«دببة في مأتم» للشاعر العراقي صلاح فائق: من القصيدة المحكمة إلى التلويحة العابرة

حجم الخط
0

 

كان ذلك في مطلع السبعينيات، حين نشر الشاعر صلاح فائق «رهائن» قصيدته الجديدة والمستفزة لواقع الشعر العراقي آنذاك. القصيدة كانت قصيدة نثر طويلة، حافلة بالصور الغرائبية والمفاجآت الفنية والتركيبية في لغة التعبير الشعرية، بينما بدت الجهة الأخرى من الشعر مسترخية ونائمة على رغادة الشعر الحديث الذي أنجز قبل عقود قليلة من نشر قصيدة «رهائن».
الجو الثقافي كما استرجعه الآن وأتذكره، لم يكن ليتقبل تلك الخروقات الخيالية، والمغامرات الجمالية الجديدة بسهولة، كونه كان مطمئناً للمنجز الحديث الذي كرّسه رواد الشعر العراقي الحديث.
نشرت القصيدة في مجلة «الكلمة» لصاحبها الشاعر التجريبي حميد المطبعي، وذيّلتْ بتقديم منه يفيد بأن الشاعر هو عامل ميكانيك، ينضوي تحت خيمة ما عرف بجماعة كركوك الشعرية التي ضمت إلى جانب صلاح فائق أسماء لامعة مثل فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وسركون بولص وأنور الغساني والأب يوسف سعيد والقاص جليل القيسي، وكان أقل شهرة حينذاك هو صلاح فائق الذي فاجأ الجميع بتلك النبرة الملحمية التي تتكئ على المشهد الصوري، المبني بطريقة حلمية فيها الكثير من الشواش الغائم نتيجة الفن المموّه – والمتشبث بالمسحة السريالية التي تحقق الضربة الفنية المفاجئة، والهزة الخيالية التي تخلخل السياق المتعارف عليه شعرياً.
من هنا كان النجاح لافتاً لتلك القصيدة التي بَهَرتْ ببنيانها الأفقي الجيل الجديد من الشعراء وأخذت بمداركهم، وأشارت إلى أنّ شاعراً جديدا آخر يولد إلى جانب سركون بولص وفاضل العزاوي، ليكتمل البنيان وتعلو العمارة الشعرية الجديدة.
بعد نشر تلك القصيدة التي وردتْ فيها جمل تغمز من قناة النظام التوتاليتاري المتكوّن حديثاً، مشيرة داخل نسيجها الرمزي إلى السجون التي يبنيها العمال في الصباح، وقسوة تلك المناظر التي يقوم بها العمال ذاتهم الذين كان صلاح فائق واحداً منهم، وينافح عنهم أيضاً ضمن فهمه اليساري لتلك الشريحة البشرية التي تعمل وتَضطهد في أزمنة الفاشيات والدول المستبدة، وفي عالم الكومبودورات التي لطالما حاربها صلاح عبر انتمائه إلى حزب عراقي يؤمن بالكفاح المسلح، قريب من الماوية والتروتسكية والنضال على الطريقة الغيفارية، ولهذا رأيناه قد شدّ رحاله وهو شاب إلى الأهوار، أي المستنقعات العراقية، ليلتحق بالثوار الذين ينتمون إلى القيادة المركزية، بقيادة عزيز الحاج المنشق عن قيادة الحزب الشيوعي العراقي، الذي عُرف بعد الانشقاق بجناح اللجنة المركزية.
بعد انهيار عزيز الحاج وسقوط التجربة المسلحة في الأهوار العراقية الجنوبية، ودخول أغلب كوادره السجن في قصر النهاية، لم يجد صلاح فائق بداً سوى السفر والتخلص من كامل التجربة السياسية، فكانت محطته الأولى دمشق، تلك المدينة الجميلة والهادئة آنذاك ستستقبله ويفتح الوسط الثقافي الشعري المتفتّح على الجديد والأقرب إلى الحيوية الشعرية ذات الأنساق المختلفة، يفتح الإبواب له لنشر قصيدة «رهائن» في مجموعة شعرية صدرت عن مشورات «اتحاد الكتاب العرب» بإشراف شخص متنور وداع للحداثة الأدبية هو القاص زكريا تامر.
لم يدم مقام صلاح فائق في دمشق طويلاً، وحين كان يهم بالخروج منها، شاءت المصادفات أن التقيه في تلك اللحظات الحزينة، من عام 1978 وهو ميمم صوب المجهول، ونحو عالم يجهله تماماً، وهو العاصمة البريطانية لندن، وكانت كل ذخيرته التي بحوزته هي اللغة الانكليزية التي يكاد الجيل الكركوتلي الأدبي يتقنها بالفطرة، عبر شركات النفط العاملة هناك، وعبر كوزموبوليتانية المدينة التي تجمع أثنيات متعددة وهويات مختلفة من شرائح المجتمع العراقي.
في ذلك اللقاء الأول بيني وبينه وهو يلملم ما تبقى من شؤونه الشخصية العالقة، كانت صحبته زوجته الأولى القاصة والكاتبة هيفاء زنكنة، وكانت هي قد نالت مثله ما نالت في الزنازين البعثية كونها هي أيضاً كانت رفيقة نضال وكفاح مسلح.
بعد مجموعته الأولى «رهائن» سيُصدر صلاح فائق أعمالاً لافتة أخرى، أبرزها «مقاطعات وأحلام» و «تلك البلاد» و «طريق إلى البحر» و «رحيل»، والأخيرة هي من الأعمال الشعرية الشبيهة بطريقة بناء «رهائن»، إنها عمل شعري فاتن، كتبت عمقياً بطريقة عمودية ذات حفر فني متقن، ثم انتشرت أفقياً بطريقة حافلة بالصور الفانطازية والمفاجآت المداهمة، من تلك التي يتقنها خيال صلاح فائق الأسطوري والخيالي، الناحي نحواً قريباً إلى حد ما من العوالم الدادائيةـ ذات النزعة الصورية المقتحمة للتلقي الأليف والساكن.

البديل الفني الجديد

عملان شعريان جديدان صدرا في السنوات الماضية لصلاح فائق ،هما «دببة في مأتم» و «ومضات» العنوان الأول يبدو ساخراً ومتهكماً وطفلياً على طريقة صلاح، والثاني بدا شائعاً لكثرة صدور مثل هذه العناوين لشعراء الشذرة أو لمفكرين وفلاسفة كتبوا هذا النوع من الكتابة، من بينهم المفكر الفرنسي من أصل روماني إميل سيوران.
في هذين العملين الشعريين الجديدين يتخلى صلاح فائق عن بناء القصيدة. لقد فلتت القصيدة المبنية والمحكمة ذات المفتتح الأولي والوسطي والختامي من زمامه لتنتهي إلى فن التشذير الشائع حالياً، أو إلى بناء عالم اللقطة «الإيميج» حسب التعبير المعروف لهذا الفن المقترح من قبل عملاق الشعر الإنكلوسكسوني إزرا باوند، ومدرسته الفنية التي كرست هذا الأسلوب الرفيع في الفن الشعري.
قصيدة صلاح فائق الآن، تتكون من مقاطع وصور ومشاهد ورؤى حالمة ومتخيلة، ونمنمات وتمتمات رؤيوية موحية، تعتمد التلويحة الشعرية والهمسة العابرة واللمسات الهيامية المشفوعة بمخيال سريالي يفتت المعنى ويبني مدماكه من الجملة المبتورة، والصورة المقصوصة وبعثرة السياق الشعري المعروف ببنائه العماري. ليس هنالك في قصيدة صلاح الحالية عمارة شعرية بل قاعدة وأساس، ليس هناك مساق علوي نرتقيه لنرى العالم من الأعلى ونبتهج بالمبنى الجمالي للدلالة والفن الصافي، بل اننا نجد أنساقاً مشتتة، وضياعاً للدلالة وبعثرة للصيغة المعمارية التي عُرفتْ القصيدة بها. إننا أمام شذرة، بالكاد تقول شيئاً، بالكاد تعطي، بالكاد تغمرك بالظلال والمعاني والجمهرة الجوانية، إننا نجد أنفسنا غالباً أمام حاجز يمنع عنك تكملة المشوار وإبهارك بجمال الطريق وطوله، كما في «رهائن»، كما في «رحيل»، وكما في «تلك البلاد». ولا نعرف سر هذا الانخراط الجماهيري للشعراء في فن الشذرة، في تبديد النسق، في نسف البنيان وتحطيم العمارة وهدها فوق رأس الدلالة والبلاغة والطبيعة الشعرية، إنه هدم عام يجري للمهارة، للتشيّيد وللبناء العالي بالطبع. لم يعد صلاح معنياً هنا بإقامة نشيد كورالي، أو التسامي في عمل صاعد للأعلى، يشي بالنسق البانورامي الشامل، بل نراه يقطع ويبتر ويقص، لغرض المزيد من التشتت والضياع في الدلالة، والمزيد من التيهان في دروب مغلقة لا تؤدي إلى مساحة ما، لنستطيع الوصول من خلالها إلى المراد، وتتبع المسيرة الشعرية ورصد هدفها ومغزاها، لكي نحصر الدوال وشواظها، لنقبض على المعنى وتجلياته، ونعثرعلى الإيحاء المتعدّد وبروقه، لكن كل ذلك بدأ يغيم ويمحي ويتبدّد في تعتيم الصورة واختزالها، لننتهي إلى مشاهد وصور ولقطات للحيوان والزواحف والحشرات والطيور.

الرموز وظلال الحيوان

يكثر الشاعر صلاح فائق في ديوانه الجديد «دببة في مأتم» من استخدام الحيوانات كرموز لعمله هذا، فهناك في المقاطع التي يكتبها وبالتتابع نعثر وبدءا من الصفحة الأولى على : «سلاحف، غزال، حوت، دب، زرافة، غراب، أسماك، ذئب، نمر، دلافين، بقر، صقور، خنازير، سناجب، أسد، ضبع، قطط، عندليب، ثعبان، ثيران، ثعالب، طيور نقارة، جياد، جراد، طاووس، خفاش، لقلق، نسر، يعسوب، تمساح، خيول، جنادب، حصان، كلاب، ذئاب، نمال، باشق عناكب، صقور، بومة، نعام، سنونوات، عقارب،غوريلات، بغال، براغيث، كروان». بيد أننا حين نحاول سؤال صلاح لكي يخرج من هذا المأزق قائلين له: «إذن أطلق سراحهم من قصائدك « ص113 فيجيب في مقطع آخر من الصفحة ذاتها: «كنت أظن الحيوانات في قصائدي من سوائل»، شيء جميل ان نكون في عالم الحيوان، مستشرفين تلك السماء الطفولية، لكن أن يكون الديوان على نحو عام يسعى في ظلال الحيوان وتتبع غرابته في القصيدة، فإن القصيدة ستكشف في الآخر عن خلخلة في طور نشأتها وضمور في بعث التجلي اللغوي ونكوص في القاموس العام للمفردة اللغوية. لكنّ اللافت هنا أنّ الكنايات انحسرتْ والنعوت والإضافات تقلصتْ، وهذا ما يُحسب لصلاح في عموم تجربته الشعرية اللافتة والمميزة، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نشير إلى المصاب والفخ الذي استدرج إليه صلاح ليكون ضحية اللمعة القصيرة في الصورة وهدفاً للترميز الحيواني في نصوصه الجديدة، التي في بعضها يحاول أن يُمسرح القصيدة ليدخلها في مونولوغ علني، وديالوغ مباشر ولكنه لا يخلو من التغريب والفانطازيا، كما يتوضح ذلك في قصائد مثل «زرافة تبكي في محكمة» و«النبي نوح في سجن فلبيني» و«مقبرة في رأس». إنها نصوص مسرحية بامتياز، ناهيك عن القصص القصيرة والبرقية التي تمر كثيراً في ديوانه الجديد هذا فيطلق عليها صلاح تسمية قصائد. ولكي نستعيد صلاح فائق بحلته القديمة بعد أن رأيناه في حلته الجديدة مسترخياً داخل ومضاته، أو مشاركاً الدببة مأتماً ما، فلا بدّ وأن يأتي ويقول هأنذا صلاح فائق لم أزل أتفوّه بصور مدهشة: «في مطارات نظيفة، في مدن تعجّ بقوادين وأغنياء، بعبيد وجاريات، بعمال أغبياء وفلاحين أنذال، بسياسيين مجرمين، برجال أديان وضباط قصار وسمان كالخنازير، بين هؤلاء وأولئك، هنا وهناك، أصادف سومريين يتسولون». ص18 من الديوان ذاته « دببة في مأتم».
صلاح فائق: «دببة في مأتم».
منشورات الجمل، بيروت 2013
119 صفحة

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية