بعد بضعة اشهر من موت اسحق شامير، توجهت إلى بلدية تل ابيب بطلب تسمية شارع إلى اسمه. وكان الجواب أنه حسب الاجراءات فان أي طلب للتخليد يتم النقاش فيه بعد سنتين من وفاة الموصى به. عُدت وطلبت بعد سنتين، وكان الجواب أن لجنة الاسماء تم حلها، وأن الموضوع سيتم النقاش فيه فيما بعد.
لقد مرت ثلاث سنوات منذ موت رئيس الحكومة اسحق شامير ـ في 10 تموز، الساعة العاشرة صباحا، سيقام احياء للذكرى له ولزوجته شولاميت بالقرب من قبريهما في مقبرة كبار الأمة في جبل هرتسل ـ وحتى اليوم لا يوجد في المدينة الكبيرة، التي عاش وعمل فيها، شارع على اسمه. وسبب هذا الاهمال الغير مبرر هو رئيس الحكومة السابع، وتغييب الموضوع عن الحوار الجماهيري.
في تاريخ الدولة، يبدو أن اسحق شامير هو رئيس الحكومة الاكثر اجحافا من بين رؤساء الحكومات المتوفين. ولغاية الآن عندما يتم ذكر اسمه في وسائل الإعلام فانه يُقال عنه «اجلس ولا تفعل شيئا»، «الوضع القائم»، الشخص الذي «يذهب إلى النوم في الظهيرة في منتصف يوم العمل» وغير ذلك.
لقد سجل اسحق شامير قائمة انجازات استطاعت قلة فقط من بين زعماء إسرائيل تسجيلها: الحرب ضد الانتفاضة بلا هوادة، ودفع م.ت.ف وعرفات إلى الدرك الأسفل، واقامة عشرات الاحياء السكنية في كل أرجاء إسرائيل، واقامة العلاقات الدبلوماسية مع 30 دولة بما فيها الصين والهند، وتعزيز مكانة إسرائيل في العالم والمبادرة إلى السلام، بما في ذلك مؤتمر مدريد، ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة نمو بلغت 6 بالمئة، تقوية الايمان بعدالة الطريق الصهيونية والحق في ارض إسرائيل الكاملة.
لكن الانجاز الذي اعتبره شامير الافضل كان الهجرة الكبيرة من الاتحاد السوفييتي ومن اثيوبيا. نصف يوبيل مر على بداية موجة الهجرة الكبيرة التي ترتبط بسقوط النظام الشيوعي في روسيا الذي دفع مليون شخص للمجيء إلى إسرائيل. يمكن القول إن هذه الهجرة قد أنقذت الدولة. الكثير من القادمين الجدد لم يعتبروا أنفسهم صهاينة وانما أرادوا بناء حياتهم من جديد في الغرب. وهنا دخل رئيس الحكومة إلى الصورة وبادر إلى خطوة سياسية وصهيونية منعت تعريف الذين خرجوا من الاتحاد السوفييتي كمهاجرين أو لاجئين، ودفع باتجاه قدومهم إلى إسرائيل.
بفضل موقفه المصمم في هذا الموضوع، حظي شامير برؤية القادمين الجدد بالآلاف في كل شهر، وتم استيعابهم في مراكز الاستيعاب. ومع ذلك لم يكن شامير مستعد بأي شكل من الاشكال للربط بين الهجرة وبين التنازل عن حق الاستيطان والمستوطنات في كل ارجاء البلاد. وعلى عكس ذلك، فقد ادرك أن هذا التعزيز لإسرائيل بالقوى البشرية اليهودية يستطيع ملء الفراغات على خارطة الوطن. ومع ذلك فان تصميمه حول هذا الموضوع الايديولوجي، حق الاستيطان، تسبب بالضغط الأمريكي الشديد على إسرائيل، الضغط الذي وجد تعبيره في وقف منح الضمانات بمبلغ 10 مليارات دولار من اجل استيعاب الهجرة.
لم يرتدع
بقدر ما كان مصمما في الموضوع الايديولوجي، فقد كان شامير ليّناً وعمليا في الجانب التكتيكي. وقد ظهر هذا الامر خلال حرب الخليج في 1991 عندما قام رئيس الحكومة الاكثر يمينية بكبح وزير الدفاع وقائد الاركان وقائد سلاح الجو، حيث لم يقبل توصيتهم بارسال طائرات سلاح الجو لقصف أهداف في غربي العراق. وقد وافق في هذه الحالة على موقف الرئيس جورج بوش الأب الذي يقول إن التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة هو الذي سيفعل ذلك وسيضع حدا للاعتداءات العراقية برئاسة الدكتاتور صدام حسين، وسيوقف اطلاق صواريخ القسام على إسرائيل.
وفيما يتعلق بمؤتمر مدريد، وبخلاف ما هو سائد، فان ذهاب رئيس الحكومة شامير إلى المؤتمر لم يفرض عليه من الادارة الأمريكية، وقد كان هذا المؤتمر حسب رأيه تكتيكيا وليس مؤتمرا دوليا يلزم إسرائيل بالانسحاب إلى حدود 1967 وتقسيم القدس. واعتبر شامير مؤتمر مدريد منصة لطرح موقف إسرائيل الواضح وفرصة لاختبار نوايا الدول العربية حول التوصل إلى سلام حقيقي قابل للبقاء، بحيث تحافظ إسرائيل فيه على حقوقها في جميع ارجاء البلاد مع استعدادها منح السكان العرب المحليين حكما ذاتيا.
صحيح أن شركاءه في الائتلاف من اليمين قفزوا لمجرد ذهابه إلى مدريد، وتسببوا بازمة ائتلافية، وبالتالي تبكير موعد الانتخابات. لكن شامير لم يرتدع، فقد ذهب بقامة مرفوعة إلى الانتخابات، التي خسر فيها المعسكر الوطني السلطة.
يمكن اعتبار هذا الخطأ للجناح اليميني الاصولي سببا لانهاء حكم شامير. ويمكن ايضا الاشارة إلى الخلافات الشديدة في الليكود، ويمكن أن يكون اتهام دعاية اليسار حول «فساد الليكود» أو التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية الإسرائيلية. لكن السبب الحقيقي لانقلاب حزيران 1992 وصعود اسحق رابين إلى السلطة كان مختلفا. المفارقة هي أن القادمين الجدد الذين ناضل شامير من اجلهم هم الذين تسببوا بسقوطه. كيف؟ حزب العمل في المعارضة قام بتأجيج النار في اوساط من جاءوا إلى البلاد بأنه ليس هناك اماكن عمل لهم. اسحق شامير قال إنه خلال سنتين ـ ثلاث سنوات سيكون لكل قادم جديد بيت وعمل يناسب مهنته. ولم يتوقع رئيس الحكومة شامير أن يدفع ثمنا سياسيا بسبب شكاوى القادمين الجدد. فقد أحضر هو وحزبه إلى الوطن مئات الآلاف من اصحاب حق التصويت الجدد، الذين يسهل التأثير عليهم، وقد ساهموا من خلال تصويتهم الأول بذهاب بضعة مقاعد لحزب العمل في المعارضة، وبالانقلاب الذي وضع حدا لحكم الليكود.
إن فقدان السلطة غير مهم مقارنة مع الانجاز الاكبر لاضافة مليون يهودي إلى دولة اليهود. وقد ساهم شامير بأفعاله بشكل كبير في تعزيز الدولة، التي قادها مدة ست سنوات ونصف. لقد حان الوقت لتخليده، وأن يتم تسمية شارع على اسمه في مدينته تل ابيب مثل باقي مدن إسرائيل.
معاريف 25/6/2015
يوسي أحيمئير