سمير حمدي تحاول القوى السياسية التونسية لملمة أوراقها وتجميع قواها وتحشيد أنصارها استعدادا للجولة الانتخابية القادمة وإذا كانت الترويكا الحاكمة تواصل العمل من اجل الحفاظ على التحالف من جهة وتحقيق التفوق السياسي على الخصوم من جهة أخرى فقد عرف المشهد السياسي تشكل تحالفات سياسية جديدة وظهور قوى طامحة نحو القيادة وطامعة في الحكم مثل نداء تونس (الذي يضم خليطا غير متجانس من بقايا النظام السابق وبعض رجال الأعمال ونخب علمانية متشددة) وأيضا التقاء بعض الأحزاب المتحدرة من التجمع المنحل (الحزب الحاكم سابقا) مثل ما حصل من لقاء بين حزب المبادرة وحزب المستقبل وأخيرا الإعلان عن ولادة الجبهة الشعبية التي تضم قوى يغلب عليها التوجه اليساري وان كانت هي ذاتها تختلف من حيث أن مرجعية بعضها ماركسية ومرجعية البعض الآخر قومية (بعثية وناصرية)، وهذه الجبهة التي تضم 12 تشكيلا سياسيا تتفاوت من حيث الحجم والفاعلية والتأثير وبالرغم من أن تشكيل مثل هذه التحالفات الفضفاضة ليس بالأمر الجديد فقد سبقته من قبل تجربة جبهة 14 كانون الثاني إلا أن الجديد هذه المرة هو الرغبة الواضحة التي تحدو مكونات هذا التحالف في الوصول إلى السلطة بديلا عن الترويكا الحاكمة بوصفه التيار الثوري الممثل لمصالح الشعب .. فهل يمكن لتحالف اليسار الراديكالي أن يصل إلى السلطة في تونس؟ هل هو حلم ممكن أم كابوس مقبل إذا كانت النتائج على غير ما يشتهي أصحابها؟ كيف يمكن توصيف حضور هذه التحالف السياسي وهل يشكل بالفعل بديلا ممكنا لاستلام السلطة ؟.لا احد ينكر الحضور التاريخي لقوى اليسار في تونس بتشكيلاته المختلفة وتفريعاته المتعددة والتي تختلف إلى حد الصراع والتناقض وهي قوى تتفاوت أيضا من حيث النضالية فإذا كان بعضها قد كان معاديا لنظام الاستبداد أيام حكم المخلوع فان بعضها الآخر قد تواطأ مع سلطة بن علي بالتأييد حينا وبالصمت أحيانا، وبعد الثورة وككل التشكيلات السياسية امتلأت الساحة بالأحزاب ذات المرجعيات اليسارية (ماركسية وقومية وتروتسكية) وحاولت أن تجد لها موطئ قدم في ظل أحجام سياسية كبرى جسدتها خاصة حركة النهضة وأيضا حليفيها في الترويكا (المؤتمر والتكتل)، ولم تكن النتائج الانتخابية لهذه الأحزاب واعدة حيث اكتفى حزب العمال الشيوعي مثلا بما لا يزيد عن 60620 صوتا أي ما يمثل 1 فاصل 41 بالمائة من مجمل الأصوات المصرح بها فيما لم تحصل حركة الوطنيين الديمقراطيين على أكثر من 0 فاصل 75 بالمائة من الأصوات فيما كانت نسب بقية المجموعات اليسارية الماركسية والقومية أكثر مأساوية (حركة الشعب 0.74 حركة البعث 0.24 حزب النضال التقدمي 0.22 الحزب الشعبي للحرية والتقدم 0.19) لقد كانت الهزيمة واضحة ومدوية وقد حاولت بعض القوى اليسارية إجراء إصلاحات داخلية من اجل تلميع صورتها فقام حزب العمال الشيوعي التونسي بإلغاء لفظة شيوعي من اسمه فيما حاولت حركة الوطنيين الديمقراطيين توسيع دائرة منخرطيها لتنجز مؤتمرا توحيديا يفرز اسما جديدا هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ولتأتي في مرحلة لاحقة فكرة التوحد في الجبهة الشعبية لخوض المعركة السياسية بصورة موحدة في أفق الانتخابات القادمة ولم يخف قادة هذه الجبهة رغبتهم في الوصول إلى الحكم واتهامهم الترويكا الحاكمة بسرقة ثورة الشعب التونسي وبأنها تستجيب لإملاءات الخارج ولا تستجيب لإملاءات الشعب الذي انتخبها وبغض النظر عن مشروعية الطموح في الوصول إلى سدة الحكم باعتباره هدفا طبيعيا لكل حزب سياسي في ظل نظام ديمقراطي فإن ثمة جملة من الوقائع لابد من أخذها بعين الاعتبار: تتميز القوى الحزبية المشكلة للجبهة الشعبية بطبيعتها الاحتجاجية وبحضورها الواضح في النقابات وفي المنظمات الحقوقية ورغم هذا الحضور النشيط فإنها تفتقر إلى الكادر التقني القادر على إدارة شؤون الدولة لأن تسجيل المواقف والاحتجاج على الحكم يختلف عن ممارسة السلطة وتقديم الخدمة العامة للناس. فشلت قوى اليسار التونسي في أن تتحول إلى قوة شعبية فعلية حيث ظلت في غالبها مجرد قوى نخبوية تمارس عملا نضاليا دون قدرة على تنزيل برامجها إلى الشارع والى المواطن البسيط وهو ما يفسر تدني نسبة التصويت لقوائمها في انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين أول 2011 الماضية.- بالرغم من المراجعات التي حاولت بعض الأحزاب تسويقها على أساس أنها بدأت تتخلى عن أرثوذوكسيتها الماركسية إلا أن السمعة التي راكمتها تاريخيا بوصفها أحزاب علمانية متطرفة ومعادية للدين جعلها بعيدة عن الوجدان الشعبي وما زاد في مراكمة هذا الشعور هو مواقف بعض القيادات اليسارية التي كانت مستفزة للشعور الديني وأحيانا مناقضة للرأي العام (المبالغة في المطالبة ببعض الحريات العامة والتركيز على المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة مع ما يقتضيه من إلغاء للحكم الشرعي المتعلق بالميراث الميراث). بالرغم من ثورية بعض الأحزاب اليسارية ورفعها لسقف مطالبها إلى حد المطالبة بإلغاء الديون الخارجية والدعوة إلى الاشتراكية إلا أنها في مواقفها اليومية وفي بعض تحالفاتها نجدها تتورط في التقارب مع بعض القوى التي كانت من بقايا المخلوع أو تجد دعما من بعض وجوه قطاع الأعمال الفاسد وهو ما يثير الريبة لدى بعض الفئات الشعبية من التناقض بين الشعارات والممارسات. شهدت الجبهة الشعبية وبعد تشكيلها انسحاب بعض الأطراف ونعني بها تحديدا حركة الشعب وهي تمثل بعض المحسوبين على التيار القومي الناصري وهو الأمر الذي أثار معضلة حقيقية تعانيها الأحزاب اليسارية خاصة وأحزاب المعارضة عموما ونعني بها مشكلة الزعامة حيث غالبا ما تنفض التحالفات حينما تقترب الانتخابات ويصبح الصراع حول من يتولى رئاسة القوائم الانتخابية وأي طرف سياسي يتمتع فيها بتمثيلية اكبر. إن فكرة تشكيل جبهة شعبية تمثل قطبا ثالثا بين التحالف الحاكم (النهضة والتكتل والمؤتمر) وبين حزب نداء تونس يمثل خطوة مهمة وجيدة في مزيد تطوير العمل السياسي بشرط أن لا يضيع التحالف في تفاصيل الشعارات بعيدا عن الواقع قبل أن ينهار بصورة فعلية في صورة الفشل في التوافق على المرشحين في القوائم، وعلى الإجمال يمكن القول أن قوى اليسار ومهما كانت درجة التنسيق وحتى في صورة إيجاد قوائم موحدة فلا يمكنها من حيث الواقع والقدرة أن تتجاوز في تمثيليتها الانتخابية نسبة تتراوح من ثلاثة إلى خمسة بالمائة في أقصى الحالات وهو أمر قد يفرض عليها البحث عن تحالفات أوسع إذا كانت ترغب فعلا في الوصول إلى السلطة وهو ما يعني أنها ستجد نفسها بين أمرين هما إما التحالف مع الترويكا الحاكمة (والتي ينعتها اليسار بالرجعية) أو التحالف مع نداء تونس وهو حزب بقايا المخلوع وهو ما يعني الاصطفاف فعليا مع معسكر الثورة المضادة خلافا للشعارات التي يتم رفعها للجماهير وهو أمر سيفاقم في فقدان المصداقية لم يتمتع بها اليسار التونسي يوما. ‘ كاتب من تونس