«عندما ترقص الخراف»
تتجمع مجموعة من الخراف وتبدأ الرقص بحلقة دائرية متحركة على أنغام وتر يعزفه خروف موهوب، لم يعرف أحد عن خراف ترقص قبل هذه المرة، لقد كان منظرها غريبا بينما بالكاد حاولت حفظ التوازن وهي تتقافز على أطراف حوافرها الخلفية، بدت حركاتها مترنحة نتيجة محاولتها الخروج عن طبيعة تركيبتها الجسمانية، كخراف ودواب تمشي على أربع، فأصبحت ترقص على حافرين، ما أثار حالة من الاندهاش والضحك، أمام جموع الأسود والنمور التي وقفت تنظر لظاهرة غريبة تحصل لأول مرة في تاريخ الخراف، التي انتشر خبر رقصها في كل حدب وصوب، أثار قلاقل وفجّر سجالات ساخنة، خصوصاً بعدما نشر أحد المتلصصين صورة الخراف الراقصة.
يستفسر مذيع أسد حانق عن واقعة الرقص بالاتصال بالقائمين على المكان، الذي يعتقد أن الحادثة وقعت فيه، فيصدم عندما يسمع تأكيد صحة الواقعة التي جرت فعلاً، بينما كانت الخراف تجتمع توطئةً لشحنها نحو مكان ما، حيث غافلت مسؤولي الشحن النمور وقامت بممارسة رقصتها بعيداً عن النمور، وبينما علمت النمور وحضرت للمكان، كانت الخراف قد انتهت وجلست على أطرافه الأربعة، دونما جلبة أو مأمأه. الأسد المصدوم نفسه الذي هاله رقص الخراف بادر لصب غضبه على جموع الأسود التي شهدت فعلة الرقص المستفزة، دونما أن تحرك ساكناً، معلناً أنه كان سينفذ عليها عقوبة قاسية، وعلى من يرى خروفاً متلبساً بالرقص من دون أن يصد فعله الشاذ عن الطبيعة والمثيرة للاستفزاز، يختم السيد الأسد المذيع.
– يخرج على التلفزيون أحد الفهود المتعصب كي يعرب عن فوران دمه وهو يشاهد الخراف ترقص بشكل استفزازي في عرين الأسود، دونما أن يتصدى لهم أحد، فالأحرى بالخراف أن يكون مكانها الزريبة وفيها فقط من حقها أن تجتر وترتوي وتتناطح وتتكاثر، من حقها أن تخرج نحو المرعى لتواصل اجترارها حتى تكبر وتتكرش ويزداد لحمها وصوفها، وإذا ما استطاب لها الرقص الدائري المتحرك فلا بأس في ذلك، لكنني لا يمكن أن أقبل بمشاهدة خروف يرقص أو حتى يوجد في مكان غير الزريبة والمرعى، لما يشكله من إهانة صارخة، يختم الفهد المعترض.
– يتحدث ثعلب يدافع عن حقوق الحيوان عبر برنامج حواري، ويعلن أن من حق الخراف أن تعبر عن مشاعرها ورقصها، فهي بالنهاية مخلوقات تحشر لساعات في زرائب قذرة، وتمشي مسافات شاقة نحو المراعي، تتعرض فيه لعواء الكلاب التي تزجرها كلما حاولت أن تخرج عن سير القطيع، أو تتلقى حجراً أو عصا من راع أراد تصحيح مسارها وإعادتها لرفاقها الدواب، فهي نتيجة هذا العناء قد تحتاج لبعض التسلية والترفيه، ولا بأس لها ببعض الرقص والتمايل بهذا الشكل الدائري المبهج. أنا لا أفهم لماذا يستفز البعض من رقص الخراف وسماع الموسيقى؟ كما هو حال أبقار هولندا، فهي كائنات وديعة ساكنة، تعم فائدتها وتتلاشى أضرارها المقتصرة على بعض القذارة والنتانة، لكنها نهاية خرفان بحالها تقتصر حياتها على الاجترار والرعي والتناطح، وربما بعض الرقص في ما بينها، فما المشكلة؟ يختم السيد الثعلب مسؤول الرفق بالحيوان.
– يكتب ضبع ساخر متهكماً، إذا ما أعطينا الخراف حق الرقص، فهي ستطلب المزيد، وقد تطالب بحق تحديد ساعات العمل وربما طلب الأجور، قد تتصاعد المطالب نحو تشكيل نقابة خرفان ستنفذ لاحقاً إضرابات واعتصامات تثير البلبلة، لذا من الأجدر أن توقف الخراف عند حدها ولا تعطى أي مساحة تجعلها تتمرد وتسبب شيئا من الأزمات، أغلقوا هذا الباب نهائياً ولا تتركوا لهم الحبل على الغارب، ما تخلوش الخرفان تستلمنا خمسة بلدي، يختم السيد الضبع الكاتب الساخر.
– يظهر على حصاد اليوم الإخباري أحد المتخصصين بشؤون الخراف، يستغرب من ظاهرة رقص الخراف البعيدة عن طبيعتها، ويقول إن الخراف معروف عنها عدم ممارستها لفن الرقص عبر التاريخ، هي ترقص فقط من ألم السكين عندما تذبح وتسلخ، والحادثة الغريبة التي حصلت تعطي مؤشرات عن تغير في طبيعة وسلوكية هذا النوع من الدواب، قد يعجز علم البيطرة عن فك طلاسمه مئات السنين، لكن حسب اعتقادي فلا بد من تشديد الإجراءات على الخراف في المراعي ومراكز الشحن والتصدير الدولية التي تستخدمها، ومواصلة مراقبتها بشتى الوسائل ومنعهم من ممارسة الرقص والوجود في أي مكان عام، حتى لا تثير قريحة البعض، ومن أجل هذا الخصوص لا ضير من ملازمة كلب حراسة مع راع يحمل عصا يهش بها الخراف ويهري وبرها، ليلجمها عن الانحراف والتسيب، حال وجدها تنحرف عن خط سير القطيع، أو في حال أبدت ميلاً شاذاً يتنافى مع طبيعتها البهيمية بالرقص، يتفق معه خبير متخصص بسيكولوجيا الخرفان ليضيف أيضاً أن رقص الخراف على حافرين فقط يدمر خلاياها الدماغية والعصبية ويسبب لها أعراضا صحية ونفسية خطرة، بسبب سلوكها المناقض لغريزتها وتكوينها الجسدي، بينما يعترض عليهما بشدة أحد كبار الكباش ذوات القرنين، فيؤكد غاضباً أن الرقص وسماع الموسيقى عادة متجذرة منذ قرون في ثقافة القطيع توارثتها الأجيال ومارستها في المراعي والزرائب، ويعلن نكاية بالأعداء عن مؤتمر عالمي راقص للخراف في وطنها، تشحن إليه من كل زرائب الأرض.
– بعد تلك الظاهرة الغريبة اللافتة، تخرج فيديوهات لمراهقين يقلدون ما سموه «رقصة الخراف» على غرار ماكارينا وجانجام ستايل، تحقق الفيديوهات نسبة مشاهدات تصل للملايين في غضون أيام، فيما تعترض إحدى مدرسات رقص الباليه على رقصة الخرفان وتقول إنها مبتذلة وتبدو خطواتها مترنح وفوضوي ، عكس حركات الباليه المتناسقة التي تهذب الروح وترقي النفس.
– يعكف أحد كتاب سينما هوليوود المرموقين على كتابة قصة فيلم بعنوان «الراقص مع الخراف» على غرار فيلم «الراقص مع الذئاب».
– يغضب أحد منظري التيار الجهادي للدولة، عندما يسأل عن سبب تراخي سكينّه في التصدي للخراف المنفلتة، التي تعيث فساداً في الأرض، فيؤكد أن أولوياته الراهنة تتوجه نحو الجزارة الآدمية وقطف الرؤوس البشرية اليانعة، إضافة لسوق نخاسة بيع الكافرات، مع هدم بعض الأصنام الشركية كي لا تفتن المسلمين، وبيع معظمها عبر موقع «الإيباي» التجاري بمئات ملايين الدولارات لبعض أولئك الغربيين السخفاء الذين يضيعون ملايينهم على شراء الحجارة. أليس الرقص حراما يا مولانا؟ يسأل أحد الفضوليين، حتى لو ثارت شكوك حول حرمانية الرقص، فرقص الخراف لا يثير الغرائز بقدر ما يثير الغرابة، هي إذن في أغلب الظن الفقهي مكروهة والله أعلم، يجيب مولانا منظر التيار.
كاتب فلسطيني
سامر ياسر