مسلسل «حارة اليهود»…انحرافات سياسية تحمل أوزارها الدراما!

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: أن يكتب مدحت العدل مسلسلا عن يهود مصر، فلابد أن يكون مختلفا على مستوى المضمون والجوهر، إذ لا يمكن أن يتحول العدل سياسيا بين يوم وليلة، ويصبح داعما للفكرة التي ترى أن ظلما ما وقع على الجالية اليهودية في مصر، إبان خروجها وهجرتها في خمسينيات القرن الماضي، بعد قيام ثورة يوليو/تموز، فما هو معروف عن الكاتب والسيناريست أنه ينتمي إلى التيار الناصري القومي العروبي، وليس ثمة صلة بين هذا الفكر وتلك المغازلات اليهودية التي رأيناها في الفترة الأخيرة في أفلام حملت الرؤية التعاطفية نفسها، التي لم تزد عن كونها بداية غير مطمئنة لانحرافات سياسية وفكرية تحمل أوزارها الدراما.
المؤشرات في الحلقات الأولى لمسلسل «حارة اليهود» تنبئ بفصل الصراع العربي الإسرائيلي عن حكاية اليهود في مصر، على اعتبار أنه ليس كل يهودي صهيونيا، وهو معنى إلى حد ما مقبول نسبيا، ولكنه بالقطع لا ينفي أن قطاعا كبيرا، إن لم تكن الغالبية العظمى من اليهود تؤيد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وهنا يتحتم عدم الفصل في القضية المصيرية، بين ما تزعم الدراما والسينما الممولة أنهم بعيدون عن الصراع وبين أولئك الصهاينة أصل الصراع. الحديث عن يهود مصر ورقتهم وسماحتهم وإنسانيتهم يمكن أن يطرح في عشرات الأعمال الفنية، من دون غضاضة، شريطة حل القضية التي كلفت مصر والعرب آلاف الشهداء، وكانت سببا لرفض معاهدة كامب ديفيد ومقاطعة معظم الدول العربية للرئيس السادات صاحب المبادرة.
إن الوقوف في مفترق الطرق ومحاولة الإمساك بالعصا من المنتصف، هو محض مراوغة سياسية وحياد عن الحقائق التاريخية، بإغفال جرائم العصابات الصهيونية التي كانت وراء قرار خروج اليهود من مصر، وأولها فضيحة لافون التي اعترف أبطالها بجرائمهم ضد الشعب المصري، وهي القضية الكبرى التي تناولتها الصحف ووسائل الإعلام وشغلت الرأي العام لفترة طويلة في حينها. المسألة ليست غبنا وقع على اليهود في بلادنا جراء الاضطهاد السياسي، كما تصور السينما القاصرة فأدى إلى الهجرة الجماعية أو ما يشبه الطرد، ولكنه تراكم إجرامي لعصابات مسلحة حركتها أجهزة تخابريه وشبكات تجسس كبرى، ضمت بين عناصرها شخصيات معروفة ونجوما ونجمات مشهورين، كان من بينهم راقية إبراهيم التي كافأها الموساد بتعيينها سفيرة، وهذه الحكاية وحكايات أخرى أوردناها من قبل في مقال موثق بالمعلومات نشر في «القدس العربي» قبل عدة أشهر، وتناقله العديد من المواقع الإلكترونية، فالقضية ذاتها ليست محل خلاف.
المثير والمدهش أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تنزعج من مسلسل «حارة اليهود»، بل على العكس رأى بعضها أن المسلسل يصب في صالح المشروع الثقافي التطبيعي. وبغض النظر عما إذا كان ذلك صحيحا أو غير صحيح، فإنه يعكس حالة اطمئنان لدى الرأي العام الإسرائيلي، وهذا هو مربط الفرس، ومحل السؤال لماذا هذا الاطمئنان الغريب، وهم من قلبوا الدنيا رأيا على عقب أيام عرض مسلسل «دموع في عيون وقحة» ومن بعده «رأفت الهجان»؟
المسلسل حسبما عرض في بعض الحلقات يقدم ثنائية درامية في خطين متوازيين، الخط الأول وهو الرئيسي، تمثله شخصيات يهودية إلى الآن هي إيجابية للغاية تنصهر في المجتمع المصري وتشكل ملامح الحارة بكل تقاليدها وأصولها الشعبية العريقة، وتبرز منها شخصية منة شلبي، العاملة بمحل شيكوريل، الفتاة الرومانسية الرقيقة المشهود لها بالأمانة والجدية والكفاءة والمرتبطة بعلاقة عاطفية بضابط شاب في الجيش المصري «إياد نصار». أما الخط الثاني فهو يمثل المنحنى الآخر الذي يقود إلى دور الإخوان المسلمين كجماعة حديثة التأسيس في تلك الفترة، ويرمز إليها العدل بشخصية حسن البنا يقدمها الممثل الشاب محمد إسماعيل عبد الحافظ، في إطار ضيق لم يأخذ الهامش الدرامي المستحق، كونه مجرد إشارة فقط، لأن المقصود فنيا ودراميا هو رصد الحياة الاجتماعية المصرية في ظل وجود اليهود كجنس بشري متآلف ومنسجم تمام الانسجام مع المصريين.
الطرح على هذا النحو هو اللغز بعينه كيف ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ مدحت العدل الذي يقدم لنا هذه الرؤية العصرية هو ذاته من كتب فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» وبنى فكرته الأساسية على رفض التطبيع، معلنا ذلك بوضوح في مشهد حرق العلم الإسرائيلي في فناء الجامعة الأمريكية، وهو المشهد الذي احتجت عليه السفارة ورفضته، غير أن مدحت كتب أيضا فيلما كوميديا خفيفا بعنوان «همام في أمستردام»، وجعل بين أبطاله الرئيسيين شابا يهوديا يعمل في المطعم نفسه، الذي يعمل فيه مصريون، وطوال الأحداث حرص الكاتب والمؤلف على تأكيد التنافر بين الطرفين المصري واليهودي، من دون إبداء أي استعداد للتسامح الذي يتحدث عنه في «حارة اليهود».
شيء محير أن يكون للكاتب والشاعر والسيناريست وجهتا نظر في قضية واحدة متصلة وليست منفصلة، اللهم إلا إذا ظهر جديدا في أفق الحارة المصرية اليهودية أعاد الموازين إلى نصابها الدقيق، وصحح الصورة الدرامية بمفاهيمها السياسية وحقائقها التاريخية وبدد هواجسنا تجاه العمل الفني الضخم المصروف عليه بسخاء حينئذ يمكن أن نتجاوز عما ورد من أخطاء ونعتذر عن سوء الظن في المسلسل وكاتبه مدحت وشقيقه المخرج والمنتج محمد العدل، ولكننا لن ننسى تصريحه الكوميدي بأنه لا سياسة في الدراما ولا دراما في السياسة.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية