حوار: فاتن حمودي
لا يمكن لأي سينمائي أن يروي وقائع الأحداث التي تعيشها سوريا، لتسجيل المشاهد المفزعة، وما يتعرض له الناس من دمار وتهجير، ليدخلوا بعدها في المنافي في حلقات عبودية جديدة، وكأنهم يغادرون أمكنتهم إلى قبور مجهولة، هذا ما يود قوله المخرج الشاب زياد كلثوم، في فيلمه الجديد «ديك بيروت»، ويرصد من خلاله حياة وأوضاع 150 عاملا بناء سوريا يعملون في بيروت.
زياد كلثوم يجعل من السينما منصته الفكرية والفنية، بل والحياتية، التي يدين من خلالها ممارسات الحرب والنظام الفاشي، وهو ما يجسده في فيلمه الوثائقي الثاني «الرقيب الخالد»، للخروج النهائي عن سلطة النظام. القاسم المشترك في تجربة كلثوم هو إصراره على الاشتغال، وبجرأة وذاتية قل نظيرها، على موضوعات كانت أشبه بالتابو، وهو ما قام به في فيلمه الأول «آي دل»، (أيها القلب) من خلال طرحه لحكايات كردية من كوباني، وهذا ما لم يتجرأ عليه معظم سينمائيي سوريا في زمن ما قبل الثورة السورية.
حول تجربته، في فيلمه الأخير الذي يعمل عليه اليوم «ديك بيروت»، وخصوصية التجربة، كانت لنا جلسة حوار حول تجربته وموقفه من مؤسسة السينما، ومدينة حمص التي تحوّلت إلى استديوهات تصوير، لمخرجي النظام..
■ حمل فيلمك اسم «ديك بيروت» كيف ولدت فكرة الفيلم واسمه؟
□ كانت بيروت محطتي الأولى بعد أن غادرت سوريا، في هذه المدينة كنت أستيقظ على صوت آلات الحفر والعمران، إنها ديك بيروت الذي يوقظك ضجيجه، وهو عنوان الفيلم الذي أعمل عليه منذ ما يقارب العام. الفيلم يروي حكاية 150 عاملا سوريا، يعيشون في حفرة تحت الأرض، يخرجون منها بشكل يومي على سلّم خشبي ليصلوا إلى مستوى الأرض ويذهبوا إلى عملٍ يومي يتكرر..
حرب وعمران
أضاف كلثوم، الذي دفعني لتسجيل هذه اللحظة هو صوت الحرب التي تدور في سوريا، وأصوات العمران في بيروت، التي جاءت بعد 20 سنة من حرب دامية عاشتها بيروت نفسها، وما يعنيني في هذا المشهد هم العمال السوريون، الذين يعمرون لبنان، ثم يعودون بعد 12 ساعة عمل يومي إلى قبرهم الجماعي تحت الأرض.. تصوري 150 عاملا يعيشون في حفرة تحت الأرض، حين يعودون من عملهم يتابعون أخبار بلدهم من التلفاز، فيرون التدمير وهدم براميل الأسد لبيوتهم ومدنهم وقراهم، هكذا يحملون حزنهم كي يصحوا في اليوم التالي متوجهين إلى البرج الذي يبعد عشرة أمتار ليتابعوا تعمير بناء مكون من 35 طابقا. القاسم المشترك بين البلدين، لبنان الذي تعمّر، وسوريا التي تهدم..
فيلم صامت
يشرد زياد قليلا، ليحدثنا عن رؤيته الإخراجية في هذا الفيلم، يقول «الفيلم طويل، صامت، خال من الكلام، اعتمدت فيه على الصوت، والموسيقى معا، أي الخروج من النص للغة الموسيقى، والفيلم اليوم في لمساته الأخيرة، صورت العمال منذ اللحظات الأولى التي يستيقظون فيها، إلى اللحظة التي ينامون فيها. وعن فريق العمل الذي يعمل معه، قال: «كل فريق العمل ألماني، حتى الموسيقى التصويرية، والمونتاج، والمكساج، أما الصوت فهو صوت الحرب والدمار، صوت آلات البناء، فقد سجلتها آلة آلة، إضافة لصوت الأوركسترا التي ستعمل على صوت الحرب والعمران معا .هذه الفكرة جاءتني بعد بحث كامل قمت به، بيروت عاشت 20 سنة حرب، والآن تعمر، انتهت من ضجيج الحرب، وتدخل في ضجيج العمران، والورقة الخاسرة في الحالين هو العامل السوري. اكتشفت في بيروت، أن العامل السوري هو الذي يعمر، ورغم ذلك يتعرض للقهر، بطريقة العبودية الأقنان، يأخذ 10 دولارات يوميا، مقابل 12 ساعة عمل، وهذا لا يكفيه قوت يومه.
■ في فيلمك «الرقيب الخالد»، كان الخوف والأمراض النفسية سمة أبطالك، ماذا عن معاناة العمال وخوفهم في «ديك بيروت»؟
□ نعم الخوف، وربما الفوبيا من البوح، العمال كانوا خائفين من الكاميرا، من الحديث عن صاحب العمل، فلم يبق أمامهم أي خيار في المدى المنظور، طبعا سمعت حكاياتهم بعيدا عن الكاميرا، حسيت أننا شبعنا من الكلام، كلام الضحية، فأحببت أن أرتفع بمستوى اللغة، وأقدم مجتمعا أخرس، غير قادر على الكلام، مجبرا على أن يظل في هذا المكان، رغم الحصار والخوف، لهذا ركزت على لغة الصمت، واكتفيت بلغة العيون، نظراتهم ارتجافاتهم ذهولهم. يكفي أن تحكي الكاميرا، ترصد العيون، والأيادي المخشوشنة، وأن نسمع صوت الحرب والعمران، والموسيقى معا.
■ زياد ألم تجد صعوبة في الوصول إلى هؤلاء العمال، ضمن الجو الأمني الموجود في لبنان، والتعتيم على أوضاع العمال السوريين؟
□ بالطبع واجهني الكثير من المشاكل، فكل شيء ممنوع، لكنني تحايلت على ثلاثة مديري إنتاج، بأنني سأصور فيلما عن العمران في بيروت، من أجل أن أدخل إلى هذه الورشة، ثم بدأت التصوير من الموقع، لكن مدير المشروع لاحظ أنني أنزل إلى الحفرة فمنعني من ذلك..
وحول رعاة الفيلم، تحدث كلثوم قائلا، مؤسسة بدايات التي رعت فيلمي الأول، إضافة إلى منتج ألماني، ورعاة آخرين، إضافة إلى مدير التصوير اللبناني طلال خوري فهو شريكي في المشروع..
■ أذكر أن أحد الفنانين في بينالي الشارقة قام بتسجيل صوت العمال وهم يعمرون ويغنون، وبدأ بنشر الأغاني في الشوارع، كي يلفت النظر لهؤلاء العمال، زياد لماذا غاب صوت العمال في عملك، ألا تصبح الصورة سوداء؟
□ صحيح تماما، لكنني لم أستطع رصد هذه اللحظات لأنني أصور بالخفاء، ممنوع عليّ أن أعيش بين العمال، أسمع دندناتهم، صوت حزنهم ومعاناتهم، كنت أمام عمال خائفين من ظلالهم، ومن الكاميرا، فالظرف هو الحاكم الأساسي في الفيلم ظروفهم وظرفي، كنت أسعى لتجديد جواز السفر. لهذا بحثت عن حلول مبتكرة من خلال الصورة والموسيقى، وأصوات الحرب والبناء.
دبابة خردة
■ ألا توجد عناصر أخرى تشير إلى أدوات الحرب؟
□ الرمز المشترك في الفيلم بين البلدين، هو الدبابة، ، دبابة غرقانة في بحر بيروت حولها سمك، ودبابة في سوريا وضعنا عليها كاميرا لنرصد الهدم والتخريب الذي تقوم به، آلة الحرب هذه تتحول إلى خردة بعد انتهاء الحرب، فلحظة انتهت الحرب في لبنان كان العامل السوري أول القادمين ليعمر البلد، ورغم ذلك فإن لافتات كثيرة انتشرت في أحياء وشوارع بيروت كتب عليها ممنوع تجول العمال السوريين، إنها لغة الحكومة بالطبع، مضافا إليها منشورات الأهالي، إذا رأوا سوري يقتلونه، لغة العداء والعنصرية للعامل السوري.
هذا السوري الذي فقد أهله، وبيته، يجد نفسه في هذه الحفرة التي تخلو من نافذة، وهكذا تتحول بيروت إلى سجن كبير آخر للعامل السوري.
■ *لو أردنا الحديث قليلا عن مؤسسة السينما السورية، وسبب طردك منها، ماذا تقول؟
□ في فيلمي «الرقيب الخالد» أعلنت انشقاقي من الجيش وانتمائي للسينما، للفن رغم أنني مطرود من المؤسسة العامة للسينما منذ عام 2008، بعد أن قدمت لهم فكرة فيلم عن المؤسسة نفسها، وكان رد المؤسسة بأنها غير معنية بكرة القدم، مشكلتي مع المؤسسة بدأت بعد فيلمي الأول «آي دل» (أيها القلب) حيث اقتربت من المجتمع الكردي وحكايات التعب والتعتير في طرحي لحكايات كردية سورية، وهذا ما لم يتجرأ عليه معظم سينمائيي سوريا في زمن ما قبل الثورة السورية. المؤسسة حاربت أسامة محمد، منعت عرض أفلام محمد ملص، أعطوا عبد اللطيف عبد الحميد وسام دولة، هذه المؤسسة إما أن أكون معها، أو أتركها وأشتري حريتي.
أضاف، في فيلمي الأول عملت أنا واصدقائي، واستدنت من المخرج حاتم علي، لأنتج فيلمي بعيدا عن المؤسسة، الفكرة بدنا نعمل سينما، في «الرقيب الخالد» صوّرت بكاميرا الموبايل من أجل التقاط الظرف الذي نعيشه، تصوري كنت أضع روحي على كفي وأنا أصور الفيلم، كنت في الخدمة العسكرية، وهذا يعتبر خيانة.
استديوهات حمص
■ نلاحظ اليوم أن الكثيرين يصورون أفلامهم في حمص وفوق الركام والهدم، لماذا حمص ومن هؤلاء؟
□ نعم النظام حوّل حمص لاستديوهات تصوير، ماذا ننتظر من نظام مؤسساتي، يقول موظفو النظام بأن الثورة جاءت لتخرب المؤسسات، في الفترة الأولى للثورة أرسل النظام المؤسسة الأمنية لتعتقل وتقتل شبابنا، ثم دفع المؤسسة العسكرية لتهدم بيوت الناس وتهجرهم في حمص ومدن أخرى، ثم دفع المؤسسة السينمائية بمخرجيها لتصور هذا الخراب، بروباغندا النظام تسوق له ما يريده من أفكار ويبررون للقاتل القتل، ثم يقولون الإرهاب عمل هذا في وطننا. من هؤلاء ابن مؤسسة السينما المدلل المخرج جودت سعيد، «المخرج الإرهابي»، الذي يستحق اللقب بجدارة، كونه يشارك بكاميرته في سفك دماء السوريين. بروباغندا لتلميع صورة القاتل سينتهي عمرها بسقوط الحاكم.
■ قلت أن مقهى الروضة في دمشق هو مقبرة الأحلام، رغم أن المقاهي منصة للقاء المثقفين وربما إبداعهم؟
□ في مقهى الروضة في دمشق كنا نحكي أفلاما لبعضنا، أفلاما لم تنفذ، ولا أحد فينا يستطيع تنفيذ المشروع لهذا أعتبرها مقبرة للفنانين، الكل يحلم بطبع كتاب، بإخراج مسرحية، أو فيلم، لذا مجرد الحديث تذهب الأفكار في مهب الريح. ولأن السينما معادل للحياة عندي والهواء الذي أتنفسه، فإن طموحي أن أنقل أفكاري إلى واقع، وأن أعبر عن نفسي بأدواتي.
الرقيب الخالد
■ في فيلمك «الرقيب الخالد» شعرنا بأنك تنزل «سلّم إلى دمشق» للمخرج محمد ملص ، وتمضي إلى الشارع، فهل أثرت علاقتك بالمخرج محمد ملص في دفعك نحو إخراج فيلمك، أم أن هناك عوامل أخرى؟
□ كنت بمكان أشهد فيه خروج القذيفة أتابع مسارها كنت حينها في الجيش، في هذا المناخ والوقت كانت علاقتي بملص، الذي حرضني كسينمائي، بل دفعتني العلاقة معه للتنافس، والشجن بيننا، ولكن المحرك الأول كان من داخلي، إلى جانب الحدث اليومي علاقتي بالأشخاص والمكان من حولي.
■ كيف ترى سوريا المقبلة؟
□ لا أعرف كيف سيكون شكل سوريا المقبلة، لا أكذب ولن أقول إنني متفائل، الناس لاتزال تقوص (تطلق) على بعضها، عندما تتوقف الحرب نفكر في سوريا التي نحلم بها.