نزار بولحية لم يكن صباح اليوم الأول من شهر أكتوبر عام 1985 مثل غيره من الصباحات الهادئة في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس، إذ خرق سرب من طائرات سلاح الجو الإسرائيلي سكون بلدة حمام الشط مغيرا على مقر منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك في استهداف مباشر لقياداتها التي وصلت قبل ما يناهز الثلاثة أعوام من بيروت بعد حصار طويل وشاق . ورغم فشل العملية في تحقيق أحد أهم أهدافها وهو رأس الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي تفادى في اللحظات الأخيرة التواجد بالمقر ساعة الغارة إلا أن الحصيلة كانت ثقيلة على مستوى الأرواح البشرية التي سقطت ومن حيث الآثار النفسية والسياسية التي تبعتها. وهنا لابد من الإشارة الى نقطتين مهمتين: الاولى هي ان غارة ‘حمام الشط’ خلّفت انطباعا عاما لدى معظم التونسيين على أن القضية الفلسطينية لم تعد شأنا هامشيا يشغل بالأساس دول ‘الطوق’ القريبة جغرافيا من الأراضي المحتلة، وأنها زادت من مقدار ارتباطهم العضوي بتلك القضية، بعد أن ظل طيلة السنوات التي سبقت قدوم الفلسطينيين عاطفيا وروحيا بالأساس.أما النقطة الثانية فتتعلق بالمخاطر التي باتت مطروحة على طاولة الأمن القومي لتونس والتي ارتفع سقفها إلى مستويات أعلى من هواجس الجوار الإقليمي المعروفة (الخلافات الحدودية القديمة مع الجزائر والمغامرات المفاجئة لنظام العقيد الليبي الراحل).غير أن ما يمكن ملاحظته في هذا الصدد هو ان حالة الانغلاق التي كانت تعيشها البلاد لم تكن لتسمح للسلطات السياسية أن تلتقط وبالسرعة المطلوبة المؤشرين اللذين خلّفتهما الغارة أي مسألة مشاعر التونسيين تجاه القضية الفلسطينية ثم التحديات الجديدة التي أصبحت مطروحة على طاولة الأمن القومي ولعل هذا الأمر هو ما جعلها تنتهج سياسة الهروب إلى الأمام عبر المبالغة في الحديث عن ‘انتصار ديبلوماسي’ في مجلس الأمن الذي صوت أعضاؤه على قرار يدين الغارة ويطالب الاسرائيلين بتعويضات.لكن بعيدا عن كل تلك التداعيات فإن الجانب الأهم في الصورة يبقى موقف القوى العظمى ‘الصديقة’ وتحديدا ‘الحليف’ الأمريكي الذي أعطى الضوء الأخضر للاسرائيلين للقيام بالغارة دون أن يضع في حساباته أي اعتبار لانعكاسات محتملة لتلك الخطوة على صورته في تونس وباقي الدول العربية ‘المعتدلة’، وأيضا دون ان يدرس جيدا التأثيرات المتوقعة على نظام بدأت مصداقيته بالتآكل مع مرور الوقت . أن ذلك الموقف الأمريكي الذي فضّل إرضاء ‘الشقيق’ على مراعاة ‘الصديق’ قد لايكون في حد ذاته المبرر الإضافي الوحيد لما حصل بعد سبعة وعشرين عاما على غارة ‘حمام الشط’ من أحداث عنف أمام وداخل أسوار السفارة الامريكية بتونس، ولكنه يظل جزءا مهما في فهم الوقائع التي حدثت مساء الرابع عشر من سبتمبر الماضي واستتباعاتها على العلاقات التونسية الأمريكية على المدى القريب والمتوسط.لقد تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع الشأن التونسي وفق قاعدة تفترض ان المصلحة تقتضي ان ‘لا تضع كل بيضها في سلة واحدة’، وفتحت بالتالي قنوات اتصال متعددة مع النشطاء الحقوقيين ومختلف التيارات السياسية المعارضة في نفس الوقت الذي كانت تدعم فيه نظام الاستبداد مع إدراكها ومعرفتها الدقيقة لحجم الانتهاكات والخروقات التي كان يرتكبها. ان هذه الوضعية سمحت للطرف الأمريكي بهامش واسع للمناورة وبعثت في المقابل رسائل طمأنة مزدوجة لكلا الفريقين. واستطاع الأمريكيون بمهارة ودقة عالية افتقدها الشريك الاقتصادي الأول لتونس ونعني به فرنسا، ان يرفعوا أيديهم عن نظام بن علي في الوقت المناسب وبطريقة فيها قدر كبير من ‘النعومة’ والديبلوماسية المخملية التي لخصها تصريح هيلاري كلينتون قبل ايام قليلة من فرار بن علي بان ‘بلادها تقف مع الشعب التونسي’.ولم يكن صعود الإسلاميين الى السلطة عقب الانتخابات التي جرت العام الماضي تحت مراقبة دولية شملت مختلف المنظمات والهيئات المختصة بما فيها ‘مركز كارتر لمراقبة الديمقراطية’ بالأمر المفاجئ، إذ أن الإدارة الأمريكية كانت تعرف جيدا أن حزب النهضة الإسلامي هو الأوفر حظا في الفوز بأي استحقاق انتخابي نزيه وشفاف.لكن رغم الترحيب الرسمي والإعلان المستمر عن نوايا الوقوف مع الحكومة الجديدة لتجاوز العقبات والصعوبات العديدة التي واجهتها، فإنها تعاملت بشي من الحذر والتردد واكتفت عوض الدعم الاقتصادي المباشر بمجرد تقديم ضمانات قروض في الأسواق المالية الدولية. ولم تكن هناك صعوبة لان يدرك المتابع للساحة السياسية في تونس على ان هناك حالة من الجفاء والشكوك المتبادلة في علاقة الطرفين ببعضهما البعض وذلك رغم الاتهامات المتتالية التي رفعها ويرفعها جانب من المعارضين لحركة النهضة على أنها تنفذ أجندة خارجية وتخدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وصولا حتى الإدعاء عن اعتزامها السماح بوجود قواعد عسكرية أمريكية في الصحراء التونسية. ولئن كان من الواضح أن للجانب الأمريكي تحفظات فإن تسلسل الأحداث منذ ما يقارب التسعة أشهر هي حتى الآن عمر الائتلاف الثلاثي الحاكم يدل على أن هذا الجانب قد حدد للفريق الجديد العدو المشترك الذي ينبغي محاربته والذي هو وفق المقاربة الأمريكية ‘الإرهاب’ أو ما يقابله على الأرض في تونس ‘السلفية’. ويمثل هذا الامر استنساخا رديئا للسياسة الأمريكية السابقة التي كانت تقوم على أساس التعامل مع نظام بن علي كونه الحليف الوثيق للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب الإسلامي. أما على الجهة المقابلة فيبدو أن حركة النهضة وهي الشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم على وعي بدقة وصعوبة التعامل مع هذا الملف، فهي لا تريد أن تفقد صفتها كحركة سياسية ذات مرجعية إسلامية، كما أنها لا تريد أيضا أن تخسر الدعم الأمريكي المهم خصوصا في هذه المرحلة الانتقالية وتشير ردة الفعل القوية التي تعامل بها الأمريكيون مع أحداث السفارة والتي تجاوزت التحذير من زيارة البلاد إلى الضغط من أجل شن حرب مفتوحة على التيارات السلفية، إلى أن الإدارة الأمريكية قد حسمت أمرها وقررت حشر الإسلاميين في تونس في المربع القديم الذي كان يديره نظام بن علي .وهي بذلك تضمن وعلى ضوء تصرف الطرف المقابل أمرا واحدا على الأقل من اثنين:إما اندلاع مواجهة إسلامية إسلامية تسمح لها بالتخلص من التيارات الدينية المتشددة التي لها ارتباطات خارجية بالقاعدة على وجه التحديد، وإما إضعاف موقف حركة النهضة ذاتها عبر تقديمها للرأي العام كحركة دينية متشددة غير قادرة على تحقيق تطلعات التونسيين في التنمية. ولكن الشيء المهم الذي قد يعيد خلط الأوراق لصالح حركة النهضة، هو افتقاد الأمريكيين لطرف آخر بديل يمتلك ثقل الشارع والقدرة على إدارة المواجهة مع السلفيين لا من جانبها الأمني فقط بل من جوانبها الفكرية والعقائدية أيضا.لقد قامت الولايات المتحدة قبل سبعة وعشرين عاما بتستّرها على جريمة ‘حمام الشطّ’ بغدر ‘الصديق’ وهاهي الآن وبعد كلّ تلك السنوات تثبت مرّة أخرى أن صداقتها تبقى دائما لغما قابلا للانفجار، وفي كلّ اللحظات. ‘ كاتب صحافي من تونس