«بين الكأس والكأس» ديوان نثري ـ شعري… نبيل أبو حمد يبعث النواس والخيام وجاك بريفير

حجم الخط
0

بيروت ـ خليل عليّان: صدرت للزميل الفنان والكاتب نبيل أبو حمد مجموعة أبيات نثرية، مع أنه بارتياح كان أجدى أن يسميها شعرية، لخرقها البلاغي طاقات النثر، من حيث التلخيص والكثافة والبُعد المُحير لعالم الحلم..
والمجموعة أطلق عليها أبوحمد اسم «بين الكأس والكأس» حيث الفترة الوجيزة بانتظار الكأس التالي للاغراق، أما في الألم الوجداني أو نشوة الغياب، حيث النقاوة أبهى وأجدى. المجموعة صدرت عن دار «سيغنس لندن» في مئتي صفحة من الورق الأبيض والرسوم الحبرية السوداء، مع غلاف رقيق بنعومته وبساطته وبالخط الفارسي الدقيق والجارح بجماليته، لينساب على مدى صفحات الديوان.
وكأن أبو حمد أراد جلي تسمية الديوان منذ بدايته فلم يتأخر بالتوضيح: «بين الكأس المرُّة وكأس الخمرة تنساب أحياناً تعابير لها طعم السُم أو مذاق الكرمة». إذن هي كؤوس لعصارة المعاناة والتأمل والتجربة ولذة الألم حين تصبح «المازوخية» كامل الرضا والتسليم للعبثية. لم تكن كل الكؤوس نبشا للذات، بل أمعن كثير منها في طرح آهات الألم من الهجرة والطغاة وما يطلقه المسجونون عبر قضبان أسرهم وما يخلفه الحبيب بهجره إلى جانب خيلاء النشوة الذكورية حين تطلق غنائية «اروسية» ترش السُكر بين فترة وأخرى على قهر المعاناة.. حيث يقول أبو حمد كفنان معتد بتملكه لأدواته وعاشق يرفع من قدر معشوقته: «ارسمك بخطين، بشطحة ريشة، بنقطة حبر، ينبض بك الورق، تبهرين المتاحف».. ويتابع كتشكيلي يرسم: «يذكرني الكرز الأحمر، شفتيك، وحبتي نهديكِ، حين اكتبك شعراً أزرق، تحمر نقاط الحروف».
وفي غزله يعيدنا إلى جزالة الشعر القديم وكأنه جميل بثينة محيياً الشرق و»نوستالجيا» الحنين إليه ليقول: «قُبلك طعم البن، طعم الهال المحمص، طعم الشرق، حين تتبادلها، أتحول إلى مهباج يقدق مضارب العرب».
الذاتية تعود وتطل برأسها، بل برأس نبيل ليقول: «أشتعل رأسي بالشيب، أسمع طقطقة النار داخل جمجمتي، هل ينضج معنى الوجود، دون هذا الحريق».
أو ليقول: «في لندن أنا سجين المطر، هارب من سجون العالم الثالث».
وكذلك هارب كمعظم الفارين من الظلم والطغاة: «ربما الأحرار يلجأون غرباً لأن الطغاة يصرفون بهم، اغربوا عن وجوهنا».
أو: «الارتياب ـ مقتل الحب ـ ما يعتمل في أذهان الطواغيت».
أو: «الأموات يعشقهم الطغاة».
ومن ألم القهر ينضح التهكم ليقول: «الديكتاتور الذي يسفح دم الآلاف، ذبحاً، عسفاً تشريداً، يصّر كل مساء، في العشاء يُصّر أن يعلن أنه نباتي».
وللمسجونين الكثير من الكلام: «في سواد عيون الشرق يدمس سواد الشجون».
أو: «أحلام السجان قضبان، ورغبته ثقب قفل».
أو: «العصافير أكثر ما تأمن، نوافذ السجون».
أو: «في ظلمة الزنزانة، يرى السجين الشمس والمراعي، والأشجار والأزهار، ويحفر باظفاره الجدار، قصائد وأشعار، وأهل العسس بنظاراتهم السوداء، وشواربهم السوداء، يخنقون الشمس، ويشيعون النهار إلى مثواه الأخير»..
والذاتيات تجوهر، مع تجوهر الشراب فيقول: طحين تبتعدين عني، يشاركني الخفاش كأس المساء، ويطرق الغراب بابي، ليشرب معي قهوة الصباح».
«المسنون يؤثرون العزلة، لأنهم على يقين بأن الوقت لا يكفي لأعطائه للآخرين»..
«هذا العصفور الجميل، نوتة موسيقية طيارة»..
بعض أبيات الديوان كسبحة يطيب لك كرجها بين أناملك مرات ومرات كالصلاة للمؤمنين، فهي مشغولة بأحجار كريمة تقارب الحكم، طبعاً لم يتقصد نبيل أخذ دور الحكيم ليفيني ببساطته يوقن أن الحياة بيومياتها أهم من يلقن الحكمة يقول:
«السعد: أني موجود، اليأس: أني موجود»..
وأيضاً: «ما من حكم مطلق إلا وفيه لوثة خطأ»..
وأيضاً: «لو يمارس المرء الأخلاق مع الآخرين بدل أن يمارس الدين عليهم»
ومنها: «خرج من السجن اخطبوطاً، بعض أذرعه يقتل الناس، والبعض الآخر يقتله»..
ومنها: هل تقدم الإنسان، تسهيل لغرائزه»..
ولعل رحيق الديوان «المرأة» بجمالية جسدها وطيب التغزل بها وهو أكثر ما يرسمها في لوحاته وهنا بكلماته: «هناك غزلان تسرح على جسدكِ في توقٍ إلى منبت العشب»..
«فمك سرٌ مدموغ بالشمع الأحمر»..
«حين غادرتِ، بقي هواء شعرك في المقعد»..
«أنتِ لا تعبرين، هو الشارع يعبر باثركِ»..
«بعد فعل الحب يبدأ النثر، أما قبله فالشعر فارس الفراش»..
«في ضوء النهار نتحاور بالعيون، في عتمة الليل نرى بعضنا همساً»…
«حتى في وجودك قربي التقيكِ صدفة»..
«كل ما فيكِ يتكلم وانتِ صامتة».
«قالت: أنت أنا، قلت: أنتانا، يا لروعة المخلوق»..
هل يعيد ديوان «بين الكأس والكأس» أدب المُدام مجدداً؟ ليس تماماً.. هو جمع بين جموح أبي نواس، لكنه تجاه المرأة هنا، وغزل وحكمة الخيام مع الصهباء، وبساطة حب الفرنسي جاك بريفير..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية