صدرت رواية «القوس والفراشة» للروائي والشاعر المغربي محمد الأشعري، في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي العربي سنة 2010، وتحكي صفحاتها عن سيرة آل الفرسيوي التي بدأها المؤلف مع عمله الروائي الأول «جنوب الروح»، والعمل انخراط قوي من صاحبه في تسييج راهن فكري واجتماعي واقتصادي يتخبط فيه المغرب بفئاته الحالمة الطامحة، وتنعم فيه الأيادي الملوثة باغتيال الأمل وبث الألم. تبدأ الرواية وسط الأشياء، حيث قطع الراوي لحظته من حياة الشخصية الرئيسة للعمل في نقطة معينة وعند حدث معين شكل افتتاحية النص.
يوسف الفرسيوي صحافي، زوج وأب يتوصل ذات يوم برسالة نعي من سطر واحد تخبره أن ابنه البكر والوحيد ياسين الفرسيوي قد (استشهد) وهو منضم إلى إحدى الجماعات الإرهابية الناشطة في المغرب العربي، ببن صدمة الحدث ونفسه المهتزة يسرد يوسف الفرسيوي كيف تلقى وزوجته خبر وفاة وحيدهما وهو في ربيع العمر، لينطلق بعدها إلى سرد تبعات الحادث من استنطاق واستجوابات للشرطة المغربية، بقصد التعرف على المحيط الذي نشأ فيه الفقيد ـ الشهيد ـ هذا المحيط الذي أخذنا إليه يوسف الفرسيوي نفسه من خلال حكيه عن واقعه، كما يراه، وعن حياته وعلاقته بمجموعة من الأفكار والقيم والمواقف، والأهم من ذلك كله علاقته بمجموعة الشخوص التي التقت على أرض الرواية لتشيد قصرا من الأحلام الواهية، وانحصرت بشكل رئيس في خمس نساء:
ـ امرأة الخيال البعيد ذات الوجه الضائع بين ثنايا الذاكرة وثقوبها،
ـ بهية: الزوجة والأم (25 سنة من الزواج)؛ علاقتها بيوسف متشنجة مبنية على التنظيم المفرط والجمود العاطفي والفكري المتبادل والانسجام التقني الكامل الذي لا مجال فيه لخلل أو اضطراب عاطفي أو لتوجس أو لمفاجأة، مما سيؤول بهما إلى الطلاق،
ـ فاطمة: الصديقة والرفيقة والحبيبة في أوقات كثيرة،
ـ ليلى: الحاضر والماضي والحبيبة التي وقف الفرسيوي زمنا طويلا عاجزا عن الاعتراف بحبه لها بدافع الخوف مما قد يستدعيه بناء حياة جديدة مع شخص جديد بعد كل ما حدث له،
ديوتيما: الأم، انتحرت بعدما ضاقت بها سبل التوافق مع الفرسيوي الكبير، ومع المحيط الصعب الذي تقيم فيه قادمة من بلاد الشعر والحرية ألمانيا.
وأربعة رجال :
ـ ياسين الفرسيوي، أو رجل الأحلام الكبيرة ومن بينها حلم القوس، الابن وفي الوقت نفسه الأمل الوحيد في استمرار السلالة بعد انقراضها تدريجيا، خرج من بيت اشتراكي منفتح ومثقف، إلى عالم غير متوقع، خارقا بذلك كل الآفاق المنتظرة منه، متحولا من مشروع مهندس إلى مشروع إرهابي «ياسين (…) انحدر من صلب اشتراكي مصفى ومات في أحضان الأصوليين».
ـ محمد الفرسيوي، الأب، رجل سكنته فكرة المجد وحلم العائلة الكبيرة المنتشرة في بقاع الوطن كله، يعيش مع ابنه علاقة مضربة بسبب انتحار الأم،
ـ إبراهيم الخياطي: الصديق ورفيق الألم، يعتبره يوسف حجر الزاوية في علاقته بالعالم من خلال مسيرة حياة كان فيها سندا وظهرا يحتمي به وينفذ من خلاله إلى الحياة،
أحمد مجد: الصديق اللدود، اعترت ملامح صداقتهما فترات متغيرة بين المحبة والنفور، تزوج أحمد مجد ببهية طليقة يوسف وأم ياسين بعد فترة من الطلاق وهو صاحب عمارة الفراشة. وقد تشكلت جمالية السرد في الرواية ـ بالإضافة إلى شبكة العلائق القائمة بين شخوصها ـ عبر تواتر عنصرين اثنين دخلا خلال أطوار النص، في علاقة صراع مع بعضهما، وهما الحلم والواقع، أو بتعبير المؤلف: القوس والفراشة.
يحيل القوس في الرواية على نهر أبي رقراق في الرباط من خلال حلم من أحلام ياسين، إذ «كان يحلم بوضع قوس كبير من الفولاذ على ضفتي المصب، قوس يجعل النهر كما لو كان يمر بين أصابع المدينتين (…) مصبوغ بالأزرق كأنه خيط ماء يلعب فوق المحيط»، ثم يحضر القوس مجددا في سياق آخر، حيث يسأل «يوسف الفرسيوي» زوجته «بهية» عن الفكرة التي راودت ولدهما حول قوس المصب حين قال إنه «سوف يركب قوس قزح يجمع بين الضفتين، قوسا يفوق في علوه قصبة الأوداية، تبدأ قاعدته الأولى في ذراع المصب في الرباط، ثم يعلو منها إلى أعلى نقطة في مساره قبل أن ينزل صوب قاعدته الثانية على الضفة المقابلة».
وعن الفراشة، فهي اسم عمارة باذخة بناها « أحمد مجد» الصديق اللدود ليوسف الفرسيوي في مراكش، كان مقررا لها أن تبنى في أربعة طوابق، لكن صاحبها بناها في تسعة حاجبا بذلك رؤية الأطلس الكبير، عمارة تحتوي على شقق فاخرة، تفوق ما يمكن تخيله. وتحضر «الفراشة» عنوانا لفصل من فصول الرواية. القوس والفراشة، هما دلالات في النص لثنائيات كثيرة تدخل مع بعضها في علاقة تضاد؛ الحلم/الواقع، الثابت/المتحول، المستحيل/المتحقق، الخير/الشر. يرمز القوس إلى الواسطة التي تحلم متفرقين ويتسم بالقوة والصلابة، ورغم القوة المعهودة في كل دلالاته إلا أنه يحضر في النص مرادفا للوهن والضعف ووجها من أوجه الهزيمة. أما الفراشة ذلك الكائن الذي يرمز إلى الجمال والهدوء يستحيل في الرواية إلى كائن بشع بطش يتمكن من الانتصار على «القوس/الحلم» الذي يرمز إلى القوة والتعدد والتوغل، ما يؤشر على تغير موازين المنطق داخل المجتمع المغربي لصالح حسابات جديدة، إن ولع هذه الحشرة بالنار واستلذاذها بالاحتراق على لهيبها يمثل في الرواية استلذاذا قائما على حساب واقع مرير تعيشه فئة واسعة داخل دولة الحق والقانون، والمشروع الموسع للديمقراطية التي لا يستفيد منها إلا واضعوه ومن سار سيرهم، على حساب أحلام وهواجس البسطاء وأسئلتهم المبتور جوابها سلفا. هذا ما يعكسه أيضا عنصر التقديم والتأخير في ترتيب جزئي للعنوان، إذ أن عملية التقديم والتأخير تبدو واعية وليست من قبيل الصدفة أو ترتيب الطبيعة على مستوى البناء المورفولوجي، القوس أولا والفراشة تالية، فهل يمكن اعتبار ذلك انتصارا من المؤلف للحلم والفئات التي تعيش على رمقه؟ هكذا إذن، ومع هذه المكونات جميعا تصاعد خط السرد في الرواية من خلال يوسف الفرسيوي (الراوي) الذي انبرى ليصور مجموع خيبات الأمل التي تعرض لها على مر العمر وتنوعت بين السياسة والحب والأسرة والوطن وغيرها.
لتتكسر الأحلام تباعا؛ حلم المجد والعائلة الكبيرة، حلم العيش المشترك والمصير الواحد، وليستشري الألم في جسد الرواية كلها بعدما ذابت الأحلام رويدا واختفت في غيابات واقع قوي ثابت في ذاته متحرك في ذوات الآخرين، وليتشكل يوسف الفرسيوي رجلا بفسيفساء متعددة ومتنوعة والأهم أنها كانت متغيرة ومتقلبة بشكل مطرد. بين القوس حلما باهتا من أحلام ياسين و»الفراشة» واقعا جديدا لمغرب المضاربات العقارية وسرقة التاريخ، ينهض عنوان الرواية مشبعا بالمعاني والدلالات، مثقلا بأحداث أسفرت من خلال تخطيبها عن الاحتفال بالتطلعات والأمنيات والانتصارات الصغيرة المهددة دائما بقبضة واقع متعسف.
باحثة مغربية
مريم الناوي