في اليوم العالمي لمكافحة التعذيب: إسرائيل وبعض الأنظمة العربية تتصدر قائمة المدانين باستخدام التعذيب على مستوى العالم

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: احتفل العالم في السادس والعشرين من حزيران/يونيو الجاري باليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب وهو اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه.
وتتصدر إسرائيل وبعض الأنظمة العربية استخدام التعذيب على المستوى الدولي، وينتشر التعذيب خاصة في الدول التي تشهد صراعات سياسية وطائفية، وهي التي كانت مهد الحضارات والعلم والقانون الذي يحكم بالعدل بين الناس، ما يمثل انتهاكا فجا للمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول:»لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة».
«القدس العربي» استطلعت آراء خبراء ومواطنين تعرضوا للتعذيب، وترصد استمرار هذه الظاهرة في عدد من البلاد العربية.
الدكتور رشيد إسماعيل مختص في علم النفس ومعالج نفساني من الجزائر يقول لـ«القدس العربي»:
التعذيب نوعان، جسدي ونفسي. تتسبب أساليب التعذيب في اضطرابات ما بعد الصدمة ما يؤدي إلى خلل نفسي وقد تظهر أعراض عدوانية عند البعض، وتؤكد البحوث ان هذه الأعراض تختلف حسب شدة التعذيب الذي يتعرض له الإنسان وتتراوح بين القلق والتوتر وعدم الثقة بالآخرين والشعور بالحزن وعدم الاستقرار النفسي حتى انه يفقد السلام الداخلي ودائما يعيش الضحية فاقدا الثقة بالنفس، يتقبل أي شيء قد يتعرض له دون مبالاة. ولابد من ان نوضح هنا ان كل الحالات لا تمر في هذه الاضطرابات، إذ تختلف من شخص لآخر، لكن من يتعرض للتعذيب فهو بحاجة لعلاج نفسي، وهناك حالات قليلة ولأسباب معينة لا نعرفها ليست بحاجة للعلاج وقد يعود ذلك إلى ان التجربة القاسية التي مروا بها علمتهم درسا مهما في الحياة أو لأنهم يتمتعون بإرادة قوية وحب كبير من العائلة، وهذه أمور كلها تحصن من الاضطرابات النفسية ولكن هؤلاء قلة. قد تحول الآثار النفسية المعذب إلى جلاد يقوم بالتعذيب وقد تؤدي إلى الجنون وأمراض جسدية كثيرة قد تلازم المعذب طيلة حياته وتؤثر على عمله ومحيطه الأسري.

ليبيا

زكية التائب حقوقية ليبية تعرضت للاعتقال في عهد القذافي بسبب مواقفها السياسية. كان عمرها آنذاك 19 عاما وفي سنة أولى جامعة تقول لـ«القدس العربي»: كانت أيام الاعتقال عصيبة، وكنت وحدي في زنزانة حقيرة. تعرضت للتعذيب النفسي فقط أما أختي فاطمة فقد تم تعذيبها بالفلقة وبالتهديد بإحضار ابنتها لتنهشها الكلاب وبالتهديد بالكلاب البوليسية وكذلك صديقتها منى تم تعذيبها بعدة وسائل. وأصعب وسيلة تم إعتمادها في ليبيا أيام القذافي كانت بوضع المعارض في زنزانة دون محاكمة وإعلامه بأنه في أي لحظة سيتم إعدامه شنقا وعلى حسب مزاج القائد. هناك صديق لنا أيضا تم تعذيبه بطريقة بشعة وكذلك منى الجرنازي صديقة أختي فاطمة.
أما بالنسبة لما يحدث الآن فهناك خلط غير طبيعي في المواضيع. من ضيع ليبيا هم الغرب وأمريكا التي تدعم هؤلاء المجرمين حتى تضرب الجيش الليبي الذي ضربه القذافي من قبل. في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب لا يمكن أن نلوم العصابات الإجرامية على أفعالها بالبشر فقط، ولكن اللوم على الدول التي تمارس أبشع أنواع التعذيب وهي من الموقعين على وثائق مناهضة التعذيب. والمشكلة انه في ظل عدم وضوح الرؤيا في ليبيا ورغم كل المصائب التي يعيشها الوطن لم يتوقف الغرب وأمريكا عن ضخ النفط منها وهنا الغرابة. وتضيف: أن آثار التعذيب لا تنتهي ولا يمكن نسيانها. أختي فاطمة أصيبت بأمراض القولون وعندما خرجت بعد أربع سنوات لم نرها فيها وجدت ابنتها كبيرة وقد دخلت المدرسة. كانت نفسية فاطمة متعبة وكثيرة النسيان وضعيفة هزيلة البدن وعانت ماعانته بعد خروجها من السجن وأثر ذلك على صحتها البدنية والنفسية. ولابد ان أشير إلى انه في أيام القذافي كان التعذيب بالسمع فقط ويمارس في أروقة السجون ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت حالات تعذيب مروعة تنتهك فيها الإنسانية علنا سواء من الثوار أنفسهم أم من المتشددين أو ما يسمى بالدواعش. بالنسبة لي كعاملة في حقوق الإنسان ومهتمة بتطوير المجتمع أرى أن الثورة في ليبيا كانت غير سلمية وكانت منذ بدايتها دماء وأشلاء وتعذيبا فقد أثر هذا الجانب على بعض الثوار فصاروا يمارسون التعذيب على أبسط من يعارضهم، وحدث ذلك في مناسبات كثيرة والكل يشهد الآن حجم ما يحدث من انتهاكات لم نر مثل بشاعتها من قبل.

