تعود في شهر رمضان إلى الواجهة إشكالية رفع أسعار السلع والبضائع، وتكون الشرارة التي يتجلى للمواطن من خلالها أمام ناظريه « الأبن الشرعي» للسياسات الإقتصادية والإجتماعية التي تتبناها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، بشعار تعزيز صمود المواطن وتثبيته على أرضه، وبممارسة تشفط من جيب المواطن، و تصب في حسابات الشركات التي احتكرت عدة قطاعات إنتاجية دون حسيب أو رقيب.
إن الفجوة مضطردة الاتساع من جهة، بين الهدف الذي خلقت لأجله الحكومة الفلسطينية من تحقيق للأمن المجتمعي والإقتصادي، وحفظ حياة كريمة للمجتمع الفلسطيني تمكنه من الحفاظ على هويته، وكرامته، وتثبت أوتاد الخيام في المناطق المهمشة الواقعة على خط المواجهة.
وفي الجهة المقابلة، سياسات وممارسات لا تمت بصلة للهدف والرؤية سابقة الذكر، والعكس هو الصحيح، على سبيل المثال لا الحصر: قرار مجلس الوزراء الحالي بتخفيض المساعدة المقدمة لحالات الشؤون الإجتماعية المتعلقة بأثمان فاتورة الكهرباء إلى النصف، وكأن حالات الشؤون الاجتماعية في تحسن وإنتعاش!.
ما بين الرؤية والممارسة يمتلك « المسؤول» ورقتين سحريتين، لوهلة ترفع عن كاهله المسؤولية، تتمثل أولا: بالإحتلال وهو سبب موضوعي لكثير من المصاعب التي يواجهها الشعب والقيادة على حد سواء، لكن ضمن معادلة عكسية قوامها: «كلما ارتفع منصبك ومالك قلت متاعبك».
ثانيا: قواعد « السوق المفتوح» التي يحفظ منها المسؤول فقط ما يتعلق بالتنافسية الكاملة، وتعزيز الملكيات الخاصة، فيما تُسقط الحكومة دورها في التدخل بالسياسات التي تحكم السوق، وتراها كثيرا تُقر سياسات تمنح فرص اكبر للشركات الكبرى بإحتكار بعض القطاعات الإنتاجية أو الخدماتية ( الإتصالات نموذجا).
إن الحكومة الفلسطينية بغض النظر من كان وسيكون على رأسها ومن أي لون تنظيمي او أكاديمي يمكنها فعل الكثير مما ليس للإحتلال فيه أي شيء، ويمكنها خلق نموذج إقتصادي مقاوم يجمع بين « السوق المفتوح» وأولويات المجتمع الفلسطيني وإحتياجاته دون رهن مصير المواطن، لشركات كبرى وعابرة وغيرها من المسميات، فكل الظروف في فلسطين إستثنائية لماذا لا تكون سياساتنا الإقتصادية والإجتماعية إستثنائية أيضا.
إن الحكومة الفلسطينية تستطيع، لكنها لا تمتلك القرار بالردة عن ديانة السوق المفتوح، والتوقف عن إتباع نبيها المتمثل في رأس المال.
يمكن للحكومة إبقاء الواقع على ما هو عليه وتشجيع المواطن على شراء شقة سكنية من خلال قرض بنكي يكلفه بالاضافة الى الفوائد ثلث عمره المفترض، وهنا ندعم رجال السوق المفتوح، أو أن تقوم بحشد التمويل وبناء إسكانات عامة وتبيعها للشباب بسعر التكلفة، وهنا ندعم رجال الوطن.
كايد معاري