بحسب المقررات الدراسية فإن محمد علي باشا هو باني دولة مصر الحديثة، وهو ما يعني بالضرورة أن مصر لم تكن تحمل خصائص الدولة الحديثة إلا بوصول محمد علي إلى سدة الحكم فيها.
حين نتجاوز التحفظات المشروعة على هذه النقطة التي تحوي مغالطات كثيرة سيفاجئنا سؤال آخر: هل فعل الباشا ما فعل حباً في المصريين، أم حباً في تمجيد نفسه وخلق حكم عضودٍ يمكن توريثه لعائلته جيلاً بعد جيل؟
الثابت أن محمد علي كان المروّج الأول لمقولة إنه باني الدولة الحديثة، وهو ما كان يردده لدى لقاءاته بالدبلوماسيين والمسؤولين الأجانب، الذين نقلوا عنه في ما كتبوه عن تلك الحقبة، أنه كان يتصور نفسه مخلصاً أرسلته السماء لإنقاذ مصر وشعبها ونقلهما لمصاف الدول المتقدمة.
هذا الحب الغامض لمصر الذي تناقله المؤرخون منذ الرافعي، الذي تحدث في كتابه «عصر محمد علي» عن جهاد محمد علي في سبيل حصول مصر على استقلالها الوطني، ذلك الحب يمكن أن يصبح مثار تساؤل، فهل كان محمد علي يؤمن بالحرية كقيمة، لذلك سعى لخلق ملك خاص بالمصريين وحدهم وباستقلال عن الباب العالي؟ هل يــــبدو مقنعاً أن الباشا الذي ناضل من أجل استقلال العرش المصري كان نفسه الذي نفّذ التوجيهات العثمانية بضرب محاولات الاستقلال في اليونان؟
نظرية «الحب» هذه لا تصلح لتبرير التاريخ الذي يشير إلى أن محاولات أخرى من قادة آخرين كانت تهدف هي الأخرى لخلق أوطان مستقلة أو شبه مستقلة يتم توريثها للأبناء والأحفاد، فقط كان محمد علي هو الأوفر حظاً والأكثر نجاحاً في ذلك. الحديث عن الدولة المصرية يحمل أيضاً بعداً مختلفاً، ففي ذلك الوقت لم تكن الحدود هي الحدود، وكانت حدود الحكم هي المنطقة الأخيرة التي تستطيع التوغل فيها، ما يعني أن مصر في خاطر محمد علي كانت تشمل ليس فقط ما يعرف حالياً بالجمهورية المصرية، ولكن أيضاً بلاد الشام ومنابع النيل وحتى الحجاز، وقد خاض في كل تلك المناطق حروباً ونزاعات جاء بعضها بتنسيق مع السلطان العثماني، كالحرب على الوهابية في الحجاز وعلى الثوار اليونانيين.
هناك وجهة نظر ترى الأمور بعين مختلفة، حيث تعتقد أن محمد علي كان لا يركز إلا على وادي النيل، وأنه حتى توجهه إلى سوريا كان بهدف خلق منطقة استراتيجية تفصل بين العمق العثماني ودولته الوليدة.
العلاقة بين والي مصر والسلطان العثماني كانت في ما يبدو علاقة معقدة، حيث كان محمد علي جزءاً من السلطنة العثمانية، وحالماً بالاستقلال عنها في الوقت ذاته ، مقدماً خدمة التدخل السريع للباب العالي، حينما يحتاج ومنقلباً عليه بقوة في 1831 حينما وجه جيوشه لضم منطقة الشام داخلاً في حرب عنيفة مع السلطان وجنوده، لكن التناقض هو أيضاً من جانب السلطان العثماني الذي أعجبته قوة واليه، لدرجة أنه حاول أن يعهد إليه بمهمة تدريب الجيش العثماني كله وتطويره على غرار الجيش المصري. هذا الإعجاب أدى من ناحية للاستعانة بجيشه الحديث ومن ناحية أخرى للتخوف من طموحه غير المحدود.
وفي عام 1828 دخلت العلاقة بين الطرفين نفق التحدي، حيث لم يحرّك محمد علي جيشه لمساعدة السلطان في صد هجوم الروس الكاسح على مناطق مولدوفيا والقوقاز، رغم طلب السلطان، وفي ابتزاز اشترط مقابل ذلك الحصول على ولاية الأناضول. تعقّد هذه العلاقة نبع أيضاً من تناقض المشروعين، مشروع السلطان محمود الثاني الذي حاول بدء إصلاحات على امبراطوريته من أجل تقويتها وتثبيت أركانها عن طريق تقوية المركز، ومشروع محمد علي باشا الذي أراد لإقليمه أن يكون أقوى حتى من الأستانة.
لا شك أن الوالي الطموح قد تردد لفترة طويلة قبل أن يتمرد على السلطان العثماني، فقد كان الأخير بحسب غالبية العامة سلطاناً للإسلام وأميراً للمؤمنين، وكان يعلم ما لأئمة المساجد مثلاً من أثر، إذا ما تم توجيههم للنظر إليه على أنه خارج لا يستحق الولاء ولا الطاعة، وهو ما حدث بالفعل إبان اشتداد الأزمة بين والي مصر والسلطان.
بالنسبة لمحمد علي فإن سياسات الباب العالي لم تكن مدروسة بشكل جيد وغلب عليها الاندفاع وهو ما سيؤثر ليس فقط على السلطنة التي تتهاوى، بل على الولاية المصرية شبه المستقلة التي تورطت في حرب اليونان ومعاداة الدول الأوروبية المتحالفة مع الرعايا من النصارى الباحثين عن الاستقلال. ذلك التورط سيفقد باشا مصر ترسانته البحرية وعتاده الذي جمعه عبر السنين.
قراء سيرة حياة الباشا هم أيضاً متناقضون، فكل قد رأى تلك الشخصية بحسب ما أراد، لكن القراءة الأطرف كانت في محاولة تصويره باعثا للقومية المصرية (أو العربية) وهو الحاكم الذي كان لا يتحدث العربية ولا يفتخر بلغة غير التركية، التي كانت لغة رسمية تترجم إليها جميع مكاتبات الدولة.
المتدينون من الكتاب والمفكرين كانت لهم قراءات متفاوتة بين من اعتبر محمد علي حريصـــــاً على الإسلام، رغم اختلافه مع القيادة الإسلامية، وبين من اعتبره مجرد مبتدع وخائن كالإمام محمد عبده، الذي انتقده بقوة وهو يعتبر أن حملات محمد علي ضد خليفة المسلمين، هي التي أظهرت ضعف الدولة المسلمة، ما جرأ الأوروبيين لاحقاً على التدخل في شؤونها وقضم بعض أجزائها. محمد عبده وعلى صفحات مجلة «المنار» انتقد بقوة الحرب التي أعلنها والي مصر على الوهابية، التي كانت بالنسبة له حركة للتجديد والإصلاح الديني في الجزيرة العربية، كما اعتبر أن محمد علي هو أول من مهّد لتنحية الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الغربية مكانها.
ربما يكون محمد علي قد فعل كل ذلك، كما قد يكون فعلاً من المتأثرين بفرنسا التي فتنته بجيشها النابليوني، كما فتنته بعلومها وحضارتها وطريقتها في سن القوانين. بالنسبة إليّ حاول محمد علي نقل مصر إلى الحضارة عن طريق اقتباس المثال الفرنسي بكل ما فيه وتنزيله على واقع مغاير، ولذلك فقد كانت العقبة الأولى التي واجهته هي عقبة الشعب نفسه والسكان الذين كان التجنيد الإجباري غريباً عليهم فقاوموه كما قاوموا جميع مشاريع التحديث الاجتماعي وهو ما أدى إلى فرض تلك «الإصلاحات» بالقوة.
علينا أن نحذر هنا من إظهار محمد علي متأثرا وحيدا بفرنسا فقد تأثر العالم الإسلامي كله وقتها بجيش الفرنسيين وعلومهم، كما تأثر قبله السلطان سليم الثالث الذي حاول خلق توليفة تقتبس من الغرب ولا تتماهى معه، فقام بإدخال تعديلات على نظام الجيش استفاد منها محمد علي نفسه، وهو يعد نواة الجيش الجديد.
هنالك الكثير من الكتب التي حاولت تحليل شخصية هذا الرجل الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، لكنها لم تختلف على شىء قدر اختلافها حول إجابة السؤال الأول والأهم: هل كان منشأ كل ما فعله ذلك الزعيم هو الطموحات الذاتية التي تنحصر في مجده الخاص هو وأسرته، أم أنه أحب فعلاً مصر وأراد أن يجعل منها ملكاً خاصاً ووطناً فريداً..؟
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح