القاهرة ـ «القدس العربي»: ضمن برنامج مزج لعرض الأفلام التسجيلية الذي أقيم في قاعة سينما زاوية في القاهرة، عرض الفيلم التسجيلي «بروفايل أمينة»، للمخرجة الكندية Sophie Deraspe، الفيلم الذي لم يعرض كثيراً حول العالم، لم تذكر تفاصيل حول أحداثه أو ابطاله ضمن جدول عروض البرنامج، واكتفى القائمون على التنظيم بدعوة الجمهور إلى مشاهدة فيلم يكتشفون موضوعه عندما يشاهدونه، حالة من الغموض المبالغ فيه أحاطت عرض الفيلم الذي امتلأت صالة السينما عن آخرها في العرض الأول والوحيد له ضمن البرنامج، والواقع أن الفضول الذي يدفعنا للبحث عن حقيقة هذا الفيلم قبل مشاهدته، قد يفصلنا كثيراً عن معايشة أحداثه على الشاشة، وتباين ردود أفعال صالة العرض يشهد أن كثيرا من الحضور لم يثره فضول البحث عنه وجاء يكتشف بنفسه من هي أمينة عارف.
تكشف لنا المشاهد الأولى من الفيلم هوية الفتاة السورية التي تدشن صفحة على الإنترنت تعلن فيها عن مثليتها الجنسية، وتطلب من الجميع التضامن معها ضد مجتمع لا يعترف بالاختلاف، تجذب أمينة وقصتها قطاعا كبيرا من القراء الذين يناضلون معها إلكترونياً، ومنهم فتاة كندية تدعي ساندرا تنشأ بينها وبين أمينة علاقة عاطفية عن طريق الإنترنت والمراسلات البريدية، تعيد صياغتها المخرجة من خلال مشاهد تمثيلية متخيلة عن علاقتهما الجسدية، في الواقع لم تقابل ساندرا أمينة وجها لوجه، علاقتهما اقتصرت على التخيل، حيث يفتتح الفيلم في غرفة تجمع فتاتين تتجردان من ملابسهما ببطء، مع تعتيم كامل لملامحهما وتجريد المكان والزمان، الذي هو في الواقع زمان ومكان افتراضي، ثم تنتقل بنا الكاميرا إلى منزل ساندرا التي تبدأ في مواجهة الكاميرا وسرد قصة تعارفها مع شخصية امينة عبد الله عارف، على صفحتها التي تحمل اسم «فتاة مثلية في دمشق»، التي تعترف فيها بمثليتها وتطلب التضامن معها، وتروي ساندرا أن المدونة في أيام قليلة أصبح يتابعها آلاف القراء من جميع أنحاء العالم، وتواصل أن امينة تعرضت للاختطاف أثناء مشاركتها في إحدى المظاهرات التي اندلعت في دمشق مع بداية الثورة السورية، حيث أعلنت إحدى أقارب أمينة على صفحتها أنها اختطفت من جانب قوات النظام السوري، تستغل المخرجة حالة الإيهام التي وقع فيها المشاهد بفيديو يتضمن واقعة اختطاف فتاة في وسط دمشق صور عن طريق الموبايل من إحدى النوافذ على أنها امينة عارف، وبالفعل تبدأ ساندرا ومتابعو صفحة أمينة في تدشين حملات عديدة للمطالبة بالإفراج عن أمينة عارف التي عرفت عن نفسها بأنها فتاة سورية أمريكية، لذلك تهتم الكثير من الصحف الدولية ومنظمات حقوق المثلية الجنسية وتتداول صور لأمينة، حتى تخرج فتاة تدعي بريتا فروليشر من شرق أوروبا تعلن أنها استيقظت ذات يوم لتجد صورها متصدرة معظم الصحف العالمية.
من هي أمينة عراف، صدمة جمهور صالة العرض لا يختلف عن صدمة المتضامنات مع أمينة، فتيات من تركيا وإسرائيل وكندا وأمريكا تروي كل منهن قصة اعجابها بشجاعة تلك الفتاة العربية التي استطاعت الإعلان عن هويتها، لكن المخرجة لازالت تسيطر على حيرة المشاهد من خلال الكاميرا التي تلهث خلف فتاة نحيفة طويلة القامة تتنقل من شارع إلى آخر، من دون أن تكشف حقيقة شخصيتها، معلنة أن الشخصية الوهمية التي تدعى أمينة عارف مجرد نموذج او انعكاس ظلي لشخصيات أخرى مجهولة بالنسبة لنا.
الصور التي خدعت ملايين الناس حول العالم، بما فيها صحف عالمية كشفت هذه القضية عورات الوسيط الصحافي والإعلامي، الذي لا يتحرى المهنية في تداول الأخبار، أو التحقق من صحتها، خاصة مع الانتشار المرعب والسريع للأخبار على شبكة الإنترنت، وإمكانية استغلال الساتر الفضائي لنسج قصص وأخبار وصور غير حقيقية، ليست فقط المؤسسات الصحافية التي وقعت في فخ سرعة تداول الخبر، بعض جمعيات حقوق الإنسان والمثلية الجنسية في أمريكا أعلنت تضامنها مع شخصية ليس لها وجود، الاحتجاح والمطالبة بالحريات واستدراج تعاطف الأخرين، أصبح السلاح الأكثر رواجاً لتهييج العالم، بعد أن أعلنت بريتا فروليشر أن الصور المتداولة تحت اسم امينة عارف، هي صورها الشخصية، قامت صحيفة «الغارديان» البريطانية بالاستقصاء عن حقيقة من هي امينة عارف التي أصبحت حديث العالم، حتى أعلن شخص أمريكي اسمه توم ماكماستر مقيم في اسطنبول أنه صاحب مدونة «مثلية في دمشق»، وأن لا وجود لأحد يدعى أمينة عارف، حيث انهارت أحلام ساندرا التي جمعتها قصة حب مع شبح إلكتروني، وأصرت على الذهاب إلى اسطنبول لمقابلة توم، الذي أكد لساندرا أن القصة التي اخترعها لم يتوقع أن تثير العالم إلى هذا الحد.
بانتهاء القصة هل تدفن شخصية امينة عارف؟ إن القصة التي بدأت بمزحة ثقيلة الظل لم تنتهي عند حدود اعتذار صانعها أمام العالم، فبطلة القصة إن لم تدع امينة، لها اسماء عديدة ليس في دمشق فقط ولكن في معظم بلدان الشرق الأوسط، تختلف التفاصيل والصورة ويبقى المضمون واحد، فمنذ أيام قليلة كشفت قصة أخرى تتماس تفاصيلها مع قصة أمينة عارف، الطفلة السعودية سارة ابراهيم التي تعاني من مرض السرطان والتي انتشرت صورها على شبكة الإنترنت اثناء فترات علاجها، وبلغ حد التعاطف معها إعلان شخصيات ووزراء وأمراء كثيرون رغبتهم في التبرع لعلاجها، على مدار عام كامل استدرجت صورها مشاعر متابعيها حتى اكتشفت حقيقة الصور أنها لطفلة من شرق أوروبا وأن هذا البروفايل مزيف ،هكذا يمكن خداع العالم عبر الوسيط الافتراضي، روايات كثيرة هزت مشاعرنا وشككت في استقرار أنظمة بعينها، اللهاث وراء الظواهر، خاصة التي ترتبط بالاضهاد الجسدي والجنسي في الوطن العربي، أصبح آفة الوسائل الإعلامية التي اهتزت هي أيضاً مصداقيتها في تداول الأخبار في عيون متابعيها، فهل هذا انعكاس لحالات من المرض النفسي عند البعض أم أنها لعبة امنية تدير وجه العالم عن انتهاكات أكثر شراسة.
رانيا يوسف