عمان ـ «القدس العربي»: في قلب مدينة عمان وأقدم بيوتها التي شيدت في العشرينيات، تقع دارة الفنون على قمة جبل اللويبدة كذاكرة حيّة لتاريخ الأردن والتاريخ المشترك لبلاد الشّام. الزائر لها يحتاج الكثير من اللياقة والحيوية حين يهمّ في التجواّل بين مبانيها، حيث تفصلها أدراج شاهقة موزعة بين المساحات الخضراء الشاسعة، ودهاليز عدة مندسّة بين الغرف والأعمدة الحجرية المتناثرة بين جنبات المكان.
دارة الفنون ومنذ افتتاحها عام 1993 تنظّم المعارض الفنيّة، عروض الأفلام، وبرامج تعليميّة، وتستضيف العروض الأدائيّة والحفلات الموسيقيّة. كما تقدّم منحاً مخصّصة للدراسات العليا في الفن العربيّ الحديث والمعاصر، إضافة إلى برنامج إقامات فنيّة، ونشر المطبوعات المتخصصّة بالفن.
سهى شومان التي تقوم على إدارة شؤون الدارة منذ أن أصبحت ملكها هي وزوجها خالد شومان، تؤمن بأن الدارة اثبتت حضورها كمعلم ثقافي بارز جمع بين العراقة والأصالة والتجدد. وتقول «يتسع نطاق النشاطات الفنية والأدبية ليخرج عن حدود الغرف والمكاتب العتيقة المطلة على أرجاء المكان، إلى حدائقه الخارجية ومقهاه الهادئ. أفلام وأمسيات شعرية وندوات أدبية ومعارض فنية وحفلات موسيقية تبوح بإبداع أصحابها وسط الإضاءة الخافتة المدروسة، والشجر المعمر الذي يظلل الزوايا كلها».
وللمكان حكاية خاصة مع الأدب والأثار، حيث اكتشف في حديقته بعد تعريب الجيش «كنيسة بيزنطية من القرن السادس الميلادي بنيت فوق معبد روماني» وهي اليوم تشهد العديد من الأمسيات واللقاءات الثقافية.
بينما تمت إضافة مبنى «البيت الأزرق» عام 1994 والذي شُيّد بأيدي عمّال أردنيين شراكسة، للسيد إسماعيل حقي باشا الحاكم العسكري لمدينة عكّا في فلسطين. وهو اليوم مقهى لروّاد الدارة.
أما المبنى الثالث «دار خالد» الذي بني عام 1995 وتم تكريسه لذكرى خالد شومان عام 2002، فكان سكناً لشاعر الثورة العربية الكبرى الشيخ فؤاد الخطيب، ولاحقاً مقرّاً لرئيس الوزراء سليمان النابلسي.
شومان الفنانة التي تعلّمت على أيدي الفنانة التركية الأردنية فخر النساء، أخذت على عاتقها تلبية احتياجات الفنانين وجمهورهم، مبينة «تبلورت رؤيتنا لدارة للفنون تحتضن الفن والفنانين من خلال توفير فضاء متخصص بالفنون البصرية وأشكال التعبير الفني المختلفة».
وبالإضافة إلى المباني الأخرى التي ذكرناها، تضم الدارة مبان ومستودعات تم ترميمها وتهيئتها لاستقطاب الطاقات الإبداعية ودعمها وهي: بيت البيروتي الذي يعود تاريخه إلى الثلاثينيات وسكنه كل من الملكة زين الشرف، والشريف ناصر بن جميل، وشقيقته الأميرة نافعة. والمختبر تم افتتاحه في عام 2011 وهو عبارة عن ثلاثة مخازن تم تجديدها بمساحة 1500 متر مربع لتوفير مساحة تجريبية للفنانين الشباب وللمشاريع المبتكرة.
عمّان القديمة
ما يميز الدارة عن غيرها من المباني القديمة التي يتزين فيها جبل اللويبدة قطع من الفسيفساء والبلاط العتيق تطل من بين طبقات الغبار والأرضيات المعتّقة، لتطوّق كل شيء.. «قرميّات» الأشجار والأصص ومنابع الإضاءة المسلّطة من الأسفل للأعلى على الواجهات والأعمدة الحجرية ونوافير المياه الرائقة.
واكثر ما تفتخر به شومان إطلاقها مركزا للباحثين في مجال الفن العربي الحاصلين على «منح دارة الفنون السنويّة للدراسات العليا في الفن العربي الحديث والمعاصر»، متابعة حديثها «وهو البرنامج الذي أطلقناه في العام نفسه تحقيقاً لرسالتنا في دعم الفن العربي وأبحاثه وتوثيقه». هشام البستاني، قاصّ وكاتب، وأحد روّاد الدارة والمشاركين بفعالياتها يستعيد عمان القديمة خلال وجوده في الدارة، موضحا «في دارة الفنون أستعيد عمّان القديمة ببيوتها الحجرية الواسعة وأشجارها الوارفة وبحراتها المبرّدة، قطعة استعاديّة من ماضٍ هجمت عليه الآن تشوّهات الاستهلاك والسوق والمساحات المُغلقة والهواء المُعلّب؛ وفيها ألتقي بما يستجدّ من اتجاهات فنيّة، سواء من خلال معارضها المخصصة للمكرّسين أو تلك التي تقدّم التجارب الجديدة».
ويقضي البستاني وقته برفقة فيصل درّاج، آخر المثقفين الكبار في عمّان، يتأمل الجبل البعيد، ثم يلقيا بأفكارهما في مطحنة النّقاش مرّة في الأسبوع فتتسع الآفاق، مضيفا «وتَرحُبُ أكثر باللقاء الفكري الشهري الذي يستضيفه درّاج في الدارة طارحاً مواضيع لا تلتفت إليها مساحات أخرى تتوسّل الثقافة ولا تصل إليها أبداً». الدارة – بحسب البستاني – معقل الثقافة الأخير في مدينة تعادي مؤسساتها «الثقافية» الثقافة الحقة «النقد وإثارة الجدل». مدينة تُفضّل مؤسساتها «الثقافية» الرداءة على الإبداع. لهذا يتمنى البستاني أن تُطوّر الدارة عملها وتكثّف أنشطتها وتنفتح أكثر على محيطها لتساهم بشكل أعمق في صناعة مشهد إبداعي أكثر حيوية.
دار الأندى
من بين البيوت العمانية القديمة المتناثرة في جبل اللويبدة والمطلة على وسط البلد، يقبع «دار الأندى» بما فيه من مساحة كبيرة عابقة بالعراقة والقدم.
جبال وتلال وبيوت شهدت تطورات عديدة عبر السنين، إلا أنها لم تفقد حميميتها ودفئها، لتروي كل منها قصة مكان وبشر مروا من هنا. والحكاية اليوم هي بيت فريح قعوار الذي بني في العام 1929، وأصبح منذ العام 1999 غاليري «دار الأندى» الذي يحتضن الفن بمختلف أنواعه.
من الخارج «الأندى» كبناء لا يعبر عن شيء فريد، بل هو سور منخفض متواضع وباب. لكن حينما يطل الزائر من الباب يجد الدرج الذي يكشف عن فضاءات غائرة، داخلية وخارجية تبدو جزءا من فضاء واسع مترامي يعبر بك إلى جبل عمان، وإلى جبل القلعة حيث معبد هرقل الروماني الذي تظهر أعمدته في أعلى القمة. في العام 1998 لفت انتباه البيت الذي كان مهجورا مجدولين الغزاوي، واشترته من عائلة قعوار، وأعادته للحياة ورممته لتحقيق حلمها في إنشاء غاليري للفنون تحت اسم «دار الأندى». تقول مجدولين :»المبنى الأول كان له جزء إضافي سكنته الفنانة قمر الصفدي، إلا أنني اضطررت لإزالته عندما اشتريت البيت، لتحظى بشرفة مطلة».
الغزاوي رممت المبنى، آخذة بعين الاعتبار الحفاظ على هويته المعمارية وأرضيته، حيث أشرف عليه ووضع الخطة له دار الدراسات العمرانية والمهندس المعماري باسم الشهابي. الذي تعامل بحرفية عالية مع حجارته المكونة من نمط الحجر الكبير وأرضياته المزخرفة، والتي ما تزال تحافظ على رسوماتها، فهي من بلاط كان يجلبه البناؤون من الخليل.
اليوم تحول الطابق الأول من المبنى الرئيسي لصالة عرض لأعمال فنية من رسومات ومنحوتات وصور. ويضم المعرض الدائم في دار الأندى أعمالا لفنانين من سوريا والعراق والبرازيل والأردن ولبنان وفرنسا.
أما الطابق الأرضي فقد أصبح اليوم مستودعا للأفكار الفنية، ويضم قطعا فنية لفنانين عدة من أثاث وغيرها صنعت بعناية، في حين تم استخدام المبنى الذي بني في الستينيات من القرن الماضي كمخزن.
ومنذ افتتاحه حتى الآن، أقام الدار عشرات المعارض، وفتح أبوابه للفنانين لعرض أعمالهم وإقامة العديد من الفعاليات الفنية والمعارض والأمسيات والمهرجانات
وينقسم الجزء العلوي من المبنى الأول إلى صالة كبيرة وغرفتين، بالإضافة إلى مطبخ مرفقات أخرى، وتتصل به شرفة خارجية مطلة على مشهد جمالي من جبال عمان. وتتميز الغرف بسقفها العالي وسماكة الجدران، وشبابيكها ذات أقواس.
بينما يتكون الطابق الأرضي من ثلاث غرف بالإضافة إلى مرفقات أخرى، وتأتي أمامه حديقة واسعة مزروعة بأشجار اللوز والصبار وغيرها من المزروعات.
صاحبة الدار مجدولين الغزاوي تقول عن الأندى «من المؤكد أن تحويل منزل عائلي بني في أواخر الثلاثينيات إلى منشأة فنية يحتاج إلى إعادة تقييم معماري وفني، وتغيير ما يمكن تغييره لكي يناسب وظائف أخرى. ليس (الأندى) مشروعا خاصا بالحنين الموجع للماضي ، بل هو مشرع حداثوي بامتياز، يركّب بين مكتسبات الماضي والحاضر».
الصحافية سارة القضاة، ارتبطت بدار الأندى منذ إشرافها على مهرجان «خان الفنون» الذي أقيم هناك، وتقول «كنا نقضي أوقاتًا طويلة ما بين ورشة التشكيل والأمسيات الشعرية واللقاءات مع الفنانين والشعراء العرب والأردنيين هناك. الأجواء ساحرة، سواء بجغرافية المكان أم بروحه المضيافة».
وترى القضاة ان دار الأندى من أجمل مواقع جبل اللويبدة وعمان بشكل عام، والتي يمكن أن تقام فيها فعاليات ثقافية وفنية دافئة وذات مستوى عال ومرتقي.
محترف رمال
أسس الفنان عبد العزيز أبو غزالة محترف رمال عام 1999 واصفا إياه بـ»محترف الرمال لوحة بديعة في عين السماء تتسع للضوء والليل، للغيم والمطر، والفن والشعر والموسيقى، للكلام والصمت، تحتمل الحقيقة كما تحتمل المجاز أكثر». يتوسط المحترف جبل اللويبدة وهو جبلٌ معروف في عمان، ومن المناطق القديمة ذات الطابع الكلاسيكي المُلفِت، يرمز للثقافة والأصالة، وهذه الصفات موجودة في المحترف، فالمبنى قديم ومليء بالأشجار والنباتات، فمن خلاله تشتم رائحة التراث والقِدم، وكذلك تستمتع في حداثة الفن وتطوره.
وسمي «محترف رمال» لأنه يعني مكان الاحتراف والعمل بالفنون، واستخدام الرمال التي تعتبر أساس الأشياء الفنية الجمالية. يوضح ابو غزالة في احدى لقاءاته «المحترف هو مكان الاحتراف وهي كلمة عربية بديلة عن كلمة استديو. فقد أردت للعربية ان تأخذ حقها وحيزها. أما الرمال، الرمل لأنه جذر كل شيء الرمل جذر اللون في الرسم والطين في النحت والسيراميك، والرمال هي الصحراء الأفق المفتوح على الحركة الدائمة لا السكون، وهنا ننتقل لمستوى فلسفي في الاسم».
نوافذ تحتفظ بطابعها التراثي
ومنذ افتتاحه بعد تحديثه عام 2006 يُعنى المحترف بالإبداع والخلق والتجديد من جهة، وبالاهتمام بالمواهب الشابة ورعايتها من جهة أخرى. ويقدم كل أنواع الفنون، مكتوبةً كانت أو موسيقية أو بصرية أو مسرحية، وتقام فيه باستمرار فعاليات ونشاطات من كل هذه الأجناس الفنية، وأيضا تدريبات لعروض مسرحية وورش عمل، كما أنه مدرسةٌ يأتيها تلاميذ الفنان عبد العزيز ليأخذوا فيها دورات ودروس في الرسم والنحت.
يذكر ان المحترف تم بنائه بغرض ان يكون مدرسة ومن ثم هُجر وأصبح مرتعا للمشردين ومكبا للنفايات. وفي عام 2006 حوله أبو غزالة إلى محج فني، بحيث أعاد بناءه، وزرع فيه الأشجار والورود، وعلق الصور والرسومات على جدرانه، رمم أعمدته الكهلة، وبث في عروقه اليابسة دم الحياة، ليحيله إلى خلية نابضة، وحاضنة لأناس مختلفين كموهوبين أو شباب باحثين عن هوية ما وفنانين وطلاب تخرجوا منه.
وتميز المحترف بفنونه المتنوعة عن باقي الدارات الفنية، ففي زاوية هناك مسرحيون يتدربون على نص ما، وفي أخرى ركن غناء وطلبة يعزفون على العود أو البيانو أو غيرهما، وهناك عشاق وشعراء وكتب ومنحوتات ونوافذ تحتفظ بطابعها التراثي وجدران بألوان عصرية وفناجين قهوة حديثة، وتمتمات وهدوء في ناحية ثانية وممرات حميمية تفضي إلى بعضها وكراسي هي أناس من خشب لها رؤوس وأنامل وأذرع طويلة يشد بعضها بعضا.
المحترف ابتدأ صغيرا وكبر بمرتاديه من أنحاء عدة ليصل عدد زواره في الصيف يوميا إلى ما معدله 70- 100 زائر وإلى ألف شخص في المهرجانات والفعاليات ليغدو المحترف لهم جميعا وطنا للحلم والفن.. أو قطعة موزاييك مشظاة بالحياة.
الإ ان الظروف المادية الصعبة التي واجهها ابو غزالة، دفعته لأنشاء مطعم في المحترف عام 2010 وبيع لإدارة جديدة اطلقت عليه «رواق ساقية الدراويش» حيث وقع فيه الشاعر العراقي عبود الجابري ديوانه «فكرة اليد الواحدة» مؤخرا.
آية الخوالدة