محمود معروف الحمامات (تونس) ـ ‘القدس العربي’: اختتمت اول امس الاربعاء بمدينة الحمامات التونسية ندوة الدين والدولة في الوطن العربي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بمشاركة اكثر من 50 مفكرا وباحثا يمثلون مختلف التيارات السياسية والفكرية ولتؤكد العروض التي قدمت والنقاشات التي جرت ان البون لا زال شاسعا بين التيارات الدينية وبقية التيارات السياسية قومية وليبرالية وان الحوار بين هذه التيارات لا زال يعوزه ارضية فكرية توافقية.وتناول المشاركون بالندوة في معالجتهم لإشكالية الدولة والدين، البعد التاريخي للعلاقة بينهما، والتركيز على تقديم ما يفيد في اكتشاف كيف مورست السياسة في الماضي الإسلامي ومعالجة جوهر القضايا التي تدخل ضمن العلاقة، والتي تواجه تنظيم الدولة المعاصرة عربيًا خاصةً بعد صعود حركات إسلامية إلى السلطة عقب الثورات العربية. وظهر على مدى ثلاثة ايام تباين واضح بين المشاركين على المستويات المفهومية، والفقهية، والتنظيرية ان كان اثناء مناقشة العروض النظرية اوالتي قدمت حول تجارب لدول تصف نفسها، أو توصف، بالإسلامية كالسعودية وإيران، او تجارب ما صار يعرف بالإسلام العلماني كما هو في تركيا وماليزيا مثلاً وتجارب البلدان الاخرى التي برزت فيها مؤسسات موازية للدولة قامت على أسس دينية ومذهبية او تجارب الدول التي وصل فيها التيار الاسلامي الى الحكم السنة الماضية بعد ثورات الربيع العربي. وشكى الفاعلون السياسيون المنتمون لهذه التيارات ومفكريها المشاركون بالندوة من سوء الظن المسبق الذي يقرأ الاخرون تجاربهم ان كان من ناحية الديمقراطية او الحريات العامة والفردية او المرأة والمساواة او المواطنة وهؤلاء الاخرون يتحدثون عن التجارب السابقة للتيارات الاسلامية وما تقوله ادبياتهم وخطاباتهم وايضا مؤشرات الشهور الماضية من حكمهم.التجربة المغربية في علاقة الدين بالدولة كان لها قراءة مختلفة من خلال ورقة المفكر المغربي أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسينة حول امارة المؤمنين التي هي مؤسسة الملك من خلال تحليل مركزية المؤسسة في نظام الحكم ودورها في إدارة الشأن الديني ومدى التماهي أو التمايز في ذلك النظام بين السلطتين الزمنية والدينية. وقال إن وجود مؤسسة ‘إمارة المؤمنين’ في النظام الدستوري المغربي ساعد كثيرا على ‘التخفيف من أزمة العلاقة بين الديني والسياسي’ ويبرز ذلك واضحا في مجالين أساسيين تقوم عليهما الدولة الحديثة وهما ترسيخ دولة المؤسسات وحقوق الفرد وحريتها.وأبرز أن الدستور المغربي لسنة 2011 الذي تميز بترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة وتكريس ثقافة حقوق الإنسان وحمايتها جاء أيضا بصياغة جديدة لمؤسسة ‘إمارة المؤمنين’ التي قال إنها ‘لم تشكل في أي وقت من الأوقات عائقا أمام الدولة الحديثة’.وأوضح الخمليشي أن مؤسسة ‘إمارة المومنين’ في النموذج المغربي تقوم من حيث الممارسة على المساهمة في بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على مرجعية الأمة في تدبير شؤونها العامة وعلى ضمان الحقوق الأساسية للأفراد والمساواة بينهم بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو العقيدة .وأشار إلى ما يعيشه العالم الإسلامي من ‘صراع عنيف في التوافق بين التصورات والأفكار التي ورثها عن تدبير الشؤون العامة للمجتمع ومستجدات الواقع وفي مقدمتها دولة المؤسسات وحقوق الفرد وحريته’ وقال إن المغرب استطاع أن يستكمل من خلال دستوره الأخير عناصر دولة المؤسسات المحددة اختصاصاتها بوضوح مع الرقابة المتبادلة تطبيقا لمبدأ مونتسكيو ‘السلطة لا يحدها إلى السلطة’ ومنها المؤسسة الجديدة المتمثلة في المحكمة الدستورية الموكول إليها مراقبة دستورية القوانين.وأوضح الباحث المغربي أن ‘إمارة المؤمنين’ كانت خلال المرحلة السابقة لإدراجها في الدساتير المغربية ‘تستقطب بحمولتها الدينية كل تصرفات الملك المشخص لـ’الدولة’ فكانت العلاقة بين المصطلحين علاقة تمازج واندماج في التقرير وفي التنفيذ’ قبل أن يستعرض التطور الذي عرفته هذه المؤسسة من خلال ما تضمنته الدساتير المغربية المتعاقبة بدءا من دستور 1962 وانتهاء بدستور 2011.واضاف أن مؤسسة ‘إمارة المؤمنين’ في الدستور الجديد تميزت بفصل المهام الراجعة إلى رئاسة الدولة عن المهام الراجعة إلى إمارة المؤمنين وقال أن إسناد السلطة التشريعية إلى البرلمان وتفصيل ما يختص به التشريع يؤكد أن إمارة المؤمنين ‘مؤسسة رمزية مجالها الأمن الروحي والقيمي في الحياة الدينية للمجتمع وليس علاقات التعايش اليومية وتدبير مصالح المجتمع السياسي في تدافعه وتنافس أفراده ومكوناته البشرية والطبقية وسعيه إلى الأفضل’.واشار الخمليشي إلى أن ‘إمارة المؤمنين’ وإن كانت تعنى بالشعور الديني للأمة ورعايته فإن ذلك ‘لا يعني انفصالها التام عن التدبير السياسي الذي يساهم به الملك بصفته رئيس الدولة’ والاختلاف القائم في الوعي الاجتماعي بين مركز الملك ‘المبايع بصفة أمير المؤمنين وفقا للنموذج الذي أسسه الفقه ورسخته الممارسة وبين مركز ‘رئيس الدولة’ المنتخب بالطريقة المحددة في دستور كل دولة’ وأوضح أن الملك المبايع ينظر إليه بعيدا عن التأثر الحزبي أو الإيديولوجي أو الطائفي أو الإثني وذلك ما تفسره ‘حوادث تاريخية تتعلق بتحكيمه’ موضحا أن الفقه نفسه اعترف بهذا التحكيم عندما قال ‘إن رأي ولي الأمر يرفع الخلاف’. مشيرا إلى تحكيم الملك بصفته ‘أمير المؤمنين’ لحسم الجدل الذي شهده المغرب سنة 1999 حول مشروع الحكومة المتعلق بقانون مدونة الأسرة.وقال مدير دار الحديث الحسنية إلى أن المغرب صادق على العديد الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلق بحقوق الإنسان في مجالات مختلفة وهو ما يدل على أن ‘التعايش الهادئ بين الديني والسياسي يرجع إلى المركز المتميز لإمارة المؤمنين’.ورقة الدكتور احمد الخمليشي لقيت نقدا قاسيا من بعض المشاركين لتقديمه صورة وردية لدور امارة المؤمنين في تدبير الدولة المغربية، وتحدث المنتقدون عن سنوات الرصاص التي عرفها المغرب بعيد استقلاله فيما قال مشاركون اخرون ان ما قدمته الورقة من ايجابيات كان يستحق ان يتلازم مع ما عرفته التجربة المغربية من سلبيات وان ما عرفه من تقدم لا ينكر ان يترافق مع الاخفاقات التي يعيشها بسبب ‘مؤسسة امارة المؤمنين’.