فلسطين

قدورة فارس رئيس نادي الأسير تحدث لـ«القدس العربي» عن حجم الانتهاكات الإسرائيلية تجاه الأسرى قائلا: إسرائيل تمارس التعذيب بشكل منظم وممنهج ويشمل ذلك الأطفال ولابد من الإشارة هنا ان الأطفال مستهدفون بالتعذيب والإهانة والحط من الكرامة حتى أكثر من البالغين والكبار، وهذه المعلومات إستنادا إلى شهادات ووثائق وقع عليها الأطفال الذين خرجوا من السجون أو تمكنا من زيارتهم من خلال المحامين داخل السجون الإسرائيلية. مؤخرا استخدموا الكلاب ضد الأسرى الأطفال سواء في الاعتقال أو التخويف وفي فترات التحقيق استخدموا العصا الكهربائية والضرب والشبح. وحسب إحصائيات نادي الأسير 95 في المئة من الأطفال الذين يعتقلون يتعرضون للتعذيب أما خلال عمليات الاعتقال من قبل جيش الاحتلال من البيت أو الشارع أو من قبل رجال المخابرات «الشاباك» في مراكز التحقيق. ويضيف ان هناك أساليب تعذيب أخرى كالضغط النفسي، مثلا حينما يبلغ الطفل أنه تسبب لعائلته بمشكلة كبيرة وأنهم سيضطرون إلى نسف بيت أهله أو أن يبلغوه أنه نتيجة إعتقاله قام والده بالإنتحار أو أن والدته أصابها مكروها أو يهددوا الطفل الأسير بأنهم سوف يطلقون سراحه ويعلنون أنه مرتبط ومتعاون مع المخابرات الإسرائيلية وأن الحركة الوطنية الفلسطينية سوف تقتله وسوف يتم تشويهه وسيمنعونه من العودة للمدرسة ومن الممكن ان يحقنوه بإبرة تسبب له إعاقة أو تركه وحيدا في زنزانة باردة في الشتاء وعالية الحرارة في الصيف في مكان خانق. أساليب تخويف خطيرة تمارس على الأطفال، ولأول مرة يجدون أنفسهم بدون حماية الوالد والوالدة خاصة عندما يبلغ ان والديه معتقلان في مركز تحقيق آخر وإذا لم تعترف فسيبقى والدك في السجن. كثيرة هي أصناف التعذيب التي تشعر الطفل الأسير بعقدة الذنب وأنه تسبب لأهله بكل هذه المصائب، وهناك ضغط نفسي هائل يمارس بحق أطفال فلسطين عند الاعتقال. وينقل قدورة فارس مطالب الأسرى مؤكدا على الحق في المطالبة بتفعيل القانون الدولي في فلسطين وتطبيق اتفاقيات جنيف في هذا الشأن بالاضافة إلى أن يضغط العالم الذي يسمي نفسه حرا، على إسرائيل لوقف التعذيب والعقوبات الجماعية ولوقف سياسة الاعتقال الإداري ولوقف الانتهاكات اليومية ولإعادة الأسرى الذين نقلوا إلى فلسطين المحتلة عام 48 إلى المناطق المحتلة عام 67 وفقا للقانون الدولي الذي ينص على ذلك. للأسف قبل فترة صدمنا من موقف بان كي مون حينما رفض أن يعتمد التوصيات المقررة الخاصة بشأن أطفال فلسطين، في هذه التوصيات جاء ترتيبها الثالث بعد أفغانستان والعراق في عدد الضحايا الأطفال الذين قتلوا عام 2014 . رفض بان كي مون ورضخ للضغوط الإسرائيلية، كان من المفترض ان يسجل الجيش الإسرائيلي ضمن قائمة العار لكن عدم اعتماد تقرير المقررة الخاصة من الأمين العام للأمم المتحدة وفر مظلة حماية للإسرائيليين. مطلوب منه حماية الأطفال في العالم وليس الانحياز لحماية إسرائيل وهذا الأمر يشجع الإسرائيليين على الاستمرار في سياسة التعذيب ضد الأطفال. وعن أوضاع الأسرى بسبب التعذيب يقول: ان عددا من الأسرى أصيبوا بإعاقات نفسية كدخولهم في حالة جنون أو إنهيار عصبي نتيجة ما تعرضوا له من تعذيب وهذا ينطبق على من حرر من السجن. وهناك أعداد تعالج في مستشفيات نفسية بسبب التعذيب أيضا وهناك من تعرض لإعاقات جسدية وما زالوا يعالجون، فهناك حالات تحتاج لفترات طويلة من العلاج.

العراق

زيدون سلمان خلف عراقي هارب من وطنه ومقيم في لندن يقول: لي أصدقاء وأقارب مروا بهذه التجربة حتى أنها تركت أحد أولاد أعمامي مقعدا بعد أن كان بطلاً رياضياً بعد سبع سنوات من السجن الذي كان مقروناً بالتعذيب في العراق. ولي صديق تم اتهامه بسب الرئيس في جلسة عامة واختفى لمدة ثلاث سنوات بطولها، بعد أن خرج لم يكن قادرا على المشي بصورة معتدلة لمدة سنة كاملة ناهيك عن الحالة النفسية الرهيبة التي كان يعيشها، فكان يرفض الكلام والخروج والعمل. أما الثمن فكان حالة الخوف المستمرة التي يعيشها الإنسان والرعب الدائم من الانتهاء إلى المصير نفسه. حتى وان لم تكن للإنسان نشاطات معادية للدولة والحزب لكن هناك خوف من الوشاية. ويضيف: أعتقد انه تم التأسيس للتعذيب كظاهرة طبيعية مصاحبة لاي استجواب أو عقاب في عهد ما قبل صدام فكان هذا من المسلمات التي دأب المجتمع على عدم المساءلة عنها أو الاحتجاج ضدها بشكل جماعي، ولكن ما حدث في عهد صدام هو حضور أشكال التعذيب في الحياة اليومية بشكل صارخ فمن يهرب من الجيش يتم قطع أذنه أو وسمه في جبهته ولم يكن ينظر المجتمع لهذه الحالة كشيء عجيب، بل تم تقبلها وتقبل الحكم الذي تلبسه على حاملها كجبان ومتخاذل في الدفاع عن الوطن. كنا حين يخسر المنتخب الوطني لكرة القدم نعرف انه سيتم حلق رؤوسهم ما ان يصلوا إلى بغداد، وبالفعل هذا ما كان يحدث وكان طبيعياً. أذكر اني كنت أمشي مرة في الشارع مع صديقي ولم نكن نحمل هوياتنا وحين أمسكنا رجال الأمن أشبعونا ضربا وما أن تركونا كنا نضحك وسعداء بالفرار. كان ضحكنا نابعا من إعتيادية الموضوع فهو يحصل طوال الوقت والسعيد من ينفذ بجلده بأقل الخسائر. التعذيب وسيلة للتخويف فبألتاكيد تم استخدامه لبسط السيطرة وقمع الهويات المختلفة والأطراف السياسية المناوئة للحكومة. كان التعذيب حقا تمارسه الدولة بتسليم كامل من الشعب .ويصف زيدون تجربتهم العائلية مع التعذيب قائلا:
كان أبي قد سجن لمدة خمس سنوات بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي في بداية تسلم القوميين للسلطة في عام  1963 وكانوا يتعرضون للضرب والتجويع بشكل يومي كسجناء، الأمر الذي أدى إلى معاناته من الكثير من الأمراض فيما بعد حتى أنه أدخل للمستشفى أثناء السجن لإجراء عملية مستعجلة كان الضرب والجوع أسهما في تفاقمها.
وللعائلة الكثير من الأصدقاء الذين راحوا ضحية للتعذيب في سجون نظام صدام حسين، أغلبهم في أوائل الثمانينيات في فترة التنكيل بالشيوعيين العراقيين والتيار المدني بالإضافة إلى بعض الأقارب الذين لفقت لهم تهم الانتماء لأحزاب دينية ممنوعة: لذلك كان مصيرنا الهروب لنحمي أنفسنا من التعذيب الذي أصبح مسألة طبيعية في بلادنا لا رادع له.

مصر

لم يعد انتقاد الانتهاكات والتعرض لها مقتصرا على المؤسسات الحقوقية والضحايا وحدهم في مصر بل أصبح هناك وعي عام لما يجري وذلك من خلال ما يبث وينشر في وسائل الإعلام. حيث أصبح طرح ما يجري من إنتهاكات لكرامة الإنسان من خلال التعذيب كمنهج للاستجواب أكثر وضوحا خاصة بعد سقوط حاجز الخوف بعد ثورة 25 يناير 2011. يرى بعض الكتاب والمحللين المصريين أن التعذيب تحول إلى ظاهرة متفشية في السياسة الأمنية ويطال المعارض والمواطن البسيط أيضا، بينما يرى د.نجيب جبرائيل رئيس الاتحاد المصري لحقوق الإنسان الذي تحدث لـ«القدس العربي» عن جريمة التعذيب مفندا ما تصفه بعض المؤسسات الحقوقية من أن هناك افراطا في التعذيب في مراكز الاحتجاز والسجون وضد أصحاب الرأي في مصر قائلا: التعذيب على مستوى القانون الدولي هو جريمة ضد الإنسانية وعلى مستوى الدساتير المحلية، جريمة يعاقب عليها بالسجن وقد تصل العقوبة للإعدام. في الدستور المصري هناك قانون جديد ينص على أنه جريمة لا تسقط بالتقادم، فمن حق أي شخص تعرض للتعذيب أن يتقدم بدعوى قضائية أو بلاغ إلى المحكمة حتى لو كان قد مضى على هذه الجريمة وقتا طويلا بخلاف الجرائم الأخرى التي ممكن أن تسقط بثلاث أو خمس أو عشر سنوات أو عشرين حتى الإعدام لكن بالنسبة لجريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم حسبما هو نص الدستور المصري.

سوريا

الأخت مريم من درعا في سوريا تحدثت لـ«القدس العربي» عن التعذيب والتنكيل الذي لحق بأسرتها وأسرة زوجها في درعا حيث الشرارة الأولى للثورة السورية التي كانت سلمية كما تقول لأكثر من عام، ثم أصبحت مسلحة: تم حرق 450 بيتا وما لم يحرق تمت سرقته. في إشارة منها إلى شبيحة النظام كما تقول، حتى أطفالنا لم يسلموا من التعذيب. وتضيف: عانينا من الخوف، كنا مهددون بالقتل في أي لحظة تم تعذيب سلفي «شقيق زوجي» وحرقوه وهو حي واستعملوا الكهرباء في تعذيبه ثم قتلوه، رفاقه في الاحتجاز أخبرونا بذلك بعد خروجهم حيث مورست بحقهم كل أشكال التعذيب. زوجي هرب من سوريا بطريقة غير شرعية وعانى ما عاناه إلى أن وصل إلى بريطانيا وطلب اللجوء ثم أتينا وأطفالي بما يعرف بلم الشمل. خرجنا من الموت وكنا أكثر حظا بخروجنا من هؤلاء الذين ينتظرون الموت في أي لحظة، كان الخطر من النظام السوري أما الآن فأصبح الخطر مضاعفا مع تهديدات داعش. الرعب والخوف والتعذيب في كل مكان حتى اني أخاف على من تبقى من أهلي الذين يعيشون في درعا الآن، عشنا المأساة ولا نستطيع نسيانها خاصة أولادي.

المغرب

أما الإعلامية والحقوقية ابتسام حوسني من المغرب فتقول عن التعذيب: ظاهرة التعذيب من الظواهر التي أرقت الإنسان عبر التاريخ والتي ستظل وصمة عار البشرية منذ أول ضحية (هابيل) إلى يوم قيام الساعة. والتعذيب فضيحة لا عذر ولا مبرر لها تخزي المجتمع الكوني الذي يبقى مستسلما أمامها. وغاية التعذيب انتزاع الاعترافات بالقوة والجبر حيث تسهل الإدانة في المحاكم من أجل إصدار عقوبات سالبة للحرية والحقوق، والدولة باعتبارها المالكة لكل وسائل القمع والاكراه كانت دوما التي تدبر ملفات التعذيب المختلفة لثني معارضيها عن أفكارهم وآرائهم وتطلعاتهم واخضاعهم لناموسها الأعلى. وتضيف: وفي اليوم العالمي لمناهضة التعذيب وقهر الإرادات البشرية عبر التشويه والحرق ونزع الأظافر والاغتصاب والإخصاء ….إلخ، ما زلنا نرفع أصواتنا من أجل التنديد وشجب كل تلك الممارسات الوحشية واللإنسانية التي كنا نأمل أن يكون هذا اليوم إعلانا عن نهايتها ووضع قطيعة معها. لا يمكن لأي بشر أن يتصور حجم ونطاق التعذيب الذي مورس في غياهب المعتقلات السرية، والسجون اللعينة و»الطائرة» شكلت قاسما مشتركا في مراسيم حفلات الاستجوابات والاستنطاقات وأسفارها العميقة في ثنايا ذاكرة المعتقلين كانت نادرا ما تنتهي بسلام، وإنما غالبا ما تنتهي بالكارثة المفجعة. أما «الشيفون» فكان تعبيرا خارجا عن حقد المشرفين على عمليات الاستجواب تجاه المعتقلين واعتبارهم حيوانات لا تستحق الحياة، أضف إلى ذلك الصعقة الكهربائية و»القرعة» والإخصاء ونزع الأظافر والجلد فهي عروض يتلذذ بها الشواذ من الجلادين. وأما عن التكنولوجيا المتمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي فتقول: إذا كان أمل البشرية في التكنولوجيا هو المساعدة على تجاوز الإخفاقات السابقة وتقديم الدعم لمواجهة الصعوبات التي يطرحها إنتاج الخيرات وتقريب عالم المعرفة والعلم إلى المستهلك، فإن تكنولوجيا المعلومات تجاوزت هذا المأمول واستغلت لإظهار الشاذ من الممارسات البشرية المقترفة كاستغلالها في نشر صور الذعر والإرهاب والتقتيل والانحلال من كل القيم البشرية السامية من قبيل التكافل الإنساني والاغاثة والتعايش الأخوي، مما يؤسف المواطن العربي الحالي هي الصور التي تبثها القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي حيث تقدم للمواطنين فيديوهات تصور ما يقدم عليه بعض من يعتبرون أنفسهم قيمين على الدين وغيورين على نقاوته وهم يذبحون وينكلون بإناس مسالمين لا علاقة لهم بالحروب لا من قريب ولا من بعيد. إناس وضعهم قدرهم في طريق هؤلاء ما هو الإنطباع الذي سيخرج به هذا المواطن وهو يتابع هذه الأشرطة؟ وما هو الإنطباع الذي نعطيه للشباب واليافعين عن واقعنا العربي؟ أكيد أننا سنصاب بالدوار والحسرة والحقد والكراهية ونحن نشاهد هذه الأشرطة. وكم سيجد أبناؤنا هذه العروض مغرية بدليل ما يلاحظ من إقبال اليافعين والصبية على الانضمام لجحافل ولكتائب الإعدام المؤجرة المنتشرة هنا وهناك. أملنا أن يتوقف هذا الاستهتار وهذا التوظيف اللاعقلاني لمثل هذه الأشرطة وان نكف عن إثارة اليافعين وشحنهم ودفعهم إلى تبني ممارسات التعذيب والعنف. وأملنا أيضا أن تسود ثقافة التسامح وثقافة الإيمان بالحقوق المتعددة والمتنوعة لكل الناس دونما تمييز ديني أو طائفي أو عرقي أو مذهبي أو دولي.

نادي الأسير الفلسطيني

تشير تقارير قانونية إلى أن ما نسبته 95٪ من مجمل المعتقلين تعرضوا للتعذيب القاسي والإساءة من قبل المحققين والجيش الإسرائيلي. ويشمل التعذيب صنوفا مختلفة، مثل الضرب والاعتداء بشكل وحشي وهمجي على الأسرى أثناء اعتقالهم وقبل نقلهم إلى مراكز التحقيق والتوقيف، بالإضافة إلى إجبارهم على خلع ملابسهم وتركهم لساعات طويلة في البرد القارس، مكبلي الأيدي والأرجل، وحرمانهم من استعمال المراحيض. وعند وصول الأسرى إلى أقبية التحقيق ومراكز التوقيف المنتشرة في إسرائيل، فإنهم يتعرضون إلى تحقيق قاس، والحرمان من النوم والشبح المتواصل والحرمان من لقاء المحامي، إضافة إلى هدم منزل الأسير ومعاقبة العائلة باعتقال الزوجة والأم في محاولة لإجبار الأسرى على الاعتراف، إضافة إلى العزل في زنازين انفرادية لمدة طويلة.

دراسة

تبين دراسة جديدة أعدتها «المجموعة المتحدة» وهي مؤسسة قانونية تضم عددا من المختصين القانونيين والحقوقيين والمستشارين في مصر أن 76٪ من حالات التعذيب كانت في اتهامات لا علاقة لها بالأوضاع السياسية وان التعذيب يتم بشكل روتيني وليس بالضرورة للحصول على اعترافات. كما تشير الدراسة إلى أن الفئة العمرية من 18 إلى 35 سنة هي الأكثر تعرضاً للتعذيب بنسبة 58٪ يليهم أصحاب الفئة العمرية من 36 إلى 49 سنة بنسبة 23٪، في حين انخفضت نسبة تعذيب الأطفال. مشيرة إلى أن انتشار التعذيب ومختلف أشكال المعاملة القاسية بين الأميين وغير الحاصلين على شهادات جامعية أكثر بمقدار الضعف مقابل الحاصلين على شهادات جامعية.
وكشفت الدراسة عن انتشار التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية بين عمال اليومية والحرفيين والعاطلين عن العمل مقابل المهنيين أكثر بسبعة أضعاف تقريباً، وانتشار التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية بين المتهمين بارتكاب جرائم تقليدية مقابل تعذيب الضحايا لدوافع سياسية هو أكثر بمقدار أربعة أضعاف. كما أوضحت الدراسة أن ‪50٪ من حالات التعذيب التي قدمت لها المجموعة المتحدة الدعم القانوني جرى تعذيبها عن طريق الضرب سواء باليد مباشرة أو عن طريق آلات صلبة راضة، بينما توزعت طرق التعذيب أو استعمال القسوة ضد باقي الحالات ما بين المعاملة ‪ واستخدام شحنات كهربائية غير مميتة. ‪
‫ولفتت الدراسة إلى أن الظاهرة منتشرة وأن هناك إحجاماً من كثير من الضحايا عن الإبلاغ عن جرائم التعذيب أما لاعتقادهم أن الإبلاغ عن جرائم التعذيب خطوة غير مجدية، أو لأنهم يخشون انتقام رجال الشرطة منهم، كما أن البعض منهم يقبل بالتصالح والتنازل عن حقوقه نتيجة ضغوط تتمثل إما في عرض مبالغ مالية مقابل التصالح أو تخويفه من مغبة الاستمرار في معركة قضائية غير مضمونة النتائج.

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية