لم يغب عن ذهن الزائرة الشابة، وهي تدخل للمرة الاولى قصر قرطاج، أن هناك قاعدة في البروتوكول تفرض على الزوار أن يدلوا ساعة المغادرة بتصريح مقتضب للصحافة.
الزائرة كانت طالبة لم تتخط العقد الثاني من عمرها بعد، وجاءت قبل ثلاثة أعوام من الآن لمقابلة الدكتور المرزوقي، بعد أن قرر منحها وساما رفيعا وخصص لها موكب استقبال رسمي للاشادة ببطولتها. لقد وقفت امام الكاميرات في المكان ذاته الذي يقف فيه في العادة كبار الشخصيات من رجال السياسة التونسيين والاجانب، بمعطفها الاسود البسيط، الموشح بوسام الجمهورية اخضر اللون، وقدمت نفسها باقتضاب شديد في جملة أو جملتين، قبل أن تقول بشيء من الخجل والارتباك بانها « تصرفت في حادثة العلم بتلقائية» وأنها «تحاول أن تظل دائما على تلقائيتها تلك، لذلك فهي لم تجهز كلمة خاصة لتقرأها على مسامع الصحافيين». واختتمت في الاخير حديثها القصير بالاشارة إلى أن استقبالها في القصر شرف لها وان» احتفاء التونسيين بها هو احتفاء براية بلدهم قبل كل شيء».
زائرة القصر وصفتها صحيفة «الصريح» المحلية بانها « طالبة مستقلة لا تحمل اي لون سياسي، وليس لها نشاط نقابي او سياسي داخل الجامعة»، وأضافت أيضا بانها» تسلقت سور الكلية بسبب غيرتها على رمز سيادة الوطن وليس بسبب انتمائها لأي تشكيل سياسي». أما القصة التي حولتها من مجرد طالبة عادية إلى بطلة قومية في تونس، فيلخصها مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع في اوئل ايام مارس من ذلك العام، ويظهر شابا تسلق سورا في مدخل كلية الاداب ليضع على أعلى السارية علما اسود اللون به كلمة التوحيد، بدلا من العلم التونسي المثبت هناك، وسط ذهول مجموعة من الطلاب كانت ترقب المشهد من بعيد وكأنها تتابع شريطا سينمائيا من أفلام الاثارة، أو الاكشن، إلى أن تحركت فتاة لتتسلق السور بدورها وتحاول منع الشاب من اتمام مهمته، الامر الذي دفعه لطرحها جانبا وسط صراخ الحاضرين وصيحاتهم، ثم قيام بعض الشباب في وقت متأخر بتسلق السور لنجدتها. لكن بطولة الطالبة التي واجهت زميلها السلفي، حين اراد أن ينزل العلم من مدخل الكلية ويستبدله بآخر لم تكن الخاتمة السعيدة والطبيعية للقصة، فهي أي الفتاة، وإن كانت بحسب تصريحاتها وحتى ما وصفتها به الصحف المحلية، من أنها «مستقلة ولا لون سياسي لها» إلا انها لم تستطع رغم كل شيء أن تقاوم القناصة الذين كانوا يتربصون بانتظار طريدة لم يكن يعنيهم كثيرا، إن كان اسمها شجاعة او بطولة او وطنية زائدة، مادامت تصيب بعضا من اهدافهم. لقد اشتغل هؤلاء بحرص ومهارة قبل وبعد حفل قصر قرطاج، حتى يخرجوا بكسب من واقعة العلم يدر عليهم ارباحا فورية، ثم عوائد اخرى في المستقبل القريب. وبمجرد أن انهت الزائرة تصريحها الصحافي الموجز وغادرت القصر، بدأت قصص اخرى تنسج من وحي النسخة الاصلية الاولى. لقد كانت مواصفات البطلة جاهزة وعلى المقاس، فهي شابة تلبس الجينز ولا تضع بالطبع حجابا او نقابا وتتابع دراستها في ماجستير الادب الفرنسي، ثم هي مثل السواد الاعظم من الشباب التونسي لا تنتمي لحزب أو جمعية، أو تهتم اصلا بالسياسة. أما على الطرف المقابل فهناك شاب ملتح يرتدي جلبابا ويبدو مظهره غريبا عما اعتاده وألفه معظم التونسيين.
اذن لا سبيل لأحد لان يشكك فيها وفي انتمائها لبلد عصري ظل يرفع لواء الدفاع عن الحداثة في وجه التهديدات والمخاطر المحدقة به، ولا حاجة لاي شخص أن يتمهل قبل الاسراع بوضع النموذجين معا على كفة موازنة صعبة ودقيقة، بين وطن مهدد بالتفكك والضياع، ودين محاصر ومشوه بمجموعات، لا أحد يعلم متى وكيف خرجت للنطق الحصري باسمه عن غلو وجهل. ولاجل ذلك فإن اول شيء فعله القناصة هو استغلال موكب التكريم لضرب اكثر من عصفور بحجر واحد. وأول تلك العصافير كان تماسك الائتلاف الثلاثي الحاكم الذي لم يمض على تشكيله واستلامه السلطة سوى بضعة اسابيع قليلة فقط. لقد تم الترويج بكثافة في وسائل الاعلام المحلية لرفض البطلة مقابلة رئيس الحكومة «الاسلامي» حمادي الجبال، واكتفائها بمقابلة رئيس الدولة «العلماني» المنصف المرزوقي. ورغم اعتذارها وتبريرها المتأخر لذلك الرفض بغياب التنسيق بين مصالح الرئيسين وتعويضها لذلك التقصير وسوء الفهم بمقابلة مع وزير الداخلية علي العريض، فقد اعطى ذلك انطباعا عاما بأن هناك نوعا من التصدع بين اضلاع مثلث الحكم، وانعداما لرؤية مشتركة بين مكوناته، واطلق العنان للبعض لوضع جميع الاسلاميين بلا استثناء في سلة واحدة والتشكيك في انتمائهم وولائهم للوطن. لم يطرح السؤال مطلقا عن الدوافع التي قادت الشاب السلفي إلى محاولة استبدال العلم التونسي براية اخرى، ولم تبذل جهود او محاولات لفهم او تفكيك ما بدا ظاهرة غريبة وغير معهودة في المجتمع التونسي، ولم يهتم احد بالطبع للاصغاء قليلا لمطالب بسيطة كان تحقيقها سهلا وممكنا، لو احسن المسؤولون داخل الجامعة التصرف بحكمة وهدوء، ومن دون انحياز او تشدد ايديولوجي او فكري مبالغ فيه. ولكن اين التونسيون من ذلك الهدوء وتلك الحكمة، فكل شيء بات عندهم عرضة للقنص. والمفارقة هنا هي أن ابطال الرواية على اختلاف ادوارهم ومواقعهم كان مصيرهم في النهاية واحدا، وهو التجاهل التام بعد أن اتموا مهمتهم ولم تعد هناك حاجة او مصلحة في استمرار بقائهم طويلا تحت دائرة الضوء. لقد خفت بريق الطالبة التي صارت نجمة يتسابق المسؤولون حتى خارج العاصمة على تكريمها، بمجرد أن انفض الاجتماع الاول للتحضير لعودة الوزير الاول السابق الباجي قائد السبسي إلى مواقع سلطة مضت بالكاد ثلاثة شهور على تركها، والذي اطلق عليه اسم «نداء الوطن»، وكان النواة الاولى لاطلاق حزب نداء تونس بعد شهور وحضرته البطلة القومية بوصفها ضيفة شرف استثنائية، ولم يعد يسمع احد ايضا شيئا عن زميلها السلفي بعد أن سلم نفسه إلى السلطات ونال في محكمة الاستئناف حكما مخففا بالسجن مع تأجيل التنفيذ. لكن اخرين غيرهما ظهروا بعد ذلك ليستمر القنص على الواجهتين، وكأنه لا سبيل ابدا لالتقاء الوطنية بالتدين في تونس. فاما أن تكون وطنيا وتدير ظهرك تماما للدين، أو تكون متدينا فتتنكر بالكامل للوطن، ولا خيار ثالثا يلوح في الافق لان اختصار المسافة المصطنعة بين الاثنين، أو حتى التفكير في ازالة ما يصور على انه تناقضات واختلافات حادة وجوهرية بينهما يبدو عملا مركبا وبالغ التعقيد. اما لماذا لا يكون الوطني متدينا والمتدين وطنيا فذلك هو بالتحديد جوهر الاشكال المعرفي والوجودي الذي يتخبط فيه البلد منذ اكثر من ستين عاما. اذ لم يكن هناك امام التونسيين بعد المغادرة الرسمية للاستعمار الفرنسي فرصة لاختيار هوية او انتماء واضح ومحدد يقطع مع حالة الالتباس والغموض. وتحولوا بفعل السنوات والعقود الطويلة إلى كائنات منبتة تتحدث عن الاستقلال وحتى عما اطلق عليه بورقيبة «أمة تونسية» من جانب، وتتكلم بلغة المستعمر وطبقا لفكره وتصوره الذي لا يعير اي وزن او قيمة للدين من جانب اخر. ذلك التناقض السريالي الحاد في الشخصية التونسية هو الذي أجج الخصومة بين الوطنية والدين ولم تفلح جهود من وصفوا بالاسلاميين المعتدلين ومن ساندهم على الجانب الاخر من العلمانيين المعتدلين، بعد هروب بن علي في جسر هوة اخذت تزداد اتساعا وعمقا بمرور الوقت، وتلاحق الاحداث من تفجيرات واغتيالات وعمليات قتل باسم الدين، ومحاولات للحشد المعاكس من جانب السلطات تحت لواء الوطنية. والنتيجة كانت أن النماذج الوحيدة التي روج لها بشكل مسترسل ومكثف هي فقط للوطني المعادي للدين والمتدين الرافض للوطنية.
وهذا ما سهل عمليات القنص في الاتجاهين، وجعلها تستمر إلى الان. اما إلى متى سيتواصل ذلك ومتى يدرك التونسيون انهم جميعا في النهاية، وبلا استثناء ضحايا مباشرين لشره القناصة وجنونهم، فالواضح أن ذلك لن يتحقق الا متى تصرف قادتهم بحكـــــمة ومسؤولية وبقدر من» التلقائية» التي فقدوهــا وقادت قبل ثلاث سنوات من الان طالبة مغــــمورة لدخول قصر قرطاج في ثوب بطلة سرعان ما لفها النسيان والتجاهل المعتاد.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية