كالعادة إسرائيل تنفي بعنجهية قتل أطفال غزة

في محاولة استباقية، أصدر الجيش الإسرائيلي في الثالث عشر من يونيو 2015، تقريرا نفى فيه ارتكاب مجازره خلال العام الماضي بغزة، ونفى كذلك مسؤوليته عن شن ذلك العدوان، وحمل المنظمات الفلسطينية مسؤولية ما حصل.
وبحسب القانون الدولي، فإن الدولة إذا ما قامت هي بالتحقيق في وقائع وتفاصيل مجريات الحرب، ونشرت نتائج ذلك، فإن اللجنة الدولية تكتفي بذلك، ولا تقوم بتحقيقاتها هي إذا ما اقتنعت بوقائع ما تنشره السلطات المحلية. هكذا استبقت إسرائيل نشر لجنة التحقيقات الدولية، ونشرت تقريرها في محاولة منها لتعطيل تأثير الوقائع التي تدينها، المتضمنة في تقرير اللجنة الدولية عن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل منذ عام في غزة. وما لفت الانتباه في الوقائع التي نشرتها إسرائيل، أنها روت روايات مختلقة ومفبركة ومغايرة لما حدث بالضبط، كما حصل على سبيل المثال في واقعة جريمة مجزرة الشاطئ لأطفال عائلة بكر في 16/7/ 2014، الذين كانوا يلعبون كرة القدم قرب أحد الفنادق، وكانت ترتاد الفندق في ذلك اليوم مجموعة من الصحافيين الذين شاهدوا الجريمة بأم أعينهم وصوروا بعض الوقائع منها بكاميراتهم، وكتبوا عنها حينذاك.
الناطق باسم الجيش الإسرائيلي بيتر ليرنر، ذكر في تقريره الاستباقي، أن الطائرات الإسرائيلية أطلقت النار على الأطفال الأربعة، حين لم يتم التعرف عليهم كأطفال، وتحت اعتقاد أنهم مسلحون، في منطقة يستخدمها حصريا متشددون. ما ذكره الناطق الإسرائيلي، فيه من الفبركات والأكاذيب التي لا تتفق مطلقا مع وقائع ما جرى. والواقعة كما روتها وسائل الإعلام في حينه، وبعد وقوع المجزرة، أن الأطفال الأربعة من عائلة بكر (عاهد وزكريا واسماعيل ومحمد) وكان أكبرهم في الحادية عشرة من عمره، كانوا يلعبون الكرة على الشاطئ بالقرب من أحد الفنادق، وهو مكان يرتاده عموم الناس، وليس للمسلحين أي علاقة به. إلا أن أفراد البحرية الإسرائيلية، بعد أن شاهدوا الأطفال الأربعة، وهم يلعبون الكرة في ذاك المكان، قاموا بإطلاق قذائفهم عليهم ليتحولوا إلى أشلاء متناثرة، فهرع الصحافيون والمصورون لتسجيل وتصوير ما جرى. إذن لم يتم ارتكاب الجريمة بواسطة الطيران، بل أن الأمر تم بواسطة البحرية الإسرائيلية، ومهما حاولت السلطات الرسمية تغطية جريمتها هذه بالقول بأن ضبابا حجب الرؤية في ذلك اليوم، أو أن المعلومات الاستخبارية كانت مشوشة لدى قواتها، أو أن اعتقادا خاطئا حصل في تفسير تحركات الأطفال وركضهم وراء الكرة، أو ربما أن القصف تم نتيجة خطأ فني! ما أدخل اعتقادات غير حقيقية في التفسير والتدبير لدى القوات التي أطلقت النار، أو ربما أن ما حدث كان مقصودا بذاته، لإحداث نتائج مدروسة تماما.
هذه واقعة من وقائع الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في صيف العام الماضي، واستمرت الوقائع خلالها لمدة تزيد على 51 يوما، ذهب ضحيتها نحو 2250 فلسطينيا، من بينهم نحو 500 طفل، ونحو 11 ألف جريح، وتم تدمير آلاف البيوت كليا أو جزئيا، فهل تم كل ذلك تحت بند الخطأ الفني في التقدير والتدبير، وضبابيات في الفهم والتفسير والإدراك؟ ليأتي التقرير الاستباقي بما فيه من أخطاء وخطايا مقصودة، قبل أن تعلن السلطات القضائية الدولية عن نتائج تحقيقاتها.
إن سياسة الإنكار بصلف وعنجهية في ارتكاب المجازر، تكرر كثيرا وطويلا في الزمن، منذ أن بدأت الحركة الصهيونية تسعى للسيطرة واحتلال الأراضي الفلسطينية. والوقائع في هذا المجال كثيرة ومتنوعة، وتملأ صفحات من مجلدات عديدة، ولو حصرنا الأمر في ثلاث وقائع تتعلق بالأطفال، فإن المصادر الصهيونية نفت تماما، بعد أن مضى أكثر من عقد على استشهاد الطفل محمد الدرة، ان القوات الصهيونية لم تكن هي التي أطلقت النار على محمد ووالده، بحسب التحقيقات الرسمية الإسرائيلية، وانه ربما كان هناك من أطلق النار غير القوات الإسرائيلية.
كما أن السلطات الإسرائيلية، على سبيل المثال، أنكرت وبصلف وعنجهية أيضا، أنها أطلقت الرصاس الحي على الشهيدين نديم نوارة (17 سنة) ومحمد أبو ظاهر (15 سنة) في الذكرى السادسة والستين للنكبة في الخامس عشر من مايو من العام الماضي، بالقرب من سجن عوفر المقام على أراض تابعة لمحافظة رام الله، وأصيب في تلك الواقعة أيضا شابان آخران نقلا إلى المستشفى باعتراف منظمات دولية محايدة. كما أن الطفل محمد أبو خضير الذي تم حرقه في القدس المحتلة، تحاول السلطات الإسرائيلية إلباس الجريمة وتجميلها لمن تدعي أن مرتكبها يعاني من اختلالات عقلية.
هكذا فإن حبل الأكاذيب والفبركات وقلب الوقائع والحقائق، وإضفاء تبريرات غير واقعية مطلقا، كثيرة ولها في التاريخ الصهيوني شواهد ووثائق كثيرة ومتعددة. الغريب أن هناك إزاء بعض ما ترويه السلطات الصهيونية من أكاذيب، من يصدقها ويروج لها عالميا، وتلك آفة من آفات تبادل المصالح والانحيازات العمياء في عالمنا.
اللافت هنا وما ينبغي ذكره، أن السلطات الإسرائيلية كانت منعت لجنة التحقيق الدولية من الوصول إلى الأراضي المحتلة، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تحقيقات المحققين الإسرائيليين المتعلقة بالحرب الأخيرة على غزة، كافية وهي تتوافق مع القانون المحلي والدولي.

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية