حوار: نضال القاسم
ليندا عبيد، قاصة وناقدة أكاديمية أردنيّة، كاتبة نشيطة في الصحافة العربية، وأستاذة للنقد الأدبي في جامعة «اليرموك»، لها مجموعتان قصصيتان «رقصة الشتاء الأولى» و»ما تبقى من الياسمين»، بالإضافة لكتاب «تمثلات الأدب في الرواية النسوية العربية المعاصرة» النقدي. حول الكتابة والنقد في تجربتها الخاصّة كان لـ«القدس العربي» هذا الحوار مع لينا عبيد.
■ لنتحدّث عن الكتابة، وما هو دور الأدب في رأيك؟
□ الكتابة هي الطريقة المُحفّزة للتغيير، تصوّر الجمال والقبح بالاهتمام نفسه، فالجمال لتطهير الروح والعلو بها، والقبح للاعتراف به وتغييره. فإذا ما أحس المتلقي بالتعاطف في بعض الشخوص أو بالتقزز والنفور من بعض التفاصيل التي تحكيها لغة السرد فقد نجح الأدب في محاولة لمس مشاكل المجتمع أو تغييرها.
الأدب ليس سوى انفعال ذات مرهفة قادرة على اختزان التفاصيل، وتملك زمام التقنية واللغة، فيخلق حياة مُتخيلة على الورق تبدأ من موقف في الحياة، ثم تنعتق منه لصناعة عالم متخيل من أحداث تحوم حول الواقع ولا تقوله تماما، محاولةً تغييره وإعادة تشكيله.
ولكم تراودني أحيانا حالات ضجيج داخلي لا تهدأ إلاّ بالكتابة. وأنا أقرأ نصي مرتين عادة: الأولى للتنقيح الواعي بعد الكتابة التي يكون ثلثها بلا وعي، ومرة للتلذذ بنصي الجديد.
■ في قصصك تنجح التفاصيل القليلة والعبارات الموجزة في تجسيد القضايا التي تشغل بال شخصياتك. فما رأيك؟
□ تشكّل حركة الشخوص داخل الأمكنة محور كتابتي، رغم أنني لا أبالغ بذكر كل تفاصيل المكان الذي يطل من تأملات الشخوص ومونولوجاتهم، فأنا بارعة باختزان التفاصيل الصغيرة التي تشكل محرضا لصناعة الأحداث، من دون أن أنشغل بكتابة فقرات مستقلة لها.
■ ماذا يعني لك الزمان والمكان؟
□ يتلازم في قصصي الزمن والمكان، يُمثّل أحدهما الأحداث والآخر الخلفية لهذه الأحداث، فمن الزمن الكرونولوجي إلى الزمن النفسي والاسترجاع والاستباق والحذف.
إذ رغم اكتمال الذات الأنثوية جسدياً ونضوجها فكريا، تحيا ارتداداً إلى الماضي، حيث الطفولة والمكان- الذاكرة، رافضةً أطر أمكنتها الجديدة الضيقة من الشارع إلى الجامعة والبيت، ولا تتقبل الزمن الجديد الغارق بالزيف. النضوج عندها يعني خسارة المكان/ الذاكرة، وتقبل الجسد الجديد، ورغم ادعائها أنها تريد التحرّر والرقص تظل عالقة بالماضي ضمن لغة خجلة حينا، وصارخة فجأة بلا تمهيد، تختزن التفاصيل، وتبرع بوصف الأمكنة من خلال حركة الشخوص فيها.
■ ماذا يمثل لك العنوان؟ وهل يمكن للقصة العيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟
□ العنوان هو العتبة النصية التي تضيء داخل النص، ولا بد من إعطائه بعض الاهتمام عند التحليل، من دون أن نعوَل عليه في كل شيء، فهو مؤشر وليس كلاً، وقد يخفق الأديب أحياناً في اختيار عنوانه.
والقصة تستطيع أن تفلت من أسر الأيديولوجيا أحياناً، لكننا نكتب ذواتنا في الأغلب، أي توجهاتنا وتصوراتنا، وتأتي براعة الكاتب حين لا يحمّل الشخوص مالا يحتملون، مراعياً مستواهم الفكري والثقافي، فإثقال النص بالأيديولوجيا يفسده.
■ ليندا، هل أثّرت ممارسة النقد على عفويتك الإبداعية، وهذا يقودنا إلى التساؤل حول ثقافة الناقد وثقافة المبدع؟
□ يُؤثر بلا شك إذ يزيد العمل النقدي من مسؤولية المبدع الكتابية، ويُحيطه بالأسئلة. والأهم أنّ العمل النقدي والأكاديمي، يسرق من وقت المبدع كثيرا، ويضيّع عليه كثيرا من الحالات الكتابية التي تولد في خضم الانشغال بالبحث الأكاديمي والعمل.
ما بين الثقافتين النقديّة والإبداعية تضاد مردّه أنّ الإبداع يقوم على التدفق العاطفي، والنقد يقوم على الترتيب العقلي والتحليل المنطقي. بالنسبة لي الكتابة الإبداعية هي الأقرب، وإذا بدأت الكتابة أحاول الانفلات ما استطعت من وصايا الناقد، ووصايا الأب والام والمجتمع.
■ نصوص «ما تبقى من الياسمين» تعرض نماذج بشريّة مشحونة بالتوتر والقلق، نكتشف بغتة ً بأنها ملامحُنا جميعا ً ومن دون استثناء. تحت أي مفهوم يندرج نتاجك القصصي؟
□ «رقصة الشتاء الأولى» و»ما تبقى من الياسمين» مجموعتان متعاضدتان كمحاولة لتأريخ الذات الأنثوية في مرحلة النضوج، وانفتاح التجربة على مداها الأوسع، من دون التهويم في دواخل الذات التي يزداد وعيها مع ما يدور حولها من قضايا اجتماعية وسياسية، إذ تعي كينونتها وهويتها أكثر بعد أن مرت بأطوار مكثفة من المعاناة في محاولة خلق معادلة ما بين الفوضى بداخلها وتطلعاتها ومشاعرها، وبين الواقع الذي يحاصرها بقوانين المجتمع الأبويّة.
في «رقصة الشتاء الأولى» نحكي عن الذات الأنثوية في بدايات تمردها بعد أن اكتمل نحتها الجسدي، وبعد أن صارت تعي تابوهات المجتمع وقوانينه. في المجموعة الثانية تنضج هذه الذات وتحيا مع بقية الشخوص اغترابها الداخلي. الياسمين لم يغادر المجموعتين، فالأدب هو نحن مع كثير من الكذب الأنيق، إذ يقف الأبيض بمواجهة الأسود، ويصير التضاد عالما من الوجع ضمن تكنيكات قصصيّة مكثفة منوّعة قد تكون أكثر نضجاً في «رقصة الشتاء الأولى» رغم تشابه الشخوص في توتراتها.
■ في كتابتك هناك حالة من الندية والصدامية بين الأنثى التي تواجه الذكر وتحاول تحقيق ذاتها، لماذا؟
□ لم أتقصد هذه الندية أو التصادمية وإن كانت ربما كامنة في النفس، فهناك نساء أكثر نجاحا وحضورا من بعض الرجال الذين يتصدرون المواقع بفعل هويتهم الجنسية فقط، وأحياناً يتحكم بعض الضئيلين بذوات مضيئة، ويعملون على تحويلها إلى ذوات مطفأة باهتة. مرد هذه النديّة إلى أنّ الحرية هي هاجس الأدب، وفي مجتمعاتنا الأبويّة تعدّ التسلطيّة المعوّق الأول لتحرّر الأفراد.
■ مَنْ هم أساتذتك في السرد والنقد؟
□ تتلمذت على يد أساتذتي في الجامعة الأردنية الذين أرسو اللبنة الأولى في تفكيري النقدي، ثم استكملت قراءاتي وتوجهاتي على يد أساتذتي في جامعة اليرموك وأخصّ بالذكر نبيل حداد الذي كان لي خير عون، إذ جعل مكتبته تحت تصرفي، وأشرف على رسالتي لنيل الدكتوراه، إضافة إلى تتلمذي على يد النقاد العرب فالمعرفة العلمية لا حد لها، والشيوخ يضعونك على الدرب فقط لتختار سفينتك. أمّا مواجهة النص الأدبي فتبدأ بقراءة أولى فثانية وثالثة، والقراءة حول النص. بعدها أبدأ بتحليل النص والحفر العامودي فيه شيئاً فشيئاً، وصولاً إلى رؤى الكاتب ومرجعياته والتوقف عند لغته وتقنياته، فلا قيمة للمضمون إن لم يعضده الشكل في صناعة العمل الفني.
■ ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟
□ الواقع هو الذي يحرك المبدع ليكتب، فالنص وإن خرج عن الواقع بتهويماته وأحداثه إلا أنه ناتج عن انفعال المبدع بموقف ما. وليس بالضرورة أن يكون النص الابداعي انعكاساً للواقع، أو خدمة لقضاياه، فقد يستهدف الجمال لأجل الجمال، والفن لأجل الفن. ولكننا لا نغفل كوننا جزءاً من المحيط، ومنه تشكلت دواخلنا وأفكارنا وتوجهاتنا.
■ سؤال أخير، أين أنت اليوم وماذا عن تصورك للمستقبل؟
□ الروح الكاتبة لا تتوقف عن التحريض، وسأصدر مجموعة قصصية جديدة تندرج تحت ما يسمى» بالقصة الومضة» أو القصة القصيرة جدا جدا، وأتطلع لجمع نصوصي الشعرية داخل ديوان. أمّا حالياً فأعكف على كتابة روايتي الأولى، من دون الوقوع في أسر الايديولوجيا والانفعال، مستفيدة من تنوع تقنيات السرد وتشابكها وغناها التي مكنتني منها دراستي النقدية. وأتطلع إلى واقع أكثر ألقا، وأقل كدرا، وحرية لا اختناقا.