لم يكن تعيين الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي، لإدارة مدينة أوديسا ومنطقتها في أوكرانيا، من قبل الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو في 31/5/2015 الأول من نوعه، فقد عين الرئيس الأوكراني مديرين غير أوكرانيين لإدارة بعض المصالح المالية والاقتصادية في بلاده من قبل.
والظاهرة قديمة في زمن الامبراطوريات والممالك، إلا أنها «غريبة» في الزمن الحاضر، وهذا الأمر يعود إلى تقويم يحاسب عليه الشعب وممثلوه من النواب الرئيس الأوكراني، وهي تجربة ستتعرض بطبيعة الحال للفحص والدراسة والتقويم، والحكم عليها إما بالنجاح وإما بالفشل. وما يجدر ذكره هنا أن الرئيس الأوكراني بوروشينكو انتخب للرئاسة وهو من رجال المال والأعمال، ويملك أكبر مصانع وتجارة الشوكولاتة في بلاده. أما بالنسبة إلى مدينة أوديسا ومنطقتها، فهي تقع على ساحل البحر الأسود ـ واسم الأسود يعيده بعض المتخصصين إلى إما أن صخوره ورماله وأرضيته لها لون السواد، وبالتالي فإن مياه البحر تتصف بهذا اللون، وإما أن هناك من يذهب من أهل الاختصاص إلى أن المنطقة تخيم عليها غيوم سوداء في أغلب أيام السنة، الأمر الذي ينعكس على لون المياه في البحر في أحيان كثيرة، فأطلق عليه بحسبهم البحر الأسود.
مدينة أوديسا هي الميناء الرئيس في أوكرانيا، وثالثة أكبر المدن فيها، ويبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، وعن طريقها يتم استيراد وتصدير أغلب الاحتياجات الأساسية للبلاد، ومنها النفط. وتشتهر المدينة بجامعاتها المتقدمة ومسارحها ومتاحفها، وبعض مبانيها الفخمة؛ وقد دفعت عددا من الضحايا من بين سكانها في الأحداث الأخيرة التي ما زالت مستمرة حتى الآن. ويقطن المدينة ومنطقتها أغلبية مسيحية، يلي ذلك اليهود ومن ثم أقلية مسلمة، وتتكلم الأغلبية منهم الروسية. وكانت المدينة قد أقيمت في عام 1794، وكانت ذات يوم تابعة للامبراطورية العثمانية، وتم إخضاعها للامبراطورية الروسية بعد ذلك. وتبعد مدينة أوديسا عن العاصمة كييف بنحو 750 كيلومترا، وهي لا تبعد كثيرا عن المنطقة الشرقية الأوكرانية التي تشهد نزاعا دمويا.
مناكفات وتحديات
أما في ما يتعلق بالرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي، فإنه من مواليد عام 1967، وقد تسلم رئاسة الجمهورية في جورجيا لفترتين اعتبارا من 2004 بعد قيام ما سمي بـ «ثورة الورود» فيها، وقد أقصي عن الرئاسة عام 2007 بعد قيام اضطرابات في البلاد، ثم أعيد انتخابه عام 2008 بنسبة أقل من الأصوات التي حصل عليها عام 2004. ثم خاضت بلاده حربا مع الروس عام 2009 تم على إثرها استقلال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا، وقامت انتفاضة ضده عام 2010، واتهم بالتفرد بالسلطة وقمع التظاهرات التي احتج فيها المتظاهرون على ما سموه تزويرا للانتخابات، واحتجاجا على سياساته الاقتصادية، وميوله الغربية، ونظرا لعدائه المكشوف للاتحاد الروسي، ما أجبره على الاستقالة.
أما خطوة تعيينه حاكما لمدينة أوديسا الأوكرانية ذات الأغلبية من أصول روسية، فإنها لا تخلو من كيد سياسي ومناكفة، بل وتصل إلى تحد مكشوف ضد روسيا ورئيسها الحالي فلاديمير بوتين. علما بأن ساكاشفيلي ليس غريبا عن أوكرانيا، فهو قد درس المحاماة في جامعة كييف، وتخرج فيها، ثم التحق لمتابعة دراسته في فرنسا، وأكمل ذلك في الولايات المتحدة، وهو يجيد لغات هذه البلدان وغيرها أيضا، كما ويجيد الروسية بحكم استمرار وجود جورجيا ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وعلينا القول إن جورجيا في عهده وفي عهد الرؤساء الذين سبقوه كإدوارد شيفاردنادزة – وزير خارجية الاتحاد السوفييتي السابق لفترة طويلة – وحتى في عهد جوزيف ستالين، الجورجي والحاكم المطلق لعدة عقود في الاتحاد السوفييتي، لم تستكن يوما ودأبت على الاضطراب والتمرد، حيث سادت وتسود فيها بيروقراطية عميقة، ولم تستطع أغلب الإدارات فيها التغلب على الرشوة والمحسوبية والتهريب والفساد، بحسب ما ذهب إليه بعض المحللين المتخصصين، كالفرنسية هيلين كارير دانكوس التي أصدرت كتابين عن جمهوريات الاتحاد السوفييتي قبل تفككه، حيث وصفت جورجيا «بالأزعر المشاغب» في ذلك الفضاء السوفييتي الواسع.
لذلك فإن تجربة ساكاشفيلي في إدارة أوديسا ومنطقتها، ستكون محط متابعة وتدقيق من قبل جهات عدة، خصوصا من قبل الرئيس الأوكراني بوروشينكو وحلف الناتو والقيادة الروسية بطبيعة الحال، وستتعرض قيادة ساكاشفيلي إلى مضايقات وتحديات واضطرابات ومشاكل قد تصل إلى العنف.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