الفضائيات في رمضان، تجسيد حقيقي لمفهوم «فوضى الحواس» بعيدا عن مقاصد السيدة أحلام مستغانمي.
والأيام الأولى للعربي فيها مشقة، لا في الصوم فقط، بل في تحديد أولويات مذاقاته في المشاهدة وترتيبها بل وتحديد جدول يومياته حسب مواعيد البث والإعادة!!
الانترنت دخل على سوق الفضائيات كسوق مواز تقريبا، فما يفلت منك كمشاهد يمكن متابعته على الانترنت وإن بجودة أقل أحيانا.
انطلق سباق رمضان الفضائي، بجو محموم من المنافسة، الدرامية والبرامجية، والانحطاط البرامجي سيد الموقف.. أما الدراما.. فخليط عجيب غريب من النجوم والقصص واللهجات والتاريخ، إنها الفانتازيا أيها السادة، فانتازيا العالم العربي بكل امتياز.
ولأني قررت هذا العام، أن أزيد جرعة المحلية الأردنية بحكم المنشأ، فقد اخترت طبعا تلفزيون «رؤيا» الذي قدم نفسه منذ سنوات كمحطة أردنية متميزة، تتحدث بعقلية الشباب الأردني المعاصر!!
ولفت انتباهي في وقت ما قبل أذان المغرب (الأذان نفسه صار أكثر ما يطلبه المشاهدون)، ساعة كوميديا على تلك القناة الأردنية، وهي ساعة من فقرات برامجية محلية تقدم نفسها على أنها كوميديا أردنية!!
أولا، أنا مع أي انتاج كوميدي أردني محترم، يكسر الصورة النمطية عن الأردنيين كشعب صاحب كشرة وعبوس، ويخرج بالدراما الأردنية عن نمطية المسلسل البدوي الكلاسيكي الذي اشتهر به عربيا في عصر ما قبل الفضائيات (حمدان يغار من حمد لأنه ابن الشيخ ويحب حمدة التي تكره حمدان الذي يستعين بحميدان في الفتنة بين أفراد القبيلة.. ويضيع حمد بين قبائل أخرى ليعود بطلا في قبيلته بعد الغزو ويتزوج حمدة طبعا وينجبان حمود.. وهو مشروع بطل لمسلسل بدوي مقبل).
ثانيا، هنالك خط واضح يفصل الكوميديا والأدب الساخر عن التهريج والمسخرة، والكوميديا كما الأدب الساخر، أصعب أنواع الفنون، أما الخروج بساعة هواء مباشر للحديث الفارغ من أي محتوى وبتكلف مصطنع، فهو صناعة سهلة في عصر الفضائيات.
ثالثا، وهو الأهم، فإن رأس المال الواعي لما ينتج ويقدم، عملة نادرة على ما يبدو في عالمنا العربي، وهناك رأس مال خبيث يقصد ما ينتج، وهناك رأس مال غبي وأحمق، ينتج ما يرضي صاحبه .
من هنا لا أرى في ساعة كوميديا التي تقدمها «رؤيا» بأغلبها إلا حالة سطحية مفضوحة، كأن الشباب الذي يقتحم الشاشة علينا في تلك الساعة شلة أصحاب وأصدقاء، استطاعوا الوصول إلى صاحب رأس مال المحطة، عبر أحد اولاده مثلا، فصارت ألعابهم الشبابية وأحاديثهم في المقهى مادة صالحة للإنتاج الفني كما اعتقدوا.. وكان ما كان.
لكي أكون منصفا، فقناة «رؤيا»، على الجانب الآخر، قدمت ولا تزال مادة انتاجية برامجية محترمة انتشلت الإعلام التلفزيوني الأردني من وحل الإعلام الرسمي المحكوم برؤية الحكومة على أضيق ما يمكن، ورفعت السقف من خلال برنامج اسمه «نبض البلد» مثلا. وحين أقارن بين إنتاج محترم مثل «نبض البلد» كبرنامج حواري جريء، مع ساعة الإسفاف الكوميدي أتخيل أن للمحطات الفضائية أيضا حالات انفصام في الشخصية والهوية!!
«شيزوفرانيا» عادل إمام
وها هو عادل إمام، يعود من جديد وعلى التوالي هذا العام، بمسلسل جديد، يثير الضجة من حلقاته الأولى، وبقصة جديدة تضعه النجم الأوحد، وبطل الجماهير وبصورة فانتازية يستغل فيها الممثل المصري العتيق أدواته نفسها التي لا تتجاوز استخدام عضلات الوجه في محاولات الإضحاك، والجملة السياسية السطحية المباشرة، مع استثمار الأحداث الواقعية كخلفية للقصة.
في أحد المشاهد من الحلقة الثالثة، يلقي عادل إمام المواعظ كشخصية «يسارية» وينتقد نظام مبارك، ويسخر من المطبلين والمزمرين للنظام السابق للرئيس المخلوع!!
ضحكت.. لكن لا على الكوميديا التي لم أجدها في المشهد، بل على «شيزوفرانيا» أخرى ألمت بالذاكرة الجمعية التي نحملها جميعا. عفوا.. ألم يكن عادل إمام نفسه من مطبلي نظام مبارك في عز قوته؟
رامز والكاميرا الخفية المخيفة
رامز، فعلا واكل الجو. ببرنامجه الذي يتصاعد موسما بعد موسم بكمية الرعب فيه، حتى صرت لا أتخيل الموسم المقبل أو الذي بعده إلا بإلقاء الضيوف من الفضاء الخارجي ليحترقوا في الغلاف الجوي مثلا!!
فكرة الكاميرا الخفية أو المخفية والمقلب الطريف اللطيف، فكرة أمريكية ابتدعها الأمريكي «آلان فونت» أول مرة على الراديو بمسمى الميكرفون الخفي عام 1948، وفي العام نفسه نقلها للتلفزيون واستمر فيها حتى السبعينيات من القرن الماضي.
العالم كله بعدها، بتلفزيوناته نقل الفكرة بصيغ محلية خاصة به، وكذا في العالم العربي الذي قدم نسخا متفاوتة بين النجاح والطرافة والفشل مع السماجة.
بعد الفضائيات، تنافست الفضائيات في ابتكار أفكار حتى جاء رامز جلال، بفكرة الرعب كمحتوى.. ويبدو أن الأمور تطورت إلى اتفاقات مسبقة مع الضيوف (وهم ممثلون غالبا) لتقديم حشو فضائي بلا معنى تحت مسمى ترفيه.
وسلي صيامك يا صايم.
«النابكن» على سنة الله ورسوله
« نحط الفانوس.. بصينية إلها عمق. وإذا بتلاحظي احنا مستعملين فناجين القهوة السادة بالتزيين.. وهون فكرة كيف نلف النابكن بطريقة رمضانية».
هكذا قالت السيدة المدججة بالألوان المطرزة على قناة عربية.. وهي تعلمنا كمشاهدين، لزوميات ما لا يلزم… وتحديدا عملية لف (مناديل السفرة) النابكن على سنة الله ورسوله.
كاتب من الأردن يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة