الرئيس الذي غير النظام الشمولي الجزائري

حجم الخط
0

رحل عن الجزائر الرئيس الوحيد الذي فهم شعبه وأحترمه وسعى لتلبية مطالبه، الرجل الذي صبر لمضايقات لحقته من جهات كثيرة أعنفها تلك التي كانت من رفقاء السلاح، فالآن فقط بعد رحيله ستبدو محاسنه ويتأسف عن فقدانه الكثير ويندم عن إساءته من قريب أو من بعيد الكثير وهذه شيمة الشعوب العربية وميزة الشعب الجزائري فالرجل العظيم فينا هو ذاك الذي فقد الحياة ورحل.وجد الشاذلي بن جديد في انتفاضة أكتوبر سنة 1988 فرصة لتغيير نظام الدولة، فألغى نصوص النظام الشمولي في الميثاق الوطني وعدل الدستور وأقام التعددية الحزبية وبذلك استجاب لانتفاضة الشارع، فكانت نهاية النظام الاشتراكي على يده، النظام الذي طالما قيل عنه أنه لا يزول بزوال الرجال وأنه اختيار لا رجعة فيه، لا أحد كان يصدق آن ذاك أن الشاذلي سيخوض غمار التغيير ويتحدى السلطة الراسخة في أعماق المؤسسات ويتحدى عقلية التخلف التي ترفض التغيير.وقف الرئيس الشاذلي عنيدا أمام تحديات كبرى أولها خذلان رفقاء النضال وأعضاء القيادة الموروثة عن عهد الرئيس بومدين، تذكروا معي تلك الأزمة التي كادت أن تدمر البلاد والعباد بعد وفاة الرئيس بومدين وقد انقسم رجال السلطة بين مؤيد لترشيح منسق الحزب الحاكم محمد الصالح يحياوي كخليفة لبومدين وبين داعم ومساند ترشيح عبد العزيز بوتفليقة وأخيرا حسم الجيش الأمر ورشح الشاذلي بن جديد الذي لم يكن، خلال توليه مناصب على رأس النواحي العسكرية، يفكر في منصب سياسي مرموق، فكان معروفا بانشغاله أوقات فراغه بالرياضة والإبحار في شواطئ وهران، ولم يقبل بسهولة الدعوة للترشيح إلا بعد تعهد أعضاء مجلس الثورة الذين أصبحوا فيما بعد أعضاء المكتب السياسي للحزب الحاكم بمساعدته والوقوف بجانبه لإدارة شؤون البلاد ومعالجة المشاكل الشائكة للتركة الثقيلة التي خلفها الراحل بومدين لكن وبعد مدة قصيرة من رئاسة بن جديد أدار هؤلاء الرفقاء ظهورهم وخالفوا العهد، فراح بعضهم يستبق الزمن ويعد المحيط المناسب للرئاسيات اعتقادا منهم أن الرئيس الشاذلي هو فقط رجل مرحلة قصيرة سينسحب لا محالة من سدة الحكم بعد أن يفقد زمام السلطة والتسيير، وهكذا اتفق الجميع بصفة مباشرة أو غير مباشرة على ترك الرئيس دون مساعدة جدية ليستسلم وينسحب أمام الأزمات الحادة المستعصية التي تهدد بانفجار الشارع الجزائري. يعود الفضل إلى الرئيس بن جديد في تمكين جبهة الإنقاذ والأحزاب الأخرى من الممارسة السياسية وخوض غمار الانتحابات في حرية وشفافية رغم المعارضة الشديدة لقياديين في المؤسسة العسكرية وفي الحزب الحاكم، فكان الرئيس الشاذلي بن جديد مؤسسة بحد ذاتها تواجه مؤسسات الدولة الأخرى من اجل حماية المشروع الجديد بما في ذلك الأحزاب والصحافة بأشكالها الثلاثة المكتوب والمسموع والمرئي، فترعرعت جبهة الإنقاذ بعد فوزها الساحق في الانتخابات المحلية وأعتقد قادتها أن الحكم أصبح في متناول اليد فكان الخطأ الكبير حين تصدوا للرئيس بن جديد وطلبوا رحيله المبكر، فخسروا الرجل الوحيد الذي يمثل ضمان التداول عن السلطة والحرية والتعددية والانتخابات الحرة النزيهة، لقد أخطأت حقا جبهة الإنقاذ في العدو وكانت بسعيها الحثيث لتحطيم الشاذلي بن جديد قد دخلت دوامة الانهيار الذاتي وجر البلاد إلى حرب لا زالت البلاد تتجرع مرارتها، ولم يبق للرئيس بن جديد أي سند أو دعم فهؤلاء يطالبون برحيله لأنه تحدى النظام الشمولي وأقر الديمقراطية ولوح الآخرون الذين استفادوا من حرية النشاط السياسي ونزاهة الانتخابات باستقالة الرئيس والشروع في انتخابات رئاسية مبكرة.أصبح الرئيس الشاذلي في هذه الحالة وحيدا بكل معاني الكلمة لقد غير الاتجاه السياسي وهز أركان السلطة وأنطلق في إقامة جمهورية ثانية، فعمل في تلك الظروف بشجاعة وإرادة من فلاذ لبناء مجتمع جديد وقد قال عنه العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في محاضرة له في قسنطينة : ‘سيلقى الرئيس الشاذلي ربه بوجه ابيض’ وهذا ما نرجوه له رحمه الله. كان عليه أن يدفع ثمن تغيير النظام الشمولي غاليا كما دفع قبله مخائيل غوربتشوف ثمن تغيير مجرى تاريخ النظام الشمولي للاتحاد السفياتي، ستقرأ الأجيال القادمة في يوم ما، ما سيكتبه المؤرخون عن مرحلة الشاذلي بن جديد وكيف تمت تصفية الحسابات في لجان المحاسبة والانضباط، وكيف تم تدمير شخصيات بارزة من المخلصين وكيف أحالوا النظام الديمقراطي الذي أرسى قواعده الرئيس الشاذلي إلى قصر مرصود.أبوحفص بن شنوف – الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية