من وحي اللحظة: سؤال رمضان

حجم الخط
1

يحل شهر رمضان والعالم العربي والإسلامي يعيش وضعا شاذا والقتال سجال في أكثر من مكان، والحرب كومة نار وبراميل ترمي جحيم اللهب، حتى بات يعتقد بأن الجنود النظامية ما جعلت إلا لكي تنكل وتذبح مواطنيها وتنوب عن عدوها الحقيقي وتدعه في نعيم مادام الإخوة الأعداء يثخنون بعضهم البعض موتا وجراحا وآلاما، ولعل حرب داحس والغبراء لما يزال أوارها مشتعلا في اليمن برغم تغير السياقات التاريخية وتغيير الأسلحة البدائية بأسلحة تكنولوجية وطائرات نفاثة تقذف الحمم.
فآلة الحرب شغالة مباشرة أو بالوكالة ومن المفارقات أن أم القضايا القضية الفلسطينية كادت أن تصبح في خبر كان أو الأحرى آخر ما يفكر فيه، وقد اتسع الرتق على الراتق، وقد مر ما يناهز نصف قرن عن نكبة حزيران السيئة الذكر ولما تزال الهزائم تتوالى بدون أن تتزحزح قيد أنملة عن واقعنا الكئيب ولا يزيده كر الأيام إلا سوداوية.
إن كان شهر رمضان بالمجمل شهر القيم الرفيعة حيث الرحمة والتسامح وترجمة روح الإسلام المتمثلة في الأخوة الإنسانية والتسامح والمحبة وإشاعة السلام فأين نحن وما أبعدنا عن تصريف قيم تتأسس عليها عمارة الإنسانية. وقد جاء الإسلام بانيا لحضارة حاضنا ما سبقه من مبادىء ذات توجهات رفيعة تصب في مقاصده وغاياته العليا.
لا يقف رمضان عند حدود الصيام عن شهوات ولذائذ الأكل والشرب والجنس بله رمضان في حقيقته شهر مراجعة وتمرين وجلد وصبر، مراجعة وتدبر وتبصر لما أتى به القرآن الكريم فرمضان شهر القرآن بامتياز، كما أنه شهر صحة «صوموا تصحوا» وهو شهر عمل وجد واجتهاد لا شهر كسل وضعف مردودية كما يروج من ليس لهم من فضل الصيام إلا الجوع والعطش، فرمضان دورة تكوينية للإنسان المسلم حتى ينتصر على ضعفه وهشاشته الإنسانية « وخلق الإنسان ضعيفا» سورة « النساء 28».
ومن دواهي زمننا أن تكون الفتنة في ديننا وقد قامت الدولة الإسلامية وقد أتى على الإنسان حين من الدهر يجد نفسه يصارع ويقاتل جندا يرفعون راية سوداء سطر عليها « لا إله إلا الله محمد رسول الله «، فهناك إسلام يفصل حسب مقاسات الأنظمة والسلاطين وإسلام مايسمى «الدولة الإسلامية» التي جاءت لتخلط الأوراق سعيا إلى النفق المجهول.
فالإسلام يدعو للمحبة ونبذ التفرقة والعداوة والعنف:«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير « سورة الحجرات 13 وجعلانكم شعوبا لتعارفوا « وليس بتغيير « الفاء كافا « لتتحول « لتعاركوا « وكبر مقتا عند الله إسالة دماء الأبرياء والتحكم في الرقاب باسم الدين والأحكام الشرعية التي لا يفقهها إلا الراسخون في العلم، وقد أمست الفتاوى عبر الفضائيات تطلق كما اتفق ودون كتاب مبين.
الإسلام دين حداثي بطبعه جاء ليثور على الظلم حتى يرين العدل والحب والسلام بين أبناء البشرية جمعاء، وبعض قصار النظر يرون في الدين قوالب جاهزة يتم تحميلها من الماضي وليس غير، فهذا معاذ بن جبل لما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم، قال « ـ كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء. قال: ـ أقضي بكتاب الله. قال: ـ فإن لم تجد في كتاب الله.قال « ـ فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ـ فإن لم تجد في سنة رسول الله.قال: ـ أجتهد رأيا، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال « ـ الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وينعت بالحديث الضعيف).
الإسلام منظومة عالية من القيم الرفيعة تتوسله الإنسانية بغاية استتباب الأمن والسلام والحرية والكرامة، ورمضان كجامعة ربانية تدعونا للتأمل وإعادة طرح الأسئلة وصياغتها بغاية التقويم وتعبيد الصراط المستقيم، ترى هل نعيش رمضان العادة أم رمضان العبادة، ترى هل نتساءل حقا عن ماهية رمضان القصوى ذلك هو السؤال؟

المـصـطـفـى كـلـيـي – كاتب باحث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية