدف الأبعد لخلق المنظومة الميليشياوية في بلدان الربيع العربي، فيتعلق بمحاولة أنظمة الاستبداد ايهام الشعوب المنتفضة والعالم أجمع بأن أي بديل محتمل عنها سيكون بالضرورة أسوأ منها ضمن ثنائية السيئ والأسوأ المعروفة، وبالفعل فلقد أصبحت هذه القضية تتصدر سلم الأولويات في أي مبادرة لتسوية الأوضاع المتفجرة في تلك البلدان، إلى درجة غيبت معها الأهداف الحقيقية البدئية للثورات العربية المعاصرة على قاعدة الاختيار بين سيئين، وكأن السوريين، على سبيل المثال، ليس أمامهم سوى خيار النظام مقابل خيار «داعش» وملحقاته، علما بأن واقع المجتمع السوري وتاريخه يشيان بابتلاء الشعب السوري بنظام يعد قلعة للاستبداد في المنطقة والعالم من جهة، وميليشيات مسلحة خرجت من رحم هذا النظام نفسه من جهة أخرى، بحيث أصبح كلا الطرفين يتعايشان ويتغذيان على بعضهما بعضا، في محاولة ابقاء كليهما بوصفهما طرفي الصراع السياسي الرئيسيين، اللذين يحجبان أفق محاولة التغيير الديمقراطي في سوريا، التي تصدت لها ومنذ البداية مختلف فئات الشعب السوري.
الأخطر من كل ذلك يكمن في محاولة بعض الميليشيات استغلال مشروعية ما، مثل الشرعية الثورية في مقاومة الاحتلال، وتوظيفها في خدمة نظم الاستبداد، على غرار ما يمارسه حزب الله في لبنان وسوريا، الذي فقد تلك الشرعية منذ اللحظة الأولى التي حول فيها وجهة فوهات أسلحة مقاتليه من الجنوب إلى الشرق وصوبها إلى صدور أبناء الشعب السوري الساعين إلى اسقاط نظام الاستبداد في بلدهم.
كما أن خطورة هذه الظاهرة المرضية لا تتوقف عند هذا الحد، بل أنها تمتد في تنوعها إلى درجة إضفاء صبغة شرعية على ميليشيات لا شرعية لها أصلا، بحيث تصبح قادرة على تخليق آليات نشوئها وتطورها بصورة آلية، على غرار ما يحدث في اليمن، حيث أصبحت المواجهة هناك بين قوى غير نظامية على جبهتي القتال بعد أن تمكن نظام الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح من بسط هيمنته على مراكز القوة في فلول الجيش اليمني النظامي وبعد أن فشل التحالف العربي من تأمين قوات نظامية تقارع ميليشيات الحوثي والرئيس المخلوع.
خلاصة القول، إن ما تفتقر إليه أنظمة الاستبداد من شرعية تؤمن لها البقاء في سدة الحكم، لن تؤمنه لها ميليشيات طارئة على المشهد السياسي، وأن جل ما تفعله في هذه السياق لا يعدو كونه مفاقمة حالة الصراع ومدها بوسائل إضافية تؤمن استمرارها لفترات فلكية وتدخلها في تعقيدات هائلة لا شأن لها سوى زيادة شتى أنواع المعاناة ومضاعفة أعداد الضحايا من خلال زج القوى المتصارعة في أتون حروب فئوية تقضم الوطنيات وتهدم الحدود وتحدث فجوات اجتماعية يصعب ردمها.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة