أعطاب السياسة الخارجية المغربية

حجم الخط
0

محمد الراجي ظلت السياسة الخارجية المغربية منذ تولي الملك محمد السادس الحكم في يوليوز 1999 منكفئة ومنكمشة داخل حدودها ومعزولة عن مجالها الحيوي ومحيطها العربي، خصوصاً الخليجي، وهو ما يفسره الشعار الأثير لحراس العهد الجديد ‘تازة قبل غزة’، رغم الموقع الاستراتيجي والمحوري للمغرب في عالمه الإفريقي والعربي، فضلاً عن ارتباطاته المتوسطية والأطلسية.لقد اختار العقل الدبلوماسي المغربي آنذاك أن يفكر بمنطق ‘السياسة الداخلية انحسار للسياسة الخارجية’ ربما لحشد الطاقات والإمكانيات للانكباب على أولويات المرحلة الجديدة ومعالجة إرث العهد القديم، وربما لحداثة تمرسه بإدارة دواليب الحكم وبالسياسة الدولية. وهو ما يعني التزام سياسة ‘النأي بالنفس’ عن القضايا الإقليمية والعربية الملتهبة عملاً بقاعدة ‘المغرب أولاً’، وأن الحلول لمشاكل التنمية في البلاد تنبع من الداخل وليس من خارج الحدود، وأن التكاليف التي يمكن أن تتحملها الدولة في تفاعلها مع محيطها الإقليمي ستكون على حساب الملفات الاجتماعية والسياسية الداخلية.لكن هذا الاختيار في النهاية، والعبرة بالنتائج، لم يساهم سوى في هشاشة الوضع الاجتماعي والسياسي، لأنه يفتقد إلى البعد الجيو استراتيجي ولا يأخذ بعين الاعتبار موارد الدولة وإمكاناتها ومصالحها المتشابكة مع محيطها العربي الخليجي، ولا يلتفت أيضاً إلى القاعدة السياسية والدبلوماسية التي تعتبر السياسة الخارجية امتداداً للسياسة الداخلية. وكان مركب تفضيلات العقل الدبلوماسي أن يضع البيض دائماً في سلة واحدة فيتكسر في نصف الطريق أو عند أي ارتجاج (ملف الصحراء نموذجاً). ويبدو اليوم أن العقل الدبلوماسي أخذ يُدرك حجم المتغيرات الداخلية التي تحاصره وتدفعه لاستباق المفاجآت التي قد تهدد أطروحة أو ورقة ‘الاختيار المغربي للاصلاح في إطار الاستقرار’. لذلك يسعى جاهداً إلى خدمة قضايا الداخل وحل مشاكله التنموية باستثمار علاقاته ومصالحه مع محيطه العربي، ولا سيما الخليجي، فأصبحت السياسة الخارجية امتداداً طبيعياً للسياسة الداخلية ورافعة لمواجهة تحدياتها.لقد بدأت أذرع هذه الرافعة تمتد خارجياً، خصوصاً بعد أن فشل الرهان على المشروع المخزني الحداثي الديمقراطي، وذلك لتخفيف ضغوط مطالب الحراك السياسي والاجتماعي، ولاحتواء آثار الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد بتفعيل مشاريع التنمية في إطار الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج. وكانت الخطوة الأولى لانفتاح الدبلوماسية المغربية على محيطها الإقليمي وتنزيل قاعدة ‘السياسة الخارجية امتداد للسياسة الداخلية’ تلك المنهجية الجديدة في التعامل مع الثورة الليبية والسورية وإن ظلت الخطوة ثقيلة الحركة تنفعل بالأحداث والوقائع ولا تملك زمام المبادرة. ولا شك أن هذا التطور محسوب ولا يمكن أن يكون بدون ثمن، لأن السياسة الخارجية والدولية ليست عملاً خيرياً. لذلك يُخشى على هذه الرافعة أن تتحطم إذا خضعت للمزاجية السياسية أو ارتهنت للمتغيرات الضاغطة على السلطة ولم تتطلع إلى الدور المركزي للمغرب، وتتحول إلى آلية لبناء دبلوماسية تنموية في العلاقات الإقليمية والدولية للمغرب، لأن شعار تازة قبل غزة أثبت فشل الرؤية الضيقة في تحديد مصالح البلاد وأمنها القومي، بل لم ينقذ لا تازة ولا غزة. وهو فشل لا يمكن فصله عن المشكلة الأساسية التي يعاني منها المغرب بافتقاده لنظام حكم ديمقراطي.إن التحدي اليوم أمام السياسة الخارجية المغربية هو تفعيل ما يُصطلح عليه بـ’دبلوماسية التنمية’ التي يكون فيها الأمن القومي للبلاد والاستقرار السياسي الهادف للارتقاء بالمجتمع ودمقرطة مؤسساته في قلب اهتماماتها ومركز نشاطها اليومي. وهو اختيار سياسي ناتج عن رؤية استراتيجية تُجنِّب البلاد الانفجار المفاجئ الذي قد يحدث في أي لحظة. ويقتضي ذلك أن تتحول الخارجية المغربية، ودائرة صنع القرار السياسي في دواليبها، إلى مختبر لدراسة التجارب الناجحة في التنمية بالبلدان المتقدمة، وإعداد الأطر ذات الكفاءة العالية والمؤهلة للترويج للاستثمار والسياحة في المغرب، والتخطيط الاستراتيجي لتسويق الثقافة المغربية وقدرات الإنسان المغربي على الخلق والإبداع في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية والمهنية والقانونية والصحية والرياضية، لأن العاملين في هذه الحقول هم السفراء الحقيقيون للمغرب، والذين يصلون ما تقطعه السياسة الداخلية. إذاً، تحتاج السياسة الخارجية المغربية لأن تنزع عنها العباءة التقليدية الضيقة والمتهتكة التي نسجها شعار تازة قبل غزة لتواكب التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي، وتتوجه نحو رؤى جديدة غير تقليدية تستخدم فيها ما تملكه من أدوات القوى الناعمة لخدمة الأمن القومي للبلاد المفتوح على خارج الحدود. ‘ كاتب وصحافي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية